انعكاسات "كورونا" في أوروبا.. تحديات الدور المجتمعي في محاربة التطرف


٢٠ مايو ٢٠٢٠

رؤية ـ جاسم محمد

يمثل التطرف، مجتمعيًا، تحديًا كبيرًا أمام الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، ويكمن ذلك في صعوبة تحديد أو رصد "التطرف"، في أغلب الأحيان يكون غير ظاهر على الأرض.

تستغل التنظيمات المتطرفة فيروس كورونا المستجد لأجل توحيد الصفوف وإعادة بناء نفسها من جديد، وبث الخطاب المتطرف من أجل نشر الكراهية وتجنيد اعضاء جدد. وهناك تباين واضح في استراتيجيات الجماعات الإرهابية في التعاطي مع فيروس كورونا فهناك نداءات تحذر من السفر إلى دول أوروبا ونداءات أخرى لتنفيذ عمليات إرهابية، استغلت الجماعات المتطرفة فيروس كورونا وانشغال الحكومات بمكافحته في نشر إصداراتها والأخبار الكاذبة وحث عناصرها على تنفيذ عمليات على غرار الذئاب المنفردة.

إن قضية استغلال التنظيمات المتطرفة، الأزمات، وفراغ السلطة، بات معروفًا للمعنيين في قضايا التطرف والإرهاب، والتكهنات تقول بأن  "فيروس كورونا المستجد" ممكن ان  يعطي فرصة جديدة إلى هذه الجماعات للتحرك، ميدانيًا أو على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. لا يوجد شك، بأن هذه التنظيمات تسعى إلى استغلال ظروف" فيروس كورونا الحتمية، لتسجل ظهورًا جديدًا.

تستغل الجماعات المتطرفة نشر الخطاب المتطرف، عبر منصات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي تقوم على تعميق الطائفية، وصناعة الكراهية.

وتعتمد هذه الجماعات أيضًا على "منابر التطرف" وعقد حلقات ما بعد أوقات الصلاة داخل المساجد وفي البيوت وبعض المراكز، لتفسير النصوص وفق أيديولوجيتها، من أجل "استقطاب العقول"، التجنيد. وتمثّل مكافحة استخدام الإنترنت لأغراض إرهابية محورًا أساسيًا من محاور محاربة الإرهاب.

وسائل نشر التطرف

تعتبر "المرئيات" اليوتيوب والتسجيلات الصوتية المسموعة، من المؤثرات في عمليات التجنيد واستقطاب أنصار جدد، هذه التسجيلات سابقًا تقوم على أظهر قوة تلك الجماعات بتنفيذ "الغزوات" والهجمات العسكرية وتنفيذ عمليات إرهابية، لكن هذ المواد تراجعت كثيرًا بسبب خسارة التنظيم لكثير من قدراته، إلى جانب خسارة التنظيم الكثير من الحواضن إلى جانب تصعيد الجهد العسكري من قبل قوات التحالف وبعض الحكومات في مكافحة الإرهاب.

تروج الجماعات المتطرفة أن جائحة كورونا، نهاية العالم وهي عقاب من السماء، وقد وصف تنظيم داعش فيروس كورونا المستجد في بيان صادر له في مارس 2020 بأنه [عذاب مؤلم من الله لأمم المحاربين الصليبيين]، وهو مفهوم ينطبق على البلدان الغربية المشاركة في العمليات العسكرية المضادة لتنظيم “داعش.  وعامل الخوف له تأثير أكبر على الناس من الوباء نفسه في كثير من المواقع.

دور المجتمع في محاربة التطرف

إن محاربة التطرف يقوم في أساسه على التزام تعتمده مختلف الجهات والهيئات ومن بينها منظمات المجتمع المدني والتي تلعب دورًا محوريًا. فالمنظمات هي التي تخول المجتمع بإبراز مرونة في مواجهة التطرف ويتم ذلك من خلال الاعتماد على مجموعة القيم المشكلة للمؤسسة الاجتماعية.

لقد أدركت الدول أن الدور الذي تقوم به هيئات المجتمع المدني والأعضاء الفاعلون ضمنه باعتبارهم جميعهم شركاء رئيسيين في مجابهة التطرف العنيف بدلًا من أن يتم استخدامهم كوسيلة عابرة في هذا السياق.

المقاربة التي تسهم بشكل ما في الوقاية من التطرف، تعتمد، على تكثيف الجهود في المجالات الحيوية جميعها، ويشمل الأمر صناع القرار السياسي، والمؤسسات الحكومية في المجال الاجتماعي وبخاصة الناشطين، فضلًا عن الجامعة ووسائل الإعلام وممثلي المجتمع المدني وجمعيات الشباب.

دور الحكومات في محاربة التطرف

في ظل إجراءات العزل والتباعد الاجتماعي، بات ضروريًا أن تتحمل الحكومات مسؤولية حذف المحتوى المتطرف من محركات الإنترنت ومن المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي، من خلال عقد مواثيق مع محركات ومنصات الإنترنت. إيجاد ضغوطات أكثر على محرك الفيسبوك، والتزامه في حفظ بيانات الأشخاص وعدم انتهاك الخصوصية، وفرض رقابة أوسع على عمليات البث المباشر، واعتماد العنصر البشري أكثر في موضوعات تحليل مواد التطرف: صورة أو فيديو أو محتوى.

يبقى دور المجتمع إلى جانب الحكومات مطلوبًا، وذلك من خلال تكثيف الجهود في المجالات الحيوية جميعها، ويشمل الأمر صناع القرار السياسي، والمؤسسات الحكومية في المجال الاجتماعي وبخاصة الناشطون الاجتماعيون فضلًا عن الجامعة ووسائل الإعلام وممثلي المجتمع المدني وبخاصة جمعيات الشباب.

إن القضاء على التنظيم عسكريًا، لا يعني نهاية التنظيم، فهو يراهن على "الأيديولوجية المتطرفة" وسلب العقول، بعد أن تخلى عما يسمى التمكين أو "الخلافة المكانية" وهذا يعني أن محاربة التطرف باتت مطلوبة خاصة في المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم، وذلك من خلال إعادة البنى التحتية وتنفيذ مشاريع التنمية، وإعادة المهجرين وتنفيذ حزمة إجراءات "ناعمة" من أجل محاربة التطرف مجتمعيًا، إن التوصّل إلى حلول سياسية كفيل لوضع حدّ للنزاعات ومنع ظهور مجموعات إرهابية أو تنامي قوتها.

تحتاج الحكومات ومنظمات المجتمع المدني تبني برامج في إعادة المهجرين، وإعادة النساء والأطفال وكذلك الرجال إلى المجتمع، وإعادة تأهليهم اجتماعيًا وتقديم الدعم النفسي ثم توفير الفرص، وتبقى المناصحة الفكرية هي الأخرى مطلوبة في "نزع" التطرف.

ربما تعتبر قضية محاربة التطرف مجتمعيًا، هي الأصعب داخل المجتمعات حتى من مكافحة الإرهاب، والتي عادة تكون من خلال الوسائل الصلبة واستخدام الجيوش والضربات العسكرية على معاقل الجماعات المتطرفة، لكن الأخطر هو صعوبة فرز التطرف بين الأفراد والجماعات في المجتمع.
 


اضف تعليق