الاتحاد الأوروبي.. فرصة النهوض من جديد مازالت قائمة


١٣ أبريل ٢٠٢٠

رؤية ـ جاسم محمد

يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم تحديًا جديدًا وهو تفشي وباء "فيروس كورونا"، وهذا ما يضع الاتحاد من جديد على المحك، في مدى قدرته على التعامل مع الأزمات، بدون شك إن فيروس كورونا أخذ العالم على حين غرة، ومنها دول أوروبا والاتحاد الأوروبي، ولا يمكن استثناء أي دولة، فجميع دول أوروبا ضربها الفيروس، وهي إلى الآن تحت الصدمة.

بعد مضي أكثر من شهرين على تفشي فيروس كورونا، بدأت أوروبا ودول الاتحاد، باتخاذ سياسات وإجراءات من أجل احتواء "الأزمة" ومواجهتها بشكل أفضل.

وربما تكون دول الاتحاد "معذورة"، أن تكون تحت صدمة أزمة كورونا، كونها كانت خارج الحسابات والتقديرات وخارج قدرات الدول في مجال: الاقتصاد والسياسات والإجراءات الصحية والأمن. مشكلة فيروس كورونا، أنها "باهظة الثمن" ومكلفة، حتى في وسائل وأساليب الوقاية، وكذلك في طرق و وسائل العلاج، التي عادة تحتاج إلى أجهزة ومعدات ومعامل مختبرية، خارج التقديرات والتوقعات، فلم تكن دول أوروبا، في أحسن حال، إلا نسبيًا.

اقتصاديات الدول تلعب دورًا في مواجهة فيروس كورونا

المال والاقتصاد، لعب دورًا هامًا في هذه الأزمة، الانقسام ما بين الشمال والجنوب، أصلا كان موجودا، لكن ظهر التشقق أكثر على جدار الاتحاد اليوم، أكثر مع فيروس كورونا، الذي ضرب الاتحاد عموديًا وأفقيًا، وهنا، ينبغي ألا ننسى الانقسام بين شرق وغرب الاتحاد.

اقتصاد ألمانيا، ربما ساعدها، على مواجهة أزمة كورونا، بشكل أسرع من دول أوروبا، بعد أن ضخت في الأيام الأولى من اجتياح الفيروس، 600 مليار يورو، ضمانًا للشركات الألمانية، وهو أكبر مبلغ تخصصه ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

البنى التحتية الاقتصادية، هي الأخرى ساعدت ألمانيا لتكون أفضل حالًا من بقية الدول، مشاركة القطاع الخاص مع الحكومة، "بالتضامن" و"التعاضد" لتقديم الأموال والصناعات والأجهزة والمعدات أبرزها أجهزة التنفس لمراكز الإنعاش، وهي أكثر ما يحتاجها المصاب.

أزمة كورونا استفادت منها دول لا تريد مصلحة شعوب أوروبا، من خلال بث الأخبار و"فبركتها" وكذلك زج أخبار وحقائق تثير الكثير من الفرقة بين شعوب أوروبا، تلك الأخبار والفيديوهات، كانت مؤثرة ولها وقع على الشعب الإيطالي والإسباني ودول جنوب أوروبا، دفعها لتستذكر تاريخها القديم وما قدمته من إنجازات للإنسانية في مجالات العلوم والفن وغيرها.

مساع لاحتواء أزمة "كورونا"

لقد انتبهت دول أوروبا إلى الازمة أكثر منتصف شهر مارس 2020، وأخذت بعض الدول الأوروبية بإظهار تضامنها الإنساني مع سائر شعوب الاتحاد تحديدا مع إيطاليا التي كانت أكثر ضررًا، على سبيل المثال، باشرت ألمانيا باستقبال مرضى لغرض العلاج من إيطاليا وفرنسا، فرغم أنها مشاركة رمزية، لكنها ممكن أن تبعث رسالة، أن شعوب أوروبا ما زالت تظهر التضامن والتعاضد. التاريخ يلعب دورًا هامًا، في أزمة كورونا، وربما ألمانيا، كان تاريخها المرير، درسًا في التعاضد الاجتماعي والتضامن على مستوى وطني وقومي، وهذا انعكس حتى في مدى استجابة المواطن الألماني لسياسات وإجراءات الحكومة، إلى جانب المبادرات الإنسانية داخل المجتمع الألماني.

الرهان على المحور الفرنسي الألماني ما زال قائمًا

الرهان على ألمانيا، إلى جانب فرنسا في النهوض بالاتحاد الأوروبي ما زال قائمًا، وهذا ما جاء في حديث وزير الخارجية الألماني يوم أمس 12 أبريل 2020 ، بأن بلاده تركز خلال رئاسة الاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من هذا العام 2020 في معركة مواجهة وباء كورونا. وأضاف وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، أن ميزانية الاتحاد للأعوام السبعة القادمة ستقدم برنامجًا لإعادة إحياء أوروبا... "أي إننا نفكر بطريقة جديدة ونستثمر بشكل كبير حاليا في المستقبل، في البحث العلمي وحماية المناخ والسيادة التكنولوجية والأنظمة الصحية والاجتماعية الراسخة في مواجهة الأزمات".

الاتحاد الأوروبي ما زال قائمًا، رغم تحديات خروج بريطانيا، والأزمات التي تعصف بالاتحاد من الداخل والانقسامات، التي جعلته بالفعل اتحادًا هشًا، لكن السؤال الأهم، هل تعلم الاتحاد الأوروبي درسًا من فيروس كورونا؟

التقديرات، تقول إن الاتحاد الأوروبي تعلم الدرس، وإن الأزمة ضربت الجميع، وأن غلق الحدود بين دول الاتحاد، كان إجراء احترازيًا لصالح الجميع، أكثر من إجراء "أناني" يصب في مصلحة وطنية، هو إجراء من أجل مصلحة الجميع، لذا الغلق لم يكن فقط بين الدول، بل أصبح حتى داخل الولايات وما بين مدن الدولة الواحدة.النهوض بالاتحاد الأوروبي من جديد، ما زال قائمًا، خاصة بعد أن وافق الاتحاد الأوروبي على تخصيص  ما يقارب 540 مليارًا لدعم اقتصاد الدول الأعضاء خلال اجتماع وزراء المالية يوم الرابع من أبريل الجاري 2020.

وربما هناك جملة عوامل، تدفع الاتحاد الأوروبي إلى النهوض أو الحرص على استمراره مهما كانت النتائج:

ـ الضغوطات الأمريكية: إن ساسات الولايات المتحدة في مجال البيئة والأمن والاقتصاد، وغيرها، تدفع الاتحاد إلى النهوض بمسؤولياته، وعدم الاعتماد على الولايات المتحدة.

ـ سياسات موسكو: ما زالت أغلب دول أوروبا، تنظر إلى موسكو، كمصدر تهديد إلى أمنها، خاصة في مجال التسلح النووي غير التقليدي، رغم تقارب موسكو مع برلين وباريس، حول مجمل قضايا ربما تتعلق في منطقة الشرق الأوسط أكثر من الشان الأوروبي.

ـ العامل التاريخي: خاصة برلين وباريس، والتجارب المريرة، تجعل المحور الفرنسي الألماني حريص، على أمن شعوب دول أوروبا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد نجح في أن تعيش دول أوروبا بأمان وسلام ما بينها، ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945 ولحد الآن.

إن النهوض بالاتحاد الأوروبي، ما زال قائمًا، مع دور ألماني فرنسي، لقيادة هذا الاتحاد، مع احتمالات، أن تظهر كتلة جديدة داخل هذا الاتحاد، تحكمها، سياسات وقوانين واتفاقات جديدة، بعد مراجعة وتعديل العديد من الاتفاقات الأساسية لهذا الاتحاد.



اضف تعليق