حينما يتدخل أردوغان.. الليرة تسجل تراجعات غير مسبوقة


٠٧ مايو ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

الليرة التركية عند أدنى مستوى لها منذ أغسطس 2018 بتسجيل 7 ليرات للدولار الواحد. مؤسسات دولية أرجعت السبب الرئيسي في ذلك هو دخول تركيا أزمة كورونا بوضع مالي ضعيف جراء سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان وتدخله المستمر في عمل البنك المركزي، وكأنه هو من بيده السلطة المالية والنقدية.

كما هبطت سندات الحكومية التركية المقومة بالدولار، موسعة أعمق انخفاضات لها في أكثر من 3 أسابيع وتراجع بعضها بما يصل إلى 1.8 سنت.

وبقيت الليرة خلال الشهر الحالي، عند أضعف مستوى لها منذ أغسطس 2018، وسط تزايد الضغوط على الاقتصاد في ظل جائحة كورونا المستجد، والمخاوف من انهيار موسم السياحة.

هبوط غير مسبوق وحظر التداول

وحظرت تركيا تداول الليرة على بنوك "بي.إن.بي باريبا" و"سيتي بنك" و"يو.بي.إس" بعد تسجيل العملة مستوى قياسيًا منخفضًا جديدًا مقابل الدولار في تعاملات يوم الخميس الموافق 7 مايو 2020، وسط قلق المستثمرين من عدم كفاية الاحتياطيات لحماية الاقتصاد من تداعيات فيروس كورونا.

وتراجعت العملة التركية إلى 7.27 ليرة للدولار متخطية قاعها السابق الذي بلغته خلال أزمة عملة في 2018 لتواصل خسائرها للجلسة الخامسة على التوالي بينما تعمل تركيا على احتواء عواقب تفشي الفيروس الذي أودى بحياة 3584 شخصًا.

احتياطيات مستنزَفة.. وخط مبادلة "مستبعد"

وفي محاولة لإنقاذ العملة لجأت تركيا لمحادثات مع الولايات المتحدة لإجراء اتفاق تبادل عملات محلية؛ في حين يشكك محللون أن تساعد واشنطن بسبب شراء تركيا لمنظومة S-400 الصاروخية الروسية وأيضا غياب الشفافية من البنك المركزي التركي بشأن احتياطات العملات الأجنبية.

وتقول تركيا إنها سحبت أكثر من 19 مليار دولار من الاحتياطي الأجنبي في شهر مارس ليصل إجمالي الاحتياطي إلى 56 مليار دولار، لكن الخبراء يؤكدون أن الرقم الحقيقي أقل من ذلك بكثير وأن الثقة في المركزي التركي تختفي بسرعة كبيرة.

وكان وزير المالية التركي أبدى تفاؤلًا خلال مؤتمر بالهاتف مع المستثمرين، يوم الأربعاء الموافق 6 مايو، حيال إمكانية إبرام صفقة خط مبادلة لتمويل بالنقد الأجنبي.

لكن سرعان ما تفاقمت مخاوف السوق بفعل تصريحات من مسؤول بمجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي، فهمها المتعاملون على أنها تستبعد استحداث خط مبادلة لتدعيم احتياطيات أنقرة المستنزفة.

التدخل في مسار الليرة

الإجماع بين الاقتصاديين والمستثمرين هو أن استنزاف الاحتياطيات ناتج عن استخدام البنك المركزي صندوق الاحتياطيات لتمويل التدخل في العملة التي من المفترض أن تكون حرة.

ويقول متداولون إن أحد طرفي الصراع يضم البنك المركزي والبنوك المملوكة للدولة، التي تبيع الدولار نيابة عنه في كل مرة تنزلق فيها الليرة نحو هذا المستوى.

الطرف الآخر يضم طيفًا واسعًا من بائعي الليرة، من الأسر والشركات التركية إلى المستثمرين الأجانب، الذين يرغبون إما في بيع الليرة وإما الحصول على الدولار.

أزمة ديون كبرى بالأفق

وحاليًا يلجأ المركزي لاقتراض العملة الصعبة من البنوك المحلية الأمر الذي يهدد بأزمة كبرى في فبراير من العام المقبل حينما تستحق ديون بقيمة 79 مليار دولار من العملات الأجنبية على هذه البنوك ولن تجد أموالًا للسداد إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.

وفي حال يتم سحب الأموال المقترضة محليًا عبر المقايضات، فإنها تنخفض إلى ما دون الصفر؛ وفقًا لوكالة "بلومبيرج".

وتبلغ ديون الشركات نحو 450 مليار دولار، ثلثها تقريبًا مستحق السداد في العام 2020، مما يجعلها بحاجة لتوفير العملة الصعبة، الأمر الذي يزيد الطلب عليها مقابل الليرة.

أردوغان وسياسة النمو المدعوم بالائتمان

وقال بول ماكنمارا، وهو مدير استثمار في شركة GAM لإدارة الأصول، إن سبب ضعف الليرة هو زيادة الطلب المحلي على الدولار وعلى السلع الخارجية، بسبب حملة الرئيس رجب طيب أردوغان الأخيرة للنمو الاقتصادي المدعوم بالائتمان بهدف استقطاب المستثمرين عبر الاقتراض الرخيص. أضاف: "عندما تدفع الحكومة نمو الائتمان إلى الأعلى نرى دائمًا أن ذلك يترجَم بسرعة إلى واردات أعلى، الأمر الذي يضغط على الحساب الجاري".

وكان البنك المركزي التركي قد خفض الأسبوع الماضي سعر الفائدة الرئيسي بواقع 100 نقطة ليصل إلى 8.75% على أساس سنوي، في مسعى لمواصلة تحفيز الاقتصاد والحد من تبعات جائحة فيروس كورونا، لكن يبدو أن الرياح في ظل تدخل أردوغان بعمل القطاع المصرفي يأتي بما لا تشتهي السفن.

وهذه هي المرة الرابعة التي يخفض فيها البنك المركزي التركي سعر الفائدة منذ بداية العام، حيث تم خفضه في يناير/كانون الثاني الماضي إلى 11.25% ثم 10.75% في فبراير/شباط، ثم إلى 9.75% في مارس/آذار، قبل أن يصل إلى 8.75%.

وتوقعت تقارير أن يتأثر الاقتصاد التركي بشكل حاد جراء جائحة كورونا الربع الحالي.

وأغلقت تركيا مراكز التسوق والمدارس والمطاعم والمقاهي للحد من زيادة حالات الإصابة بمرض كوفيد-19. ومع ذلك لا تزال بعض أماكن العمل مفتوحة، وفرضت أوامر جزئية بالبقاء في المنزل، وأغلقت الحدود إلى حد كبير وبطّأت حركة التنقل الداخلية.

وارتبكت حركة التجارة والإنفاق والتصنيع وثقة المستهلكين، التي وصلت مستوى قياسيًا منخفضًا هذا الشهر، حيث دفعت إجراءات احتواء الفيروس الاقتصاد التركي نحو الانكماش الثاني له خلال أقل من سنتين.
 


اضف تعليق