ليست مجرد لعبة.. دُمى "رحمي" تنوير وتربية وجدان


٠٤ مايو ٢٠٢٠

أماني ربيع

"أهلا بكم في أتيليه الفنان رحمي"، بهذه العبارة مع ابتسامة حفاوة تستقبل السيدة فوقة خفاجي أرملة الفنان محمود رحمي في منزله بشارع الثبات - الذي أصبح يحمل اسمه الآن - أي شخص عاشق لإبداع الفنان الراحل.

تدخل المنزل الذي لم يتغير فيه شيء منذ وفاة الفنان الراحل، فتكاد ترى صلاح جاهين معه يتناقشان حول كلمات تتر بوجي وطمطم، أو ربما نيللي تستمع في تركيز إلى ملاحظات رحمي عن أوبريت اللعبة، ربما تلمح الفنان الموهوب يجلس وحيدًا بصحبة ورقة وقلم وفنجان قهوة ممسكًا بسيجارته يبحث عن فكرة لعروسة جديدة يضيفها لروائعه الخالدة.

ذكريات الزمن الجميل معلقة على جدران المنزل، ودُمى بوجي وطمطم شريكة دومًا، في أي حوار يتم حول الراحل رحمي.

حضور رغم الغياب



يبدو رحمي حيًا في هذا المنزل، فطريقة حديث السيدة فوقية عنه وحماسها الشديد أثناء الكلام عن موهبته وتفاصيل عمله تجعلك تشعر كما لو كان في الخارج وسيعود خلال لحظات، وعلى غيمة الذكريات تصحب أرملة الراحل محبيه في رحلة ممتعة.

كانت السيدة فوقية شريكته ورفيق دربه، بدأت مسيرتها معه في العمل والحياة بعد تخرجها من كلية الفنون الجميلة قسم نحت عام 1976، فالتحقت بالتلفزيون وقابلته لأول مرة، وانبهرت الفنانة الشابة بالفنان الكبير الموهوب، ووقعت في غرام فن العرائس، وأصبحت ترافقه كظله، تقول عن تلك الفترة: "كان وقتي كله للشغل الذي أحببته، وهو فنان يحبه شغله كثيرا، لدرجة أني شعرت أنه تزوجني من حبه للعرائس التي وهب لها حياته واهتمامه".

ولعل أبرز سماته من وجهة نظرها أنه لا يشبه أحدًا، ولم يحاول يومًا أن يقلد شخصًا آخر، لا تراه مجرد فنان، بل عبقري موهوب، وحتى مع تقدم سنه كان يبدو دومًا الشاب خريج كلية الفنون الجميلة قسم نحت في مطلع الستينيات الممتلئ طموحًا وحيوية.

تحكي عنه: "أساتذته تنبأوا أن هذا الطالب المجتهد سيحدث انقلابًا في المستقبل، وبعد تخرجه أقام معرضًا لأعماله في النحت والفن التشكيلي عام 1960 في متحف الفن الحديث."

رفض رحمي نظرة المجتمع المصري إلى الفن التشكيلي، باعتباره فنًا للنخبة، وكان جمهوره في بداية الستينيات من المثقفين أو العاملين بالفن التشكيلي، تمرد على ذلك ورفض أن تكون رسالته حبيسة لجدران المعارض، لكنه لم يكن يعلم كيف يمكنه إيصال رسالته التنويرية لكل فئات الشعب.

في عام 1958 شاهد رحمي فرقة عرائس رومانية تؤدي عرضًا شيقًا على مسرح العرائس، انبهر بالدمى المتحركة وكيف تصنع حالة فريدة على المسرح رغم كونها مصنوعة من الخشب، وتمنى لو يصبح في مصر عروضًا شبيهة لكن بروح مصرية صميمة.

مثل افتتاح التلفزيون ولادة للفنان رحمي كمصمم للعرائس، حيث التحق به عام 1961، وأنشأ قسم العرائس، الذي حاول من خلاله أن يقدم رسالة ترتقي بالمجتمع.

اختار رحمي مجالًا صعبًا وشائكًا وهو مجال الطفل الذي لا يستطيع أي شخص النجاح فيه، فإمتاع الطفل وتربيته مهمة صعبة، لكنه اعتبر أن تربية وجدان الطفل بمثابة رسالة لإعداد مستقبل الأمة.

عروسة بنكهة مصرية


بالطبع يحتاج الفنان الذي يتعامل مع الأطفال أن يكون مثقفًا وواعيًا بكل التفاصيل، وهذا ما كان عليه رحمي، فقبله لم يكن في مصر سوى الأراجوز القادم من التراث، لكنه حول العرائس إلى فن محترم له رسالة، فالعروسة من وجهة نظره لها دوران، الدور الأول تربية وبناء الطفل، والثاني دور نقدي ينتقد سلبيات المجتمع.

بدأ رحمي بتصميم عرائس الجوانتي البسيطة، مع برنامج "أرنوب ودبدوب"، ثم "بقلظ" الذي جاء في شكله مزيجًا بين الأراجوز الشرقي والمهرج الغربي.

تقول السيدة فوقية:" لم يكن رحمي يدرس الشخصية تشكيليًا فحسب، بل كان يدرسها وجدانيًا أيضًا، ليرى كيف ستنجح في إيصال رسالته".

وبرغم كل ما حققه رحمي حتى تلك المرحلة كان هناك شيء يؤرقه دائمًا، فكيف أن مصر التي تعتبر حضارتها الفرعونية أساس التشكيل في العالم كله، لا تمتلك عروسة واحدة مصرية خالصة تعبر عن الشخصية المصرية بتقاليدها وموروثاتها، وكان يغضب حينما يدخل السينما التي كانت تعرض قبل بدء الفيلم مقاطع كرتونية، ويصرخ: "إحنا ولادنا متربيهومش حاجات مش شبهنا ولا شبه شخصيتنا وأخلاقنا".

ومنذ هذه اللحظة قرر أن يتبنى بشكل شخصي، ما يعتبر من وجهة نظر كثيرين مشروعًا قوميًا لبناء وعي الطفل المصري، بدلا من تركه لتأثير الأعمال الغربية، وبدأ مرحلة جديدة من "توتة وسمسم" إلى "بوجي وطمطم" التي جمعت الأسرة المصرية أمام التلفزيون يشاهدون باستمتاع العرائس المتحركة وهي تقدم رسالة رحمي ومشروعه التنويري.

كانت بداية برنامج "توتة وسمسم" عام 1978، وكانت عبارة عن حلقات قام فيها هو بدور "عمو" وظهر بشكله البشري العادي، كفنان عرائس داخل أتيليه مع عروستين هما توتة وسمسم، حيث تطلب منه توتة طوال 30 يوم أن يحكي لها حدوتة، وتكون العرائس المتنوعة من ماريونيت وماسكات هي أبطال الحدوتة، ويُحسب لرحمي أنه أدخل العنصر البشري مع العرائس منذ برنامج "حمادة وعم شفيق" الذي كان يقدمه الفنان القدير شفيق نور الدين.

"بوجي وطمطم".. متعة وتربية



جاءت بعد ذلك الانطلاقة الكبرى وذروة أعمال رحمي في مسلسل الأطفال الأشهر "بوجي وطمطم"عام 1983، هذا العمل الذي أتيحت له كافة عناصر النجاح، بدءًا من كلمات الأغاني والتتر للفنان صلاح جاهين الذي آمن بالفكرة والفنان، مرورا برحمي الذي تولي السيناريو والإخراج وتصميم العرائس، وصولا إلى أصوات يونس شلبي وهالة فاخر ورأفت فهيم وإنعام سالوسة وسيد عزمي التي رافقت طفولة الكثيرين منا.

حتى في تصميمه واختياره لأسماء العرائس كانت هناك دلالة، فطمطم هو اسم الدلع لفاطمة ذلك الاسم المصري الأصيل، ولها لون غزل البنات المرتبط بالطفولة، قدمهما في شكل قرد وأرنبة، الأرنبة رمز الوداعة والطيبة، والقرد رمز الشقاوة، فنرى أن طمطم كانت صوت العقل دائمًا، بينما بوجي الولد الشقي، ولم يشعر الطفل بغرابة من رؤية قرد يصبح أخا لأرنبة، فكانت الرسالة هو كيف نكون مختلفين لكننا نعيش معًا كإخوة تحت سقف واحد.

قبل بوجي وطمطم كان رحمي يكتفي بتصميم العرائس، فشوقي حجاب هو الذي كان يكتب حوار "بقلظ"، لكنه أراد أن يكون بوجي وطمطم إبداعه الخالص، فصمم العرائس وأطلق عليها الأسماء، وكتب السيناريو، وأخرجه بنفسه.



شعر رحمي مع هذا العمل أنه وصل عبر عرائسه إلى جوهر رسالته، فلم يحاول أن ينفذ أعمالًا أخرى، بل استثمر كل جهوده في بوجي وطمطم والحفاظ على نجاحهما عامًا بعد عام، وكان حريصًا على تكبير العائلة، فكل عام يضيف شخصيات جديدة، فأول عام كانوا أربعة بوجي وطمطم وزيكو وزيكا، ثم أضاف عم شكشك، وطنط شفيقة، ومرمر وطماطم.

كان المسلسل يمثل كل ما هو جميل في حياتنا، يستعرض للطفل والأسرة كل القيم والسلوكيات الحسنة في المجتمع، لم تكن هناك شخصية تقول أي كلام، لم تكن هناك كلمة في غير مكانها، ليتحول بوجي وطمطم من مسلسل إلى حالة رمضانية تلتف حولها الأسرة المصرية كل عام، وما زال حتى الآن يذاع ويقابله الأطفال والشباب بنفس اللهفة والحب.

منذ لحظة رسمه وتخيله لشكل العرائس، كان رحمي يتخيل الصوت، وحرص دومًا أن يكون الصوت "كاركتر" يجذب الطفل ويكون محببًا للأذن، فكان بوجي من نصيب يونس شلبي الذي لم يجر أية تعديلات، بينما أضافت هالة فاخر اللدغة والضحكة إلى طمطم، وأجاد الفنان رأفت فهيم في دور شكشك، بينما أبدعت الفنانة إنعام سالوسة في مرمر وطنط شفيقة.

داخل استوديو 10



نجاح رحمي استُثمر أيضًا في أعمال أخرى جميلة مثل أوبريت "اللعبة" لنيللي الذي استغرق تحضيره عامًا كاملًا لتنفيذ 200 ماسك بإمكانيات محدودة، فجاء عملا مبهرا بكلمات صلاح جاهين وديكور رشاد سيدهم، وعن كواليس ذلك العمل تحكي السيدة فوقية: "كانت نيللي غابت أعوامًا عن الفوازير وأرادت أن تعود بشيء مختلف، فخرج أوبريت اللعبة بهذا الشكل المبهر، الذي كان نتاج عمل دؤوب لعدد من المبدعين داخل ستوديو 10 بالتلفزيون".

كان رحمي يجلس بالساعات لابتكار شخصياته ورسمها على لوحات، لكنه أسند تلك المهمة فيما بعد لزوجته فوقية ومساعديه، يقومون بتنفيذها وفقًا لتوجيهاته جزءًا جزءًا بدءا من الرأس والوجه واليدين والجسد".

لفتت أعمال رحمي أرجاء الوطن العربي، ببساطتها وإبداعها، عبر إمكانيات بسيطة جدا مقارنة باليوم، فكان هو والمخرج الراحل فهمي عبد الحميد يدخلون استوديو 10 بصحبة عدد قليل من العمال ليخرجوا علينا بالروائع التي لا تُنسى دون أن يكلفا التلفزيون شيئا يذكر.

وبعد نجاح أوبريت اللعبة، ووفاة المخرج فهمي عبد الحميد، كان هناك اتجاه ليخرج رحمي الفوازير، ورغم سعادته بالعرض، استجاب لنصيحة زوجته التي أخبرته أنه ربما يمكن للكثيرين أن يقدموا الفوازير، لكن رحمي وحده يمكنه تقديم بوجي وطمطم وهذه بصمته.



ومن المواقف التي جعلته يشعر بأنه أدى رسالته، عندما كان في زيارة للعراق المحاصرة، والتي كان يزورها بصحبة النجوم باعتباره عضوًا في نقابة السينمائيين، في رحلة شاقة بالطيران إلى الأردن ثم الذهاب برا إلى العراق، وخلال زيارتهم لأحد المدارس، فوجئ بمجموعة من التلاميذ بعد أن عرفوا هويته يشيرون إليه هل تعلمون من هذا هو صاحب بوجي وطمطم، فجروا إليه واحتضنوه، وكانت من لحظات السعادة التي لا تنسى في مشواره، فشعر أنه نجح في رسم الابتسامة على وجوه هؤلاء الأطفال رغم بؤسهم ومعاناتهم.

موقف آخر عند افتتاح دورة الألعاب الأفريقية عام 1990، كان رسام الكاريكاتير الراحل مصطفى حسين رسم تميمة حورس الخاصة بالدورة، وطلبوا من رحمي تنفيذها، فعكف على دراستها تشكيليًا وتاريخيًا، ونفذها بنجاح، لتنال لحظة خروجها من الهرم وتحليقها على علو شاهق تصفيق وإعجاب الجمهور، وبعد انتهاء العرض طالبته وزارة الشباب وكان وقتها الوزير عبد المنعم عمارة، بتسليم الدمية ليأخذ أجره لكنه رفض، لأنه كان يعلم أن مصيرها سيكون الرمي بإهمال في المخازن، وأخبرهم أنه أهدى مجهوده للدورة.

وقام باستثمار الدمية في أوبريت "عودة حورس"، الذي عرض على المسرح وحقق نجاحًا كبيرًا، ودارت فكرته حول عودة حورس من الماضي ليتحدث مع أطفال مصر ويسألهم مذا قدمتم  لبلدكم، فيرد الأطفال، أنا أحب النيل ولا ألوثه، وآخر أنا أحب الرياضة، وهكذا عبر إسكتشات تربوية غنائية ممتعة.

تعتبر مرحلة منتصف الثمانينيات إلى بداية التسعينيات من القرن العشرين العصر الذهبي للطفولة في مصر، وكانت أعياد الطفولة كل عام حدثًا ينتظره الكبار والصغار لما يقدم فيه من أعمال جميلة وأوبريتات ممتعة، وعندما تبدأ التحضيرات كانت أستوديوهات التلفزيون تتحول إلى خلية نحل، تجد أستوديو بداخله صفاء أبو السعود، وآخر بداخله عبد المنعم مدبولي، وثالثًا بداخله رحمي".

تدرك السيدة فوقية قيمة التركة التي خلفها زوجها الفنان الراحل رحمي، لذا تحتفظ بكل ورقة رسمها وكل دمية أبدعها، تلتمس فيها الدفء والونس بعد غيابه، تقول: "أحرص على إصلاح الدمى ورعايتها كأنهم أطفالي، ففيهم روحه ولمسته، ويكفي أنه بعد 15 عامًا من غيابه ما زالت سيرته باقية، ومحفورة في قلوب المصريين، وأتمنى أن أكمل رسالته وأعيد بوجي وطمطم مرة أخرى بنجاح إلى التلفزيون".


اضف تعليق