تخفيف إجراءات الحجر الصحي.. مغامرة قاتلة أم ضرورة اقتصادية


١٨ أبريل ٢٠٢٠

 كتبت - دعاء عبدالنبي

دول غربية عدة أعلنت عزمها تخفيف الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا، بعد تراجع أعداد الوفيات والإصاباتـ وهو ما أدى إلى تخفيف إجراءات الحجر الصحي وعودة العمل جزئيُّا كما حدث في إسبانيا، وعودة الدراسة كما في الدنمارك والنرويج، فيما أعلنت ألمانيا عن تخفيف طفيف للقيود، بما في ذلك إعادة فتح بعض المحلات التجارية انطلاقا من الأسبوع المقبل.

لكن برامج الإنقاذ الحكومية الضخمة التي دعمت الشركات والعائلات المتضررة وحزم المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي، ساهم في تخفيف الضرر الاقتصادي إلى حد كبير ما قد يسهم في تقليل المخاوف من تداعيات الفيروس في حال استمرت إجراءات العزل أو تخفيفها في حال انخفضت أعداد الإصابات، بالنظر إلى قدراتها وأنظمتها الصحية المتطورة ومساعيها الدؤوبة لاحتواء الفيروس. لكن هل هذا يكفي لانتهاء الأزمة؟ وكيف ستتعامل الدول العربية وتحديدًا الفقيرة مع إجراءات الحجر؟

تحديات وعوائق كبرى

تعاني الدول العربية -بشكل عام- من ضعف عدد الاختبارات على المشتبه بإصابتهم بالفيروس، فعلى سبيل المثال استطاعت ألمانيا إجراء أكثر من مليون اختبار حتى 10 أبريل الجاري، مقابل تونس التي أجرت حوالي 12 ألف تحليل حتى 13 أبريل، مع الأخذ في عين الاعتبار الفارق بين عدد السكان وتطور التجهيزات الطبية بين البلدين.

في لبنان، البلد الصغير الذي يتأرجح على حافة الإفلاس ويعاني من نظام صحي هش وغضب شعبي، أدى الإغلاق الذي استمر لمدة شهر إلى دفع عشرات الآلاف من المواطنين إلى براثن الفقر، مما ضغط على الحكومة لتخفيف القيود.

في المغرب، هناك دعوات لاستمرار الحجر الصحي رغم إعلان السلطات عن رفع إجراءاتها الصارمة في 20 أبريل، ومن المتوقع أن تعلن الحكومة المغربية تمديد الحجر الصحي لأسبوعين إضافيين في اجتماعها القادم.

وفي تونس، هناك دعوات لتمديد الحجر الصحي الشامل لمدة أسبوعين جديدين لكن لم تتم الموافقة حتى الآن في ظل الضغوط المستمرة من رجال الأعمال لرفع الحجر الصحي المقرر انتهاء إجراءاته في 19 أبريل الجاري.

وفي الجزائر التي سجّلت بداية الشهر أعلى نسبة وفيات عربيًّا، لم تتضح بعد سيناريوهات التمديد أو رفع الحجر الصحي، ونقلت صحيفة الخبر أن السلطات العمومية لم تتطرق لموعد رفع الإجراءات، وأن هناك مؤشرات لعدم نيتها رفع الحجر في الأيام المقبلة.

أما مصر فقد تعاملت منذ بداية الأزمة بشكل مرن ولم تعلن إجراءات صارمة كما فعلت دول أخرى، حيث عادت بعض القطاعات للعمل منذ الخامس من أبريل الماضي، ومنها قطاع البناء والتشييد الذي يعمل فيه حوالي 4 ملايين عامل، حرصًا منها على استمرار عجلة الاقتصاد في الدوران.

عودة الاحتجاجات

لكن المشكلة الأكبر هنا قد تواجه الدول العربية غير النفطية، فاستمرار الحجر الصحي سيؤثر بدوره على ملايين السكان الذين تضررت أنشطتهم الاقتصادية، رغم مسارعة بعض الدول لخلق صناديق تضامنية للمساعدة ولكنها لن تغطي نفقات السكان.

ووفقًا لآخر الإحصائيات، فقد بلغ عدد الوفيات حول العالم 120 ألفًا بينما تقتل الأنفلونزا العادية سنويًّا أكثر بكثير من هذا الرقم، ومن ثم فإن استمرار الحجر الصحي قد يخلق صدامات بين سلطات عدة دول وشعوبها الفقيرة، في وقت أصبح الفيروس هو من يتحكم في الإجراءات ومحاولة رفعها أو تخفيفها بشكل غير محسوب سيهدد حياة الملايين حول العالم.

لكن الأخطار في المجتمعات الفقيرة لا تقف عند التحديات الصحية والعجز عن مجاراة انتشار الفيروس، فالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة يمكن أن تلقي بأعباء جديدة على الحكومات التي نجحت في تخفيف الحجر الصحي بالمساعدات والمنح لفائدة ضعاف الحال، لكن الأمر لا يمكن أن يستمر طويلا.

وتعاني أغلب هذه الدول من أزمات اقتصادية وديون متعددة لا تسمح لها بالمزيد من الإنفاق، فضلا عن تقديم تعويضات كافية للتغطية على خسائر الشركات العاملة في القطاع الخاص، والتي تلعب دورًا كبيرًا في حل أزمة البطالة.

ويتوقع مراقبون عودة الاحتجاجات المناهضة للفساد، والتي بدأت في أكتوبر في دول مثل لبنان والعراق والجزائر، وبشراسة أكبر مع تفاقم الأوضاع التي أشعلتها في المرة الأولى، مع زيادة الديون وتراكم الخسائر الاقتصادية، والعجز عن إجراء إصلاحات هيكلية حقيقية.

الصحة العالمية تُحذر

تزامنًا مع تخفيف بعض الدول إجراءات الحجر الصحي، حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس من أن أيّ رفع متسرّع لإجراءات العزل الصحي قد يؤدي على عودة قاتلة للوباء، مطالبًا بضرورة التعامل السليم مع تراجع عدد الإصابات بالوفاة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يزال بوسعها أن “تغتنم الفرصة” السانحة حاليًا وأن تتحرك لتجنب انتشار واسع للفيروس.

ووفقا للدكتور إيفان هيوتن، مدير إدارة التغطية الصحية الشاملة والأمراض السارية في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في منطقة شرق المتوسط، من الصعب في الوقت الراهن تفسير التزايد البطيء في عدد الإصابات في دول الإقليم، باستثناء إيران التي سُجِّلت فيها أكثر من 76 ألف إصابة وما يقرب من 5 آلاف وفاة.

ولتجنب وضع مشابه لما حدث في أوروبا أو الولايات المتحدة حيث توفي عشرات الآلاف، وفقًا لمسؤول منظمة الصحة العالمية لابد من توفير “أعمدة المواجهة” للفيروس وهي الالتزام المجتمعي وتعبئة الأنظمة الصحية وإعداد المستشفيات لاستقبال الحالات الخطيرة.

ويمكن اتخاذ إجراء آخر لتجنب انفجار في حالات الإصابة في المنطقة، وهو زيادة القدرة على عمل اختبارات لهذا المرض وهو أمر يمكن أن يتم، بحسب الدكتور هيوتن، “بواسطة أجهزة صغيرة تعطي نتائج سريعة”.

لكن كان هناك رأي آخر للطبيب المغربي المقيم بفرنسا، زهير لهنا حيث قال إنه يمكن رفع الحجر الصحي في الكثير من الدول مع شرط تشديد السلطات للإجراءات الوقائية (وضع الكمامات وغسل اليدين باستمرار ومنع المصافحة)، لافتًا إلى أن الطريقة التي يدار بها الحجر الصحي حاليًا غير ناجحة طبيًا، وأن ارتفاع حالات الوفيات يعود إلى ضعف التعامل مع الحالات التي تستوجب الإنعاش.

أما الباحث الاقتصادي رشيد، فدعا إلى عدم رفع حالة الطوارئ بشكل متسرع؛ لأن أضرارها ستصيب أهم عنصر في الاقتصاد أي العنصر البشري، وهو ما قد يمثل مغامرة كبرى إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة في ظل عدم التوصل للقاح يقضي على الفيروس القاتل.



اضف تعليق