الخطة الاقتصادية للبنان.. إجراءات موجعة تربك الطبقة المتوسطة


٠٤ مايو ٢٠٢٠

 رؤية - مي فارس

يبدأ الرئيس اللبناني ميشال عون هذا الأسبوع مشاورات مع الكتل النيابية لحشد الدعم للخطة الإصلاحية التي قدمت الحكومة على أساسها طلبًا إلى صندوق النقد الدولي لمساعدة البلاد على الخروج من دوامة انهيار اقتصادي متسارع جعل قرابة نصف السكان تحت خط الفقر.

وتتفاوت حتى الآن التقويمات للخطة وقدرتها على إخراج لبنان من أزمته بعدما صار في مصاف الدول الأكثر مديونية في العالم؟، وليس واضحًا بعد ما إذا كانت مساعدة صندوق النقد كفيلة وحدها بإعادة دفع عجلة الاقتصاد.

وأقرّت الحكومة في نهاية أبريل الخطة الإصلاحية وطلبت مساعدة صندوق النقد الدولي، آملة بالحصول على أكثر من 20 مليار دولار، وتقترح الخطة التقشفية الممتدة على خمس سنوات إصلاحات على مستويات عدة بينها السياسة المالية وميزان المدفوعات والبنى التحتية، وإعادة هيكلة للديون والمصارف.

لكنها تقر إجراءات موجعة تطال المواطنين مباشرة على غرار تجميد التوظيف في القطاع العام وخفض عدد المتعاقدين وعدم ملء آلاف الوظائف بعد تقاعد من يشغلها باستثناء المواقع الحساسة، وتعتمد تقدير سعر الصرف بـ3500 ليرة مقابل الدولار.

واستعادت وكالة الصحافة الفرنسية الأسباب التي أوصلت لبنان إلى ما هو عليه اليوم، عندما باشر بعد انتهاء الحرب الأهلية 1975-1990 الاقتراض لتمويل إعادة الإعمار، وإعادة بناء اقتصاد اعتمد بالدرجة الأولى على الخدمات والسياحة وجذب الاستثمارات الخارجية، وهي قطاعات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوضعين السياسي والأمني وتقلباتهما، محلياً واقليمياً.

في المقابل، لم تحصل إصلاحات بنيوية في الإدارة والمرافق العامة بسبب البيروقراطية والمحسوبيات ونظام المحاصصة الطائفية الذي تكرّس بعد الحرب.

تراكم الدين تدريجياً وبالتالي خدمة الدين المترتبة عليه جراء الفوائد المرتفعة، تزامناً مع انتفاخ فاتورة الإنفاق الحكومي، ورصدت الحكومات على مرّ السنوات اعتمادات مالية لإصلاح قطاع الكهرباء تعادل نحو نصف الدين الخارجي، وفق تقديرات البنك الدولي صيف، ويشكّل هذا القطاع أبرز مكامن الهدر، وحتى اليوم ما زال اللبنانيون يدفعون فاتورتي كهرباء، واحدة للدولة وثانية لأصحاب المولدات التي يستخدمونها عند انقطاع التيار.

وازداد العجز في ميزان المدفوعات على مرّ سنوات من النمو المتباطئ وقطاع مصرفي متضخّم يمنح فوائد خيالية على الودائع، وتجاوز الدين العام أكثر من 170 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي، ومع تراجع احتياطات المصرف المركزي الذي لطالما اعتُبر عرّاب استقرار الليرة منذ عام 1997، بدأت ملامح الانهيار المتسارع منذ عام تقريباً مع أزمة سيولة حادة وشح في الدولار.

وفرضت المصارف منذ نهاية الصيف الماضي قيوداً على سحب الدولار وتحويل الأموال، وتزامن ذلك مع انهيار الليرة التي لامس سعر صرفها مقابل الدولار عتبة الأربعة آلاف في السوق السوداء الشهر الحالي، بينما السعر الرسمي مثبت على 1507 ليرات، ولعبت دوراً أساسياً في هذا التدهور الاقتصادي أزمات سياسية متتالية تخللتها حروب واعتداءات واغتيالات خلّفت انقسامات وشللاً في المؤسسات الدستورية وأرخت بثقلها على آليات صنع القرار ووضع السياسات العامة وخطط التنمية.

وبعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، شهد لبنان انقساماً بين فريقين أحدهما معارض لسوريا ومؤيد للمحكمة الدولية التي أنشئت للنظر في قضية الاغتيال وآخر مؤيد لدمشق ومعارض للمحكمة، وتبعت ذلك أربع سنوات من عدم الاستقرار السياسي مع تفجيرات واغتيالات ثم حرب تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله، وتجدّد الانقسام عام 2011 على وقع النزاع في سوريا المجاورة، ووقعت اعتداءات وتفجيرات حتى العام 2013.

ويلخص مركز "كارنيغي" للشرق الأوسط في أحد منشوراته الأزمة الاقتصادية بأنها "في جوهرها أزمة حوكمة مُنبثقة من نظام طائفي يعاني من خلل بنيوي، ما حال دون صنع سياسات عقلانية وسمح بانتشار ثقافة الفساد والهدر".

وتقدم الخطة الإصلاحية التي أقرتها الحكومة "تشخيصاً" عن حقيقة الأزمة، إلا أنها "لا تعد متكاملة"، وفق ما يشرح مدير "معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية" ناصر ياسين.

ويقول ياسين: هي محاولة حلّ للأزمة الشائكة عبر أدوات مالية ومحاسبية للحصول على الدعم الخارجي عبر صندوق النقد، بينما تفرض شروطاً قاسية على مستوى التقديمات الاجتماعية والإجراءات التقشفية، وبالتالي ومع أخذها وصفة الصندوق كاملة، فإن الفئات الاجتماعية الفقيرة والطبقة الوسطى هي من ستدفع الثمن، وسط توقعاتنا بارتفاع التضخم وانكماش الاقتصاد.

لا يبدي ياسين تفاؤلاً إزاء إمكانية تطبيق الخطة التي يرى أنها كانت تحتاج تشاوراً مع فئات واسعة كونها تعيد إنتاج الاقتصاد وتصميم الإدارة المالية للدولة، بعيداً عن الاقتصاد الحر الذي لطالما ميّز لبنان وشكّل عامل جذب للرساميل.

لكن باريس التي لعبت دوراً أساسياً خلال السنوات الماضية في حشد دعم من جهات مانحة للبنان، رحبّت بالخطة ودعت إلى تنفيذ فوري للإصلاحات.

ولا تتمتع الحكومة بحاضنة شعبية، ويقف متظاهرون غاضبون لها بالمرصاد، وتحظى بدعم قوى رئيسية أبرزها كتلة عون وحزب الله الذي تعدّه واشنطن منظمة إرهابية وحظرت برلين نشاطاته على أرضها قبل أيام. 


اضف تعليق