حَجر "يعبد".. خزان المقاومة لم ينضب


١٥ مايو ٢٠٢٠

كتب - محمد عبد الكريم

شمس أخرى تغيب عما تبقى من أحراش بلدة "يعبد" الشاهدة على معركة استشهاد عز الدين القسام مع الاحتلال البريطاني عام 1935، بمحافظة جنين شمال الضفة الغربية، لتؤذن بنهاية نهار آخر من الحصار لليوم الثالث على التوالي في محاولة للعثور على منفذ عملية قتل الجندي الإسرائيلي قبل يومين.

الاعتقالات طالت عائلات بأكملها، عقب اعتقال ما يقارب من 40 فلسطينيًا، بعد تعرضهم لعمليات استجواب وتحقيق، رافقها اعتداءات وعمليات تنكيل وحشية.

حجر يعبد الذي قتل الصهيوني عميت بن يغئال، من وحدة "غولاني"، كان بمثابة الحجر الأول في سلسلة أفعال مقاومة انهارت على رؤوس الاحتلال عقب العملية، ومع أن ساحة الحدث الأساسية لجيش العدو في الأيام الأخيرة داخل الضفة كانت يعبد، فقد شهد عصر أمس الخميس، استُشهاد فلسطيني، بعد إطلاق جنود العدو الإسرائيلي النار عليه، بحجة محاولته تنفيذ عملية دهس لجنود الاحتلال قرب مستوطنة "نجيهوت" جنوب غربي الخليل.

وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن الارتباط المدني الفلسطيني أبلغها عن استشهاد مواطن، من دون تحديد هويته. وبحسب مصادر صحافية فلسطينية، فإن الشهيد هو بهاء الدين محمد عبد الله العواودة من دير سامت. وبعد إطلاق الرصاص عليه من قبل جنود الاحتلال، جرى نقله إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع وأُعلن استشهاده لاحقاً، وعن إصابة الجندي بجروح متوسطة.

الشهيد العواودة كان الثالث في الأيام الثلاثة الأخيرة، فرصاص الاحتلال يحاول الانتقام لمستوطنيه في كل مكان، وبينما يتواصل البحث في يعبد عن ملقي الحجر، بالتوازي مع عودة الاشتباكات بين الشبان والجنود، ارتقى الفتى زيد القيسية (15 عامًا) خلال مواجهات في مخيم الفوار جنوب الخليل (جنوب) عقب كشف الشبّان كمينًا لقوات الاحتلال في ساعات الصباح الباكر، ليتبعه شهيد آخر في فلسطين المحتلة 1948 هو مصطفى درويش يونس (26 عاماً) من بلدة عارة.

وفق مصادر محلية، تسللت قوة من جيش العدو إلى الفوار في ساعات الصباح الباكر على غير العادة، وكانت تستقل شاحنة مدنية سرعان ما اكتشفها الشبّان لتدور مواجهات كبيرة، دفع خلالها العدو بتعزيزات.

وخلال المواجهات، أطلق قناصو الاحتلال النار من أسطح المنازل، ما أدّى إلى استشهاد القيسية وإصابة أربعة آخرين بالرصاص.

هرع زيد إلى سطح المنزل للتفرّج على هذا كله، من بعيد تصل الرصاصة إلى جمجمته الصغيرة: قناص إسرائيلي قتله. تهرع أخواته الفتيات يصرخن، مُحِاولات إيقاف نزيف دمه، لا يفلحن. سريعاً يهبطن به إلى الأسفل فينقلنه إلى الإسعاف وهناك يُعلن عن استشهاده.

لاحقاً، قبيل العصر، وسط فلسطين المحتلة وأمام مستشفى "تل هشومير"، أعدم أمن العدو الشاب يونس بزخات من الرصاص، رغم أنهم كانوا قد قيّدوه ولا يشكل خطراً عليهم، وذلك بحجة مشادة كلامية تطورت إلى شجار، علماً بأن عائلة الشهيد تقول إنه مريض بالصرع وجاء إلى المستشفى للعلاج برفقة أمه.


وقالت عمّة يونس، عبر فيديو مصور، إن مستوطناً وزوجته سألا ابن شقيقها: "لماذا لا تضع كمامة"، فردّ عليهما: "أنا حر"، ثم عند خروجه أطلق الأمن النار عليه واستشهد أمام والدته.

مع تصاعد الأحداث، وتوقع مسيرات غاضبة في الداخل المحتل وكذلك مواجهات في الضفة، لا يزال العدو مصدوماً مما حدث صبيحة الثاني عشر من الشهر الجاري.

فالجندي المقتول لم تحمه خوذته ولا التباهي باسم لواء النخبة الذي ينخرط فيه، وكان يغني بين جنوده ويقول لهم: "جندي غولاني يسير غير ملتفت إلى الوراء، لأنه يعلم أن كل الدولة خلفه"! وفقاً لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية.


 
ويقطن يعبد ومناطق تتبع لها نحو 30 ألف فلسطيني، فيما تشهد المقاومة الشعبية (إلقاء الزجاجات الحارقة والحجارة) فيها مداً وجزراً، بحكم الاعتقالات الواسعة التي يشنها العدو بين شهر وآخر، إذ خلال الأشهر الستة الماضية تعرّضت البلدة لأقسى الحملات، الأمر الذي يفسر توقف الهجمات على مركبات المستوطنين قرب البلدة، لكن "عملية الحجر" حولت الأنظار مجدداً نحو المنطقة.



وتأتي عمليات الاعتقال المستمرة، في إطار سياسة العقاب الجماعي، وقد طالت عائلات كاملة، وشبان، وأطفال، ونساء، وفتيات قاصرات، وكبار السن، وأسرى محررين، رافق ذلك اعتداءات بالضرب المبرح، وعمليات ترهيب تعرض لها المواطنون، لا سيما الأطفال، فجزء من العائلات التي تعرضت للاعتقال لم يتبق منها سوى أطفالها، الذين جردوا من أمهاتهم وآبائهم نتيجة لاعتقالهم.

وسبق أن تعرض شباب البلدة لسلسلة من الضربات المتدرجة، أبرزها إعلان جهاز "الشاباك" اعتقاله خلية من خمسة شبّان (منتصف ديسمبر 2017) لضلوعهم في إطلاق نار وإلقاء زجاجات حارقة صَوب الشارع الاستيطاني هناك.


ويلاحظ هذه المرة أن جيش العدو يواصل حملته الواسعة في يعبد، الشهيرة باستشهاد المقاوم السوري عز الدين القسام في إحراجها، لكن هذه المرة على نحو متقطع لا متواصل، ومَرَدّ ذلك، وفق مراقبين، إلى محاولة العدو تفعيل الجهد الاستخباري، ولاقتناعه بأن الضغط على المنفذ عبر والدهم لن يشعره بالأمن بل سيجعله يتخذ المزيد من إجراءات الحيطة والحذر.

أما بشأن الطريقة، فتحفل ذاكرة المقاومة بنماذج لـ"كمائن الحجارة" منذ الانتفاضة الأولى حتى الآن، أبرزها ما اشتهر بـ"عملية الساقوف" داخل البلدة القديمة في نابلس عام 1989 حين أسقط الأسيران المحرران إبراهيم الطقطوق وسمير النعنيش صخرة كبيرةً (ساقوف وفق تسمية أهالي نابلس) على رأس أحد جنود العدو فقُتل فوراً.

وأخيراً في 24 مايو 2018، داخل أزقة مخيم الأمعري في رام الله، حيث أسقط الأسير إسلام أبو حميد حجر رخام على جندي من وحدة النخبة "دوفدوفان" فأرداه قتيلاً بعد يومين من إصابته. وهذا يعني أن إلقاء الصخور الكبيرة على قوات العدو ليس جديداً، لكن معظمه كان يستهدف آليات وليس الجنود، ولذلك سيمثّل هذا الأسلوب مجدداً هاجساً يلاحق العدو أثناء حملات اعتقال الفلسطينيين ليلاً. 


اضف تعليق