الأسرى الفلسطينيون.. بين حرب البنوك ومفاوضات التبادل‎


١١ مايو ٢٠٢٠

رؤية - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة - في كل يوم تواصل سلطات الاحتلال تضييق الخناق على الأسرى الفلسطينيين أكثر وأكثر سواء داخل السجن أو خارجه، التي كان آخرها الضغط على البنوك العاملة في فلسطين المحتلة لإغلاق حسابات تعود لأسرى فلسطينيين، وهو ما خلق موجة من ردود الافعال المنددة برضوخ البنوك لقرار الاحتلال.

ردود الأفعال تعدت التصريحات وصولا إلى استهدف شبان غاضبين للمرة الثانية على التوالي فروعًا للبنوك، في مدينة جنين شمال الضفة، بالرصاص والتكسير، وإلصاق ملصقلت جاء فيها: "ومن أجل القدس قدّم أسرى الحرية حياتهم في غياهب السجون.. إن التزامكم بالقرار العسكري لسلطة الاحتلال القاضي بإغلاق وتجميد حسابات الأسرى الأبطال هو وصمة عار وانحياز واضح لسياسة الاحتلال، وتجاوز للسيادة الوطنية، وعليه فإنكم ملزمون بالتراجع عن هذا القرار المشين فورًا".

وفي خطوة لم تكن متوقعة بأن ترضخ بعض البنوك الفلسطينية، التي تعمل وفق تراخيص ممنوحة من سلطة النقد الفلسطينية وهي بمثابة (البنك المركزي)، وتلتزم بالقوانين الفلسطينية، إلى مطالبات عسكرية إسرائيلية تلزمها بوقف التعامل البنكي مع حسابات الأسرى، وافقت بعض تلك البنوك على المطالب الإسرائيلية، وقام بعضها بإغلاق حسابات لعدد من الأسرى تدفع لعوائلهم إعانات من السلطة الفلسطينية لمساعدتهم اجتماعيًا.

وأعلن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية أنه تم الاتفاق مع البنوك على تجميد أي إجراء بخصوص حسابات الأسرى لديها، عقب التهديد الإسرائيلي باتخاذ إجراءات بحق هذه البنوك.

وأضاف أشتية أن الاتفاق جاء بعد اتصالات أجراها مع إدارات البنوك وسلطة النقد.

وتابع أن اللجنة التي تم تشكيلها لدراسة الأزمة والمكونة من سلطة النقد وهيئة شؤون الأسرى والمحررين وجمعية البنوك ووزارة المالية، ستجتمع وتقدم توصياتها خلال أيام، وعلى ضوء هذه التوصيات سيكون هناك موقف موحد من جميع الأطراف بخصوص التهديد الإسرائيلي ضد البنوك التي تقدم خدماتها لذوي الأسرى والشهداء. وأعلن رئيس الوزراء الفلسطيني أنه وبناء على الاتفاق فإن عائلات الأسرى تستطيع تفعيل حساباتها البنكية ابتداء من الأحد (اليوم)، كما سيناقش مجلس الوزراء هذه القضية في جلسته المقبلة.

وجرى تحذير البنوك من التعاون مع السلطة الفلسطينية في صرف رواتب الأسرى "حتى لا يتحولوا لشركاء في المخالفة"، حسب وجهة النظر الإسرائيلية. ويدور الحديث عن مبلغ (نحو 11.5 مليون دولار) شهرياً تصرفها السلطة الفلسطينية كرواتب شهرية لأسر الأسرى.

وكانت إسرائيل قد بدأت في فبراير (شباط) من العام الماضي، بخصم المبلغ من أموال العوائد الضريبية التي تحولها إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية، وهو إجراء رفضته السلطة الفلسطينية متعهدة بمواصلة دفع رواتب الأسرى.

مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، قالت في بيان لها، أنّ القرار الصهيوني يُعدّ: مخالَفة لنصّ المادة"22" الفقرة "2"  من القانون الأساسي الفلسطيني والتي نصت على "رعاية أسر الشهداء والأسرى ورعاية الجرحى والمتضررين والمعاقين واجب ينظم القانون أحكامه، ومخالفة نص المادة "3"  الفقرة "3" من قانون الأسرى والمحررين رقم (19) لسنة 2004م التي نصت "على توفير الحقوق المالية للأسير وأسرته طبقا لأحكام هذا القانون وبما يتوافق مع سلم الرواتب المعمول به".

وفي خضم كل ذلك ينتظر الأسرى الفلسطينيون الفرج، في أي صفقة تبادل مقبلة قد تتضح معالمها بعد خطوات متتالية بادرت إليها حركة حماس بعد  ست سنوات على أسر الجندي الصهيوني هدار غولدين (برتبة ملازم ثانٍ وعلى قرابة مع وزير الأمن الأسبق موشيه يعلون) وأورون شاؤول (جندي من لواء النخبة) وأفيرا منغيستو (إثيوبي الأصل)، وخمس سنوات على أسر هشام السيد (من أصول عربية بدوية)، هي مدّة كافية لتحريك الملف مقارنة بخمسة أعوام كانت "الحكم" الذي قضاه جلعاد شاليط بين 2006 و2011.

خلال السنتين الأخيرتين كانت المقاومة هي الأكثر مبادرة لحلحلة الملف، منذ عرض فيديو يشير إلى العدد المؤكّد لديها بالحدّ الأدنى (4)، مروراً بعرض أغنية بالعبرية وردت فيها رسالة مكتوبة بخط اليد في إشارة إلى أن أحد الجنود حي، ثم الحديث عن قصف مكان كان فيه الأسرى الإسرائيليون، أو بعضهم، خلال جولات المواجهة الصاروخية الأخيرة، دون توضيح تأثير ذلك في سلامتهم مع أن في ذلك تلميحاً إلى مسؤولية إسرائيلية عن حالتهم، وصولاً إلى مبادرة قائد "�حماس" في غزة، يحيى السنوار، قبل نحو شهر، إلى عرض "معلومات محدّدة" مقابل الإفراج عن 250 أسيراً من فئات الأطفال وكبار السن والمرضى والنساء.

من جهة أخرى، بدا نشاط عائلات الأسرى الإسرائيليين والإعلام العبري المتابع للقضية أعلى من نشاط حكومة العدو نفسها، خاصة أن الجيش عمد من البداية إلى التقليل من قيمة أسراه، بل حاولت تل أبيب تصدير الموضوع على أنه "إنساني" لا سياسي. وإذا ما اعتبر أن المياه الراكدة في الملف قد حُرّكت أخيراً، ومقارنة بالصفقة الأخيرة التي شهدت بالتوازي محاولات لقتل شاليط إلى جانب استمرار خطوط التفاوض، فإنّه في الحالة القائمة انطلقت المفاوضات متأخّرة كثيراً، بعد خمس سنوات وعقب إشارات متتالية من المقاومة.

ضمن خطوات العدو لعرقلة إتمام الصفقة المقبلة، أو غيرها من الصفقات، ولتخفيض الثمن الواجب دفعه في حال لم يكن هناك مجال إلا للتبادل، صدّق الكنيست أواخر 2018 على قانون يحظر الإفراج المبكر أو تقصير محكومية الأسرى من أصحاب المحكوميات العالية، ممن حُكموا بالسجن المؤبد أو لأكثر من عشرين عاماً، وهؤلاء هم غالباً مدانون بقتل إسرائيليين أو الضلوع في عمليات قتل. بذلك، يصير الإفراج عن أسرى المؤبد يتطلب تعديل هذا القانون أو إلغاءه.

كما أن "اللجنة الوزارية لشؤون الأسرى والمفقودين" سبق أن قررت أن يكون التبادل المقبل على قاعدة جندي بجندي وجثمان بجثمان.

أمّا المقاومة، وفق المصادر، فلا ترى أن هذا الموضوع يعيق إتمام الصفقة على ما تخطّط له، "لأنها مشكلة إسرائيلية داخلية على الاحتلال حلها بنفسه".

وتقول: "يحاول الاحتلال فرض أمر واقع علينا بإطلاق سراح ذوي الأحكام القصيرة أو الأسرى الإداريين، لكننا نعلم من تاريخ التبادلات أن إسرائيل في وقت الضرورة، خاصة إن كان هناك أسرى أحياء، ستفرج عن العدد الذي نريده وبالمواصفات والأسماء التي نطلبها... يوجد ألف مخرج قانوني عليهم اختراعه لأننا لا نؤمن بقوانينهم ولا بوجودهم أصلاً".

يذكر أن آخر إحصاءات "نادي الأسير الفلسطيني� قالت إنه ضمن الأسرى (5000) توجد 41 أسيرة و180 طفلاً وقاصراً و430 إدارياً وقرابة 700 مريض منهم 300 لديهم �حالات مرضية مزمنة وبحاجة إلى علاج مستمر".

ويفاوض العدوُّ الإسرائيلي المقاومةَ الفلسطينية عبر صمته الرسمي وتسريباته الإعلامية في موازاة تفاوض غير مباشر تقوده أكثر من جهة دولية بين الجانبين. وإذا كان التوجّه كما يتردّد نحو إبرام صفقة، لا يرجّح أن تتم مع الحكومة الإسرائيلية الحالية التي يغلب فيها التطرّف اليميني والمزايدات ورفضُ من يرجح مغادرته لها. مع ذلك، يوجد في المقاربة الإسرائيلية والتسريبات الموجهة كثير من الإشارات الدالة على موقف العدو وتوجهاته العامة من ملف التبادل ومجريات التفاوض غير المباشر مع الفلسطينيين. ففيما التزمت إسرائيل الرسمية شبه صمت إزاء المحادثات، تجند الإعلام العبري عبر نقل التسريبات وتوجبه التحليلات والتقارير بما يفيد المفاوض الإسرائيلي نفسه في التوصل إلى اتفاق وفقاً لشروطه.

وإن كانت الرسائل المبثوثة نفسها في الإعلام الإسرائيلي تؤكد جدية التوجهات التفاوضية لدى الجانبين، وأن هناك �فرصة نجاح�، مع التشديد اللافت في الإعلام العبري على أن المفاوضات تتجه كي تكون مقلصة في هذه المرحلة، فقد برز أيضاً أن مصير التفاوض بات مرتبطاً أكثر بموقف حركة "حماس" ومدى المرونة التي يبديها مفاوضوها، وهي إشارات ضغط واضحة وذات دلالات. وإن كانت عملية التفاوض غير المباشرة عبر وساطة ثلاثية، ألمانية وسويسرية ومصرية، وروسية وفقاً لتسريبات أخرى، تعني اتساع دائرة المهتمين بإنجاح التبادل، فهذا يعني في الموازاة وجود خلافات كبيرة مع غياب للثقة بين الجانبين.

في التسريبات الموجهة، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بـ"تقدّم التفاوض غير المباشر لإنجاز صفقة التبادل� عبر وساطة دولية، ألمانية وسويسرية ومصرية، لكنها ذكرت أن فرصة النجاح والتوصل الفعلي إلى اتفاق تتقلص مع مرور الوقت. الرسالة نفسها جاءت أمس عبر صحيفة "معاريف" التي نقلت عن مصادر سياسية إسرائيلية أن الفرص لإنجاح صفقة آخذة بالانغلاق، مشيرة إلى أن أزمة "كورونا" التي حركت الجانبين لم تعد كما كانت عليه في الشهرين الماضيين، بل الأوضاع الآن مختلفة بعدما بدأت إسرائيل وغزة احتواء الفيروس.

في التفاصيل التي نقلها الإعلام العبري (القناة الـ 13) عن آخر مستجدات التفاوض، واللافت أنها جاءت عن "مصادر فلسطينية مطلعة"، ذكر مراسل القناة للشؤون الفلسطينية، حزي سيميتوف، أن الطرفين كانا مختلفين حول جدول تنفيذ الصفقة، أي أن تكون على مرحلة واحدة أو مراحل، لكن "حماس قبلت موقف إسرائيل والصفقة ستنفذ دفعة واحدة".

مع ذلك، برزت نقطة خلاف أخرى، يضيف المصدر، من شأنها تجميد المفاوضات، وتتعلق بإطلاق سراح محكوم عليهم بالمؤبد، أي ما تسميهم إسرائيل "الملطخة أيديهم بالدماء"، إذ إنها ترفض بشدة إطلاق عدد كبير منهم. وتابع المصدر: "هناك تقدم في المفاوضات لكن لا يوجد اختراق، ومن المشكوك فيه تسجيل أي اختراق قريباً، ما يعني أن صفقة التبادل قد تتقدم، أو تتعرقل كلياً".

وكان "الكابينت" قد اجتمع قبل أيام، للمرّة الأولى منذ "كورونا"، للبحث في ملف صفقة التبادل، إضافة إلى مواضيع أخرى في مقدمتها "التمركز الإيراني في سوريا". وإن لم يرشح عن الجلسة ما يكشف مضمون المداولات والموقف السائد فيها، فلا يرجح أن تتخذ هذه الحكومة قرارات حاسمة بعدما حُلت عقَد ائتلاف نتنياهو - غانتس، الأمر الذي يمهّد الطريق لحكومة جديدة. على هذه الخلفية، يرجَّح أن تمرّر إسرائيل الوقت لمزيد من الضغط على الجانب الفلسطيني، أملاً بتليين موقفه وتعديل شروطه. وإذا كان توجّه تل أبيب الفعلي هو إبرام تبادل، لا يستبعد ترحيل قرارها إلى الحكومة الجديدة التي يرجّح أن تبصر النور قريبًا.


اضف تعليق