يانيس ريتسوس.. اختبأ خلف الأشياء البسيطة كي نهتدي إليه!


٠١ مايو ٢٠٢٠

رؤية

"إذا لم يكن الشعر هو الحل، فعبثًا ننتظر النعمة من أيِّ شيء"..

عندما أصدر الشاعر يانيس ريتسوس ديوانه "نشيد أختي" أو "أغنية أختي"، متأثراً بمرض شقيقته "لولا" النفسي، والتي دخلت مصحة سبق أن عولج فيها أبوهما؛ أعجب به كوستيز بالاماس الذي كان يعتبر أشهر الأدباء اليونانيين في تلك الفترة، وهو ما دعاه ليقول: "إننا ننحني أيها الشاعر كي تمر".

هذا الديوان كان بداية فترة الانفجار الغنائي لدى ريتسوس الذي كان مؤمنًا بقدرة الشعر على تغيير العالم. عندما قيل له: "ولكن ألا تعتقد أن الشعر بات فنًّا رجعيًّا، وقد تجاوَزَه التطورُ التكنولوجي في هذا العصر؟"، أجاب: إن الناس قد يتوقفون عن كتابة الشعر يوم يصبحون خالدين!

الكلمات كمثل الحجارة، يمكن لنا أن نبني بها
منازل هادئة، بمفروشات بيضاء، وأسرَّة بيضاء،
ويكفي أن يوجد شخصٌ ما، يومًا ما، ليسكنها، أو على الأقل
ليأتي وينظر من خلف سياج الحديقة، ساعة
يتوهَّج زجاجُ النوافذ بلون الدم،
وتُقرَع خلف التلال أجراسُ المساء. وبعد ذلك بقليل
يرتخي حبلُ الجرس ساقطًا وحده على الجدار.

ولد الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس في مثل هذا اليوم أول مايو 1909، وتلقى تعليمه في مدرسة القرية، وكتب أول قصيدة له وهو لا يزال في يالثامنة من عمره.

في 1921 توفى أكبر أشقائه بمرض السل، وسرعان ما لحقت به والدته بعد ثلاثة فقط، بنفس المرض الذي أصاب كامل القرية.

 أما والده فكان رجلاً ثرياً ينتمي إلى عائلة نبيلة تملك العديد من الأراض، لكنه فقد أمواله بسبب القمار.

بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية، انتقل إلى مدينة أثينا، وهناك عانى من الفقر، فاضطر أن ينقطع عن دروسه، ليعمل في بعض المهن البسيطة، ككاتب ينسخ الأوراق في نقابة المحامين، وراقص هامشي بإحدى الفرق الفنية، وممثل صامت.

ثم عمل مصححاً وقارئاً لبروفات الطباعة لدى أحد الناشرين، حتى حظي بوظيفة في "المصرف الوطني"، لكنه أصيب بمرض السل عام 1926 ، فقرر العودة إلى قريته، وهناك كتب ديوانه "منزلنا القديم".

في نفس العام دخل إحدى المصحات، ومكث فيها ثلاث سنوات. خلال هذه الفترة لم يتوقف عن القراءة والكتابة، وبعد مغادرته المصحة، عاوده المرض ودخل مصحا آخر.


عاد ريتسوس إلى أثينا سنة 1931، وامتهن التمثيل في أحد مسارحها.

يقول: "لم يكن لدي ناشر أول الأمر، فكان علي أن أموّل مؤلفاتي بنفسي، وكنت ما أن أستعيد جزءاً من التكاليف، بعد بيع كتاب، حتى أدفع الثاني إلى المطبعة، ولم يتسن لي الحصول على شروط عمل ملائمة إلا عند بلوغي التاسعة والأربعين من عمري، أما قبل ذلك فقد عملت مجرّد مراجع في إحدى دور النشر، ولكن ذلك أفادني كثيراً، فقد قرأت وأعدت قراءة دوستويفسكي وغيره من الأعلام. وفي وقت سابق عملت في المسرح، وكانت مهنة شاقة، وفوق ذلك كان علي أن أهتم بأسرتي، كنت أحتاج إلى نوم عميق، لكنني في تلك الفترة لم أستطع ذلك حتى نشرت "سوناتا في ضوء القمر" ونلت الجائزة الوطنية للشعر، فتحسنت أحوالي. وفي بداية عام 1956 وقعت عقداً مع دار "كيذروس" التي رغم ظروف عديدة لم أتخل عنها قط، إن الإخلاص خصلة مهمة في نظري".

أختبئ خلف الأشياء البسيطة، كي تهتدوا إليَّ،
فإن لم تهتدوا إليَّ، تهتدون إلى الأشياء،
ستلمسون تلك التي لمستْها يدي،
وستتحد بصماتُ أيدينا.
قمر آب يشعُّ في المطبخ
مثل قِدْرٍ مطليَّة بالقصدير (بسبب ما أقوله لكم بالذات)،
يضيء المنزل الخاوي، وصمتُه الساجد –
الصمتُ يبقى ساجدًا أبدًا.

كانت الأحداث الدامية التي شهدتها اليونان في تلك الفترة، ملهمة للشاعر الذي كتب قصيدته الشهيرة "أبيتافيوس"، وهي قصيدة جنائزية يتحدث فيها عن مقتل ثلاثين عامل تبغ وجرح 300 آخرين، في مظاهرة أطلقت فيها الشرطة النار عليهم في مايو 1934.

صادر النظام العسكري حينها تلك القصيدة وأحالها إلى محرقة الكتب أمام أعمدة معبد زيوس. وبعد مرور أعوام وبحلول سنة 1961، قام ميكيس ثيودوراكيس بتلحين هذه القصيدة .

خلال الحرب العالمية الثانية، تدهورت صحة ريتسوس، فكتب أحد الصحفيين عن حالته، وجمع المثقفين التبرعات له، لكنه رفضها وطلب توزيعها على الكتاب والشعراء المحتاجين.

في سنة 1945 غادر أثينا، ليستقر في بلدة كوزاني، وهناك أسس مسرحاً شعبياً وكتب مسرحيته "أثينا تحت السلاح"، ثم عاد إلى أثينا وكتب مجموعتين هما: "يونانية" و"سيدة الكروم".


في 1948 تم اعتقاله وسط حملات قامت بها الشرطة، وفي العام التالي نقل إلى سجن "ماكرونيسوس"، وتعرض للتعذيب الشديد، وهناك كتب مجموعته "زمن الحجر"، لكنه طمسها في التراب، ولم يُعثر عليها إلا بعد سنوات.

في عام 1950 نقل إلى سجن آخر، وهناك كتب: "رسالة إلى جوليو ـ كوري"، و"أزقة العالم"، و"النهر ونحن".

بمبادرة من الشاعر الفرنسي الكبير لويس أراجون، تم تأسيس لجنة أوروبية من شعراء ومثقفين، للمطالبة بحرية ريتسوس، وبالفعل إخلاء سبيله عام 1952، فكتب "الرجل ذو القرنفل". وبعد عامين جمع بعض القصائد التي كتبها في السجن في كتابه "سهر".

وكان أراجون قد وصف ريتسوس بأنه "ارتجافة جديدة في الشعر الحديث".

"مع الزمن والتعب تموت الكلمات أيضًا" – يقول –
لم يبقَ له شيء للتعبير عن أيِّ شيء. أصابعه
تُصبح رقيقة. خاتمه يسقط. يربطه بطرف خيط.
يرميه في البئر، يسحبه. لا شيء. البئر
فارغة من الماء وليس للخيط أي معنى. ومع ذلك، كان ارتطام
الخاتم بالحجارة كأنه يقيس شيئًا ما،
شيئًا ما يجب قياسُه بأيِّ ثمن للوصول،
مع مجيء المساء، إلى العدد المفرد نفسه المدوَّن خلف الباب.

تزوج ريتسوس من الطبيبة فاليستا جيورجياديس التي تعرف عليها خلال الحرب، وأنجب منها ابنته "أري" التي كتب لها "نجمة الصبح".

وعندما زار الاتحاد السوفييتي سنة 1956، كتب قصيدته الطويلة "سوناتا في ضوء القمر"، والتي نال عنها الجائزة الوطنية الكبرى للشعر الهيليني.

"أحياناً، عندما يأتي المساء، أشعر أن خارج النوافذ/ يمر مروض الدببة بدبته العجوز الثقيلة/ وشعرها ممتلئ بالأشواك/ تثير التراب في الشارع المجاور/ سحابة تراب صحراوية تذكر بالغسق/ والأولاد عادوا إلى بيوتهم للعشاء ولا يدعونهم يخرجون خارج البيوت/ لكن الكل وكل الأشياء تشعر بخطوات الدبة العجوز/ والدبة متعبة تمضي في حكمة وحدتها/ لا تعرف إلى أين أو لماذا".


تشهد اليونان انقلابًا عسكريًا في 1967، ويلقى القبض على ريتسوس، ويمنع من الكتابة ثم ينقل إلى مخيم في جزيرة "ليروس"، ويسمح له بالكتابة والرسم.

وفي أغسطس 1968 يتم إدخاله قسرًا جناح السرطان في أحد مستشفيات أثينا، بعدها أعيد إلى جزيرة "ليروس".

أطلق لويس أراجون حملة جديدة واسعة، ضمّت أشهر الأدباء الأوروبيين كللت بإطلاق مشروط ليانيس ووضع تحت الإقامة الجبرية في بيته العائلي في كارلوفاسي.

بعد شهر من إطلاق سراحه ساءت حالته النفسية والجسدية، ولم يتمكن من السفر إلى أثينا إلا عام 1970، لإجراء بعض الفحوصات الطبية. وهناك كتب مجموعته "الممشى والدرج".

يسقط النظام العسكري سنة 1974، وتمنحه جامعة "تسالونيك" شهادة الدكتوراه الفخرية "لكونه يشمخ منذ أربعين سنة كركيزة للأمة اليونانية وكصوت لها". ويحصل على الجائزة الدولية الكبرى للشعر وتم ترشيحه إلى جائزة نوبل في الأدب ولكنه لم يتحصل عليها .

"نسيت النساءُ العجائز القدور/ فاحت رائحةُ الطعام المحروق في الحي/ كانوا يهرولون ويصيحون بالتمجيد والحياة/ وأشجار الرمان تشعل ألعاباً نارية في بستان عيد الفصح/ ومكبرات الصوت من حي إلى حي/ تهتف وتصيح وتهلل قائلة: يا أهلاً ومرحباً بك أيتها الحرية".

رحل ريتسوس في الحادي عشر من نوفمبر 1991 وترك حوالى مئة ديوان منشور، ونحو خمسين عملاً شعرياً وإبداعياً لم تنشر.


الكلمات الدلالية يانيس ريتسوس

اضف تعليق