إبادة الأرمن.. جريمة كاشفة لوهم الإنسانية التركية عبر العصور


٢٦ أبريل ٢٠٢٠

كتب - حسام عيد

الوجع والانتصار معًا رافقا الذكرى الـ105 لإبادة الأرمن على يد الأتراك، هذه الذكرى السنوية التي تصادف الـ24 من أبريل أتت مع شهادة إدانة من مجلس الشيوخ بارتكاب الدولة العثمانية، المجزرة، التي أبادت فيها 1.5 مليون أرميني من الرجال والنساء.

مشاعر حزينة تأتي وسط جائحة وبائية عالمية، لكنها على ما يبدو كانت كفيلة بإثارة المشاعر القومية التركية والاحتجاج بشدّة، وذلك بعد إرسال الصين صناديق مساعدات متجهة إلى أرمينيا لمساعدتها في مكافحة فيروس كورونا، ومكتوب عليها عبارة "نرجو أن تكون صداقتنا أعلى من جبل "أرارات" وأطول من نهر يانغتسي".

فرغم مرور 105 من السنين وآلاف الوثائق والشهادات والمؤلفات واعترافات عشرات الدول والمنظمات، كل ذلك لم يغيّر في الموقف الرسمي لتركيا، الذي بلغ حدّ تجريم "إهانة القومية التركية"، بموجب المادة 301 من قانون العقوبات.

وثائق الإدانة

من مكتب صغير في مدينة "أردوروم" التركية بدأت هذه القصة عام 1914 عندما كتب رئيس جمعية "تركيا الفتاة" بهاء الدين شاكر، برقية، وبعد ذلك بـ5 سنوات خضع شاكر مع رفاقه للمحاكمة لتورطهم في مذابح لإبادة الأرمن، وكانت هذه البرقية الدليل الأبرز ضدهم، لكن لم يعثر على تلك البرقية واختفت إلى الأبد.

استمرت تلك المحاكمة لفترة وبعد نهايتها قررت شخصيات أرمينية في إسطنبول عام 1922 شحن 24 صندوقًا من وثائق محاكمات جرت في تركيا لحفظها في إنجلترا، تم نقلها لاحقًا إلى فرنسا، ومنها إلى القدس؛ حيث بقيت محجوبة في البطريركية الأرمينية.

ومن ساعتها، وبسبب اختفاء تلك البرقية أصبح المحققون والباحثون في مذابح الأرمن، يعتمدون فقط على الوثائق المتوفرة في المؤسسات الحكومية التركية.

وبسبب ذلك أيضًا أنكرت تركيا أي ضلوع رسمي لها، وشككت في صحة أي برقية أو وثيقة حتى ولو نشرت سابقًا.

ما كان متوفرًا للمهتمين وقتها بشأن تلك البرقية أنها الدليل الدامغ على صدور أوامر الإبادة من وزير الداخلية العثمانية -آنذاك- طلعت باشا مع مسؤولين من جمعية "تركيا الفتاة" ومنهم بهاء الدين شاكر.

لكن ومع ذكرى مرور قرن على المذبحة نجح المؤرخ التركي تانير أكشام في العثور على الجرم المشهود، حيث تعرف أكشام على زميل له اسمه إدموند غيرغيريان في مؤتمر بنيويورك، نصحه الأخير بالتوجه إلى الجمعية الأرمينية الأمريكية التي تحفظ لديها سجلات تعود لعم "غيرغيريان"، الكاهن الأرميني الناجي من الإبادة.

غريغور غيرغيريان، أثناء تقفيه لآثار ما جرى مع الأرمن، وصل إلى القاهرة في الأربعينيات وهناك التقى بالرئيس السابق للمحكمة العسكرية في إسطنبول مصطفى باشا، الذي أبلغه بوجود وثائق في القدس.

وسافر غريغور إلى القدس وصوّر وثائق، ومن بينها ما كان يبحث عنه أكشام، تعود الوثيقة إلى الرابع من يوليو 1914 كان قد أرسلها شاكر وجاء فيها: "هل تخلصتم من الأرمن بعد إبعادهم من هناك؟ وهل جرت تصفية الأشخاص العدائيين الذين أبعدوا في خضم موجة الترحيل أم أنهم هجروا بكل بساطة؟ أريد أن تكون صادقًا في تقريرك".

كما عثر على مذكرات نعيم أفندي، الموظف العثماني الذي باع أكثر من 20 برقية صادرة عن وزارة الداخلية للأرميني آرام أندونيان الذي ألف كتابا اعتمادا على ذلك، لكن تركيا كانت عادة ما ترد بأن نعيم أفندي شخصية وهمية، وأن أندونيان هو الذي زور تلك البرقيات.

غير أن أكشام أثبت أن نعيم أفندي شخص حقيقي، أظهرت الوثائق أنه كان مسؤولا عن عمليات الترحيل في مخيم مسكنة وأنه شارك في عمليات الترحيل في حلب.

وأصبح أكشام ممنوعا من العودة لبلاده بعد أن ألف كتابا اعتمد فيه على تلك البرقيات واختار له عنوانا "أوامر بالقتل"، حرص على إهدائه لصديقه الصحفي الأرميني هرانت دينك الذي قتلته المخابرات التركية على الملأ في الشارع عام 2007، وتم قتل دينك برأي أكشام فقط لأنه أرميني.

الدوافع السياسية

ويعدّ الكتاب الصادر عام 2017، من ضمن سلسلة الإصدارات الأمنية عن جامعة "كورنيل" الشهيرة في نيويورك الأمريكية تحت عنوان "الانفصال والأمن: شرح استراتيجية الدولة ضد الانفصاليين" لإحسان بات، يُعدّ أحد أبرز المراجع الحديثة في فهم الدوافع السياسية التي أفضت إلى وقوع الإبادة الأرمينية.

يقول بات في كتابه: "تستجيب الدول بعنف للحركات الانفصالية إذا كانت الدولة المحتمَلة ستشكّل تهديدًا أكبر حجمًا ممّا تشكله الحركة الانفصالية العنيفة، تدرك البلاد احتمال وقوع حرب مستقبلية مع الدولة الجديدة المحتملة إذا كانت المجموعة الأثنية التي تقود الصراع الانفصالي ذات هوية منفصلة بشكل عميق عن هوية الدولة المركزية، وإذا كانت الدولة المجاورة عنيفة وغير مستقرة"، علمًا بأن المطالب الأرمنية لم تبلغ حد النداء بالانفصال والاستقلال، إلا بعدما بدأت السلطات الحاكمة التضييق على هذه الأقلية وحرمانها من حقوقها، مع الإشارة إلى أنّ مؤرخين عدّة ممّن درسوا هذه الحقبة يتفقون على تفوق الأرمن اقتصاديًا وعلميًا على بقية مكونات المجتمع التركي في تلك المرحلة، وأنّ السلطات هي من كانت تعاني عدم الاستقرار نتيجة التركة العثمانية وتداعيات الحرب العالمية الأولى والتهديدات الإقليمية التي كانت تستشعر بها نتيجة مراكمة سنوات من العداء مع الجيران.

ويخصّص المؤلف الفصل الرابع من الكتاب للخوض في السياق الذي أدى إلى الإبادة، بعدما اعتمد الخطاب القومي التركي في مختلف المراحل داخليًا على شعارات إصلاحية.

ويشير بات إلى أنه، في العقد الأول من القرن الـ 20، "تغيرت المعاملة العثمانية للمجتمع الأرمني مع تغيّر التهديدات لنظام الحكم، لم يكن للأمة الأرمنية لحظات انفصالية محورية على هذا النحو خلال هذه الفترة. وبدلًا من ذلك، كانت حالة المطالب والقومية الأرمينية ظاهرة شبه ثابتة".

ويعتبر بات أن "الضعف الخارجي المتزايد الناجم عن مشاركة تركيا في الحرب (العالمية الأولى) كان أمرًا حاسمًا في التصعيد الذي واجهه الأرمن، خصوصًا بالنظر إلى العلاقات بين روسيا والدولة العثمانية والجالية الأرمنية، عندما صعد الأتراك الشباب (تركيا الفتاة) إلى السلطة.

عامل آخر يرى فيه المؤلف سببًا للتشفّي التركي من الأرمن، يتمثل في الدعم الروسي الذي حدث في وقت كان بقاء الإمبراطورية العثمانية في خطر، "كان للدعم القوي الذي قدمته روسيا للأرمن عواقب مادية وعاطفية، إذ واجهت الإمبراطورية العثمانية صعوبة كبيرة في الحرب العالمية الأولى، بالتزامن مع هذه العوامل، اعتماد القومية الأكثر حصرية وجنون الارتياب من قبل النظام التركي الشاب".

أعظم جرائم القتل الجماعي

مذابح الأرمن ستظل قضية حساسة بالنسبة لتركيا، والبداية كانت عام 1914 عندما هزمت الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى في مواجهة مع روسيا، ولتبرير هذا الفشل حمل وزير الحربية أنور باشا، الأرمن، المسؤولية واتهمهم بالتعاطف مع الروس وبناءً على أوامره جرد نحو 120 ألف جندي من أسلحتهم خلال فبراير من العام 1915 قبل أن يعدموا خلال الأشهر التالية تزامنا مع بداية الإبادة.

وفق مؤرخين كانت بداية الإبادة في 24 أبريل 1915، وخلال ذلك اليوم اعتقلت السلطات التركية 650 فردًا من الشخصيات الأرمينية المرموقة في عاصمة السلطنة إسطنبول، في يوم عُرف بـ"الأحد الأحمر"، قبل أن تنقلهم نحو شرق البلاد لإعدامهم في وقت لاحق.

تلا ذلك عملية تهجير قسري نفذت على مرحلتين، المرحلة الأولى؛ شملت الذكور بين 20: 45 عامًا، أما المرحلة الثانية فقد شملت كبار السن والنساء والأطفال وسيقوا نحو الصحراء السورية في ظروف قاسية.

في هذه الأثناء وضع الجنود العثمانيون برنامجًا انتقاميًا قام أساسًا على عمليات اعتقال وإعدام سواء رمي بالرصاص أو عن طريق الأشغال الشاقة والمنهكة بمراكز العمل القسري.

ونقل الآلاف عبر قطارات أو مشيا على الأقدام نحو مناطق نائية بسوريا والعراق ضمن ما عرف بمسيرات الموت، ليلقوا حتفهم بسبب ظروف الاعتقال القاسية حيث حرمهم العثمانيون من الأكل والشرب وتزامن ذلك مع عمليات اغتصاب طالت النساء، وعمليات تسميم للأطفال ونشر الأوبئة بين المهجرين، مثل حمى التيفويد.

وأسفرت هذه الإبادة التي استمرت بين عامي 1915 و1923 والمصنفة كأول إبادة شهدها القرن العشرين، عن مقتل 1.5 مليون أرميني على يد الأتراك وهو ما قدر بنحو ثلثي الشعب الأرميني.

ترامب يدعو الأتراك للاعتراف بتاريخهم المؤلم

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصفها بإحدى أعظم جرائم القتل الجماعي التي شهدها القرن العشرين داعيًا الأتراك إلى الاعتراف بتاريخهم المؤلم.

وأطلق ترامب عبارة الكارثة الكبرى على الأحداث التي شهدتها الدولة العثمانية عام 1915 وتطلق عليها دول غربية وصف "إبادة الأرمن".

وقال الرئيس الأمريكي -في بيان أصدره يوم الجمعة الموافق 24 أبريل- "اليوم نتذكر الذين عانوا في الكارثة الكبرى، أحد أعظم جرائم القتل الجماعي في القرن العشرين". واستخدم ترامب عبارة "ميدس ييغرن" التي تعني الكارثة الكبرى باللغة الأرمنية.

إدانة أخرى جاءت من رئيس لجنة المخابرات في مجلس النواب الأمريكي، أدام شيفت، في تغريدة له، أدان فيها الإبادة الأرمينية على يد الأتراك العثمانيين قبل أكثر من قرن، وقال: إن هذا العام سيكون الأول في ظل اعتراف الكونجرس رسميًّا بالإبادة الجماعية للأرمن.

مشاعر التعاطف مع الشعب الأرميني عبر عنها كذلك عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري تيد كروز، في تغريدة، إنه يفتخر كذلك بقيادته الجهود في مجلس الشيوخ لتمرير قرار من الحزبين لإحياء ذكرى هذه الإبادة الجماعية والإقرار بها.

بدوره اعتبر السيناتور الأمريكي بوب بيندز إقرار مجلس الشيوخ بالإبادة الجماعية للأرمن إنجازًا تاريخيًا ودعا الإدارة الأمريكية أن تحذو حذو مجلس الشيوخ.

وفي ظل اعتراف أكثر من 30 دولة حول العالم، ما تزال تركيا مصرة على إنكار ارتكابها جرائم وحشية ضد الأرمن الذين لم تُنسهم كل هذه السنين مشاهد القتل والتنكيل وتصر على مطالبة تركيا بالاعتراف وتعويض أسر الضحايا.



اضف تعليق