المسحراتي.. ساهر الليل وطبلة البهجة الرمضانية


٠٥ مايو ٢٠٢٠

أماني ربيع
 
"وأنا صنعتي مسحراتي في البلد جوال

حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال

وكل شبر وحته من بلدي حته من كبدي حته من موال

اصحى يا نايم اصحى وحد الدايم

رمضان كريم"
 
كم واحدًا منا تناول السحور وهو منكوش الشعر ناعس العينين وسط أسرته على طبلية أو مائدة سفرة إذا كان من أسرة ميسورة، تداعبه عبر أثير الراديو أو التلفزيون أنغام سيد مكاوي وصوته الدافئ وكلمات فؤاد حداد المصرية الخالصة.

الأيدي تمتد إلى طبق الفول الساخن – رمز رمضان الخالد - بينما خيالنا يرسم صورة لصاحب النقرات الساحرة بجلبابه الفضفاض والمسبحة معلقة في صدره يجوب الشوارع ليوقظ الناس، ولا ننكر أن كثيرين كانوا يسارعون إلى دخول البلكونة ليشاهدوه ويغنوا معه.

المسحراتي من حروف لقبه ساحر ينثر أنامله على الطبلة في إيقاع فاتن، فيسارع النائمون في القيام من سبات لذيذ على رائحة الصوت الشجي – نعم رائحة – عندما يمتزج صوته العذب مع رائحة الفول المدمس من منزل إحدى الجارات، بينما الأم تهرول هنا وهناك لإعداد السحور ، تسمع من بعيد صوت الشيخ الشعراوي ينبعث من الراديو، بينما يشاهد والدك مسلسل "القضاء في الإسلام"، أو "يا تلفزيون يا"، وأنت تجلس ناعسًا مأخوذًا بإيقاع الحركات والروائح تداعب فانوسك الجديد وتغالب النوم خوفًا من ضياع هذه اللحظات الثمينة.
 
وعندما يحضر رمضان تحضر معه ألف عادة وعادة، لكن يظل للمسحراتي سحره الخاص على مر العصور، منذ أيام الصحابيين الجليلين بلال بن رباح وعبد الله بن أم مكتوم، أول من قاما بمهمة المسحراتي باستخدام الأذان، فكان يقوم أحدهما بالأذان أولاً قبل الفجر ليقوم الناس للسحور ثم يؤذن الثاني ليمسك الناس عن تناول الطعام وينوون الصيام.

مهنة ضرورية



وإذا كان في مصر هو "المسحراتي" ففي السعودية هو "الزمزمي"، وفي ليبيا يطلقون عليه اسمًا رومانسيًا هو "ساهر الليل"، بينما هو "أبو طبيل" في الكويت، و"أبو الدمام" في العراق.
 
كان للمسحراتي قديما ضرورة هامة مع تزايد أعداد الناس واتساع رقعة السكن في القرى والحضر، ويقول المؤرخون إن مهنة المسحراتي ظهرت في بداية القرن الثالث من الهجرة لأول مرة في مصر، بالتحديد عام 228 هـ في ولاية عنبسة بن إسحق على مصر، حيث كان يقوم بنفسه بهذه المهمة في مدينة الفسطاط وحول جامع عمرو بن العاص، وينادي: "يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة".
 
تطورت مهنة المسحراتي في العصر العباسي، حيث كانت نساء بغداد يلقين بأوراق فيها قطع من النقود من الشرفات، ويحرقن أطرافها، فيرى "المسحراتي" القناديل الصغيرة تهبط من الشبابيك، فيسرع إليها، ويدعو لأهل البيت.
 
لكن رغم انتشار تلك المهنة بين المسلمين في عدة أقطار، إلا أن بهجتها ونكهتها الخاصة كانت في مصر، ففي العصر الفاطمي، أمر الخليفة الحاكم بأمر الله، عماله فى الأقاليم بإيقاظ الناس، للسحور بالطرق على الأبواب وعلى الطبول في الشوارع، وحصص لهذه المهمة بعض الجنود الساهرين على حراسة القاهرة ليلاً، ليمروا على المنازل ويدقون أبوابها ويوقظوا الناس للسحور.

وأعاد الظاهر بيبرس إحياء تلك العادة في عهد المماليك، حيث تغنى المسحراتية بأبيات خفيفة من الشعر.

 بصمة مصرية



كان المصريون أول من استخدم الطبلة بإيقاع مميز توارثته الأجيال مع أناشيد ونداءات مسجوعة، أما في المغرب فكان يقوم المسحراتي بالطرق بعصا على الأبواب، وفي الشام، استخدم المسحراتي أسلوباً شبيهاً للمصري ولكن بالعزف على الطنبورة مع رفع الصوت بإنشاد ديني عن رمضان وقيام الليل وبركة السحور.

وشغف الرحالة والمستشرقون بهذه المهنة حيث بدا لهم المسحراتي وكأنه شخصية من كتاب ألف ليلة وليلة، يبعث بنقراته الساحرة برسالة احتفالية تارة، وصوفية تارة أخرى تجعل من رمضان ذكرى لا تنسى، وحكى المستشرق الإنجليزي إدوارد لين عن المسحراتي فى كتابه "المصريون المحدثون.. شمائلهم وعاداتهم"، وقال:

".. يبدأ المسحراتي جولاته عادة بعد منتصف الليل، ممسكًا بشماله بطبلة صغيرة وبيمينه عصا صغيرة أو قطعة من جلد غليظ، وبصحبته غلام صغير يحمل مصباحًا أو قنديلاً يضيء له الطريق، ويأخذ المسحراتي في الضرب على الطبلة ثلاثًا، ثم ينشد، ويُسمي صاحب البيت وأفراد أسرته فردًا فردًا – ما عدا النساء – أما إذا كانت بالبيت فتاة صغيرة لم تتزوج، فيقول: أسعد الله لياليك يا ست العرايس، ويردد أيضًا أثناء تجواله على إيقاع الطبلة كثيرًا من القصص والمعجزات والبطولات عن الرسول وأبو زيد الهلالي وغيره."

 واستخدم المسحراتية في مصر على نوتة موسيقية شبه موحدة في الطرق على طبولهم، ذكرها لين في كتابه، كما ذكر مجموعة من النداءات التي تغنوا بها.


لم يكن للمسحراتي أجر معلوم أو ثابت، غير ما يأخذه صباح يوم العيد، وعادة ما يكون حبوبًا ، فيأخذ قدحاً أو نصف كيلة من الحبوب، سواء ذرة أو قمح، واختلقت أجرة المسحراتي على مر العقود، ففي منتصف القرن 19 كانت الأجرة مرتبطة بالطبقة التي ينتمي إليها المُتسحر، فمثلاً كان الشخص متوسط الطبقة عادة ما يعطي المسحر قرشين أو ثلاثة قروش أو أربعة في العيد الصغير، ويعطيه البعض الآخر مبلغاً زهيدًا كل ليلة.
 
تكاد تكون هذه المهنة قد اختفت تماماً الآن خاصة مع انتشار السهر على المقاهي، والسهر أمام الدراما التلفزيوني، فلم يعد الناس بحاجة لمن يوقظهم، وبدأت تندثر في المدن أولاً لاعتماد الناس على وسائل حديثة لإيقاظهم بعد توفر وسائل التنبيه الإلكترونية المختلفة، لكن لا ننكر أن لنقرات المسحراتي الساحرة وقعها في النفوس مهما تقدمت التكنولوجيا.

المسحراتي العصري



ومن مصر في عهد الفاطميين والمماليك إلى مصر في العصر الحديث، حاول العديد من الشعراء إلباس المسحراتي ثوبًا عصريًا، وإطلاق نداءاته الشجية عبر الإذاعة والتلفزيون، وكان أول من قدمها الفنان محمد فوزي الذي لقب بمسحراتي الفن، وغنى فيها من كلمات الشاعر بيرم التونسي، وألحانه، وذلك في الستينيات.

أما أشهر مسحراتي هو ذلك الذي أبدعه الشاعر فؤاد حداد والموسيقار سيد مكاوي، ربما لاقترابه الحميم من فكرة المسحراتي كفولكلور مصري أصيل غارق في الشعبية، ولم تعد مهمته إيقاظ الناس الأجساد من النوم، بل إيقاظ العقل والروح أيضا، وأبدع فؤاد حداد أسلوبًا شعريًا خاصًا به يتكون من خمسة مقاطع شعرية.

بداية التعاون بين حداد ومكاوي جاءت عام 1964، حين أعلنت الإذاعة عن مسابقة لتقديم المسحراتي، وعندا سمع بها حسن فؤاد سكرتير تحرير مجلة "روزاليوسف" حينها، تذكر كلمات فؤاد حداد للمسحراتي، التي سبق وأعجبته فعرضها على سيد مكاوي الذي قام على الفور بتلحينها وتقدم بها الثنائي للمسابقة، وفازا بالفعل، ليقدما في تعاون استمر 20 عامًا ما يقرب من 130 حلقة، كان الناس ينتظرونا بشغف.

وبعد رحيل فؤاد حداد عام 1985، أعلن مكاوي توقفه عن تقديم المسحراتي، لكن المسؤولون بالتلفزيون ألحوا عليه في الاستمرار بكلمات عدد من شعراء العامية مثل: سيد حجاب، كمال عمار، أمين فؤاد حداد، وعمر الصاوي، لكن ورغم كتباتهم للحلقات، ظل حضور كلمات حداد وتأثيره حاضرا.

وبعد عشر سنوات في عام 1995، حاول سيد مكاوي تطوير المسحراتي بإدخال آلات موسيقية مثل الناي والكمان وبعدما سجل حوالي 15حلقة عدل عن الفكرة قبل إذاعتها وقام بعمل مكساج للحلقات وحذف هذه الآلات واكتفى بالطبلة فقط.

وفي عام 1997، لجأ مكاوي إلى نجل فؤاد حداد أمين ليكتب حلقات جديدة من المسحراتي، فاعتذر، وبعدها طلب من عبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم نفس الأمر فرفضوا لأنهم اعتبروا أن تلك كانت منطقة فؤاد حداد التي لن ينافسه فيها أحد، ورشح الأديب خيري شلبي الشاعر فؤاد قاعود للمهمة، الذي قدم بالفعل قدم أشعاره إلى لجنة الإذاعة والتليفزيون فأجازتها ليظهر المسحراتي عام 1997 بمقدمة ونهاية فؤاد حداد وأشعار قاعود، وكانت آخر حلقات يقدمها مكاوي للمسحراتي.

" اصحى يا نايم وحد الدايم

وقول نويت بكره إن حييت

الشهر صايم والفجر قايم

اصحى يا نايم وحد الرزاق

ورمضان كريم."


اضف تعليق