إسرائيل وإيران .. مواجهات تتجدد في ساحات الفضاء السيبراني


٢٤ مايو ٢٠٢٠

كتب - د.محمد عبدالدايم 

في شهر إبريل الماضي نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت خبرًا مقاده أن مرفق المياه والصرف الصحي الإسرائيلي قد تعرض لهجمة سايبرانية مفاجئة يومي الجمعة والسبت 24- 25، كانت تستهدف السيطرة على أنظمة التشغيل، وتعطيل عمليات ضخ المياه.

صدرت التعليمات لشركات المياه بتغيير كلمات المرور بالأجهزة الإلكترونية، مع تشديد الحماية، والتركيز على إعادة تشغيل الأنظمة مع فصل الإنترنت، خصوصًا نظام إضافة الكلور إلى المياه، وأفادت الصحيفة أن الضرر الذي أحدثته الهجمة لم يكن كبيرًا، لكنها سببت ارتباكًا ومخاوف من تكراره في مرافق أخرى.

قالت مصادر بمرافق: المياه إن الهجوم أظهر فشلًا كبيرًا في حماية المواقع، وهذا ليس أول هجوم إلكتروني تتعرض له أنظمة التشغيل بالمرافق، وفي كل مرة تتم معالجة المشكلات بعدها بعدة ساعات من قِبل المتخصصين.

بعد ساعات من كشف يديعوت أحرونوت للأمر أصدرت سلطة المياه، المسئولة عن تشغيل مرافق المياه وتطويرها في إسرائيل، بيانًا رسميًا أعلنت فيه صحة الواقعة، وأن الهجوم كان "منظمًا ومتسلسلًا"، ولكن لم يوضح البيان ما إذا كانت أنظمة التشغيل قد تم الاستيلاء عليها بالكامل، أو تم فقط تعطيل عمل المضخات.

بعدها، نشرت شبكة فوكس نيوز الأمريكية تقريرًا تقول فيه: إن إيران هي المسئولة عن الهجوم الإلكتروني الأخير ضد مرفق المياه والصرف الصحي، وأنها استخدمت خوادم أمريكية في تنفيذ الهجوم.

وتعقيبًا على ما نشرته فوكس نيوز؛ قال مسئول بوزارة الطاقة: إن الإدارة الأمريكية ملتزمة بحماية الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من مثل هذه الهجمات.

الرد الإسرائيلي على الهجوم

مؤخرا نشرت واشنطن بوست تقريرًا آخر أفادت فيه، نقلا عن مسئول بالمخابرات، أن إسرائيل قد نفذت هجومًا سايبرانيًا ضد ميناء الشهيد رجائي في مضيق هرمز، وجاء كرد على الهجوم الذي استهدف مرافق المياه الإسرائيلية.

بحسب ما ورد في التقرير؛ فإن الهجوم أدى إلى حدوث مشكلات كبيرة في عمليات الشحن والتسليم، حيث تسبب في تعطيل أجهزة كمبيوتر، واستهداف حركة السفن والشحنات، ووفقًا لمصادر مسئولة؛ نقلت الواشنطن بوست في تقريرها فإن الهجوم كان "دقيقًا للغاية، وأن الضرر الذي سببه كان أكبر مما اعترف به الإيرانيون وأعلنوه، حيث سبب "فوضى كاملة" نقلتها صور التقطتها الأقمار الصناعية في 9 مايو، وأظهرت اختناقات مرورية بطول أميال على الطرق المؤدية إلى الميناء، وبعد ثلاثة أيام شوهدت عشرات سفن الشحن في منطقة الانتظار بالقرب من الميناء، مما سبب اختناقًا كبيرًا في الحركة.



تكرار الهجوم على إسرائيل

نقلت وسائل إعلام أن إسرائيل تعرضت لهجمات إلكترونية متفرقة يوم الخميس الماضي، حيث كانت تحيي ما يسمى بـ"يوم القدس"، وهو احتفال سنوي بذكرى استيلائها على القدس الشرقية وفقا للتقويم العبري.

شملت الهجمات اختراقات لمواقع إلكترونية وحواسيب، وبث رسائل وفيديوهات من خلالها، ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت أن المهاجمين رفعوا مقاطع فيديو قصيرة على المواقع الإسرائيلية التي تمكنوا من اختراقها، تُظهر تل أبيب وهي مشتعلة بالنار، وكانت الرسائل باللغتين العبرية والإنجليزية.

من بين المواقع الإسرائيلية استهدفها الهجوم شبكة uPress التي تعمل في مجال استضافة المواقع، وتتعامل مع المواقع الرسمية الحكومية، وموقع فرقة الإنقاذ التابع لجمعية إيحود هاهتسلا (اتحاد المنقذين)، وكذلك مواقع رسمية لمجالس بلدية، وشبكات مواقع تجارية ومتاحف، ومواقع شركة أدوية.

وقعت جهة الهجوم على المواقع التي اخترقتها باسم Hackers of Savior، وذكرت أن الهجوم انتقام من "الجرائم الصهيونية بحق الفلسطينيين"، من جهتها أعلنت ما تسمى بـ"الهيئة الوطنية للسايبر" أنها كانت تتوقع مثل هذه الهجمات في ذكرى قيام إسرائيل، وأنها جاءت عشوائية وغير منظمة، لكنها واسعة النطاق، استهدفت إحداث صدى إعلامي كبير، وزرع الارتباك في صفوف الإسرائيليين، في الوقت الذي بدأت فيه الحكومة إجراءات الخروج من الحجر الصحي والإغلاق الكلي، وسمحت بفتح الأسواق والمحال والشركات والمؤسسات التعليمية بعد النجاح في إبطاء تفشي وباء الكورونا.

قدرت مصادر أمنية إسرائيلية أن هجوم الهاكرز العشوائي ليس إيرانيًا هذه المرة، كما نشرت وسائل إعلام أنه جاء ردًا على هجوم ميناء الشهيد رجائي، لكن هذه المرة عن طريق مجموعة مخترقين يتوزعون في قطاع غزة وتركيا وشمالي أفريقيا، وزعمت وسائل إعلام أن المخترقين يبلغ عددهم 9 أفراد ويتزعمهم شخص يسمي نفسه "هاللويا"، وقد استغلوا ضعف خوادم word press لتنفيذ عمليات الاختراق.

الحرب الإلكترونية بين إسرائيل وإيران

في السنوات الأخيرة ركزت إسرائيل ضرباتها ضد الأهداف الإيرانية بسوريا والعراق، عبر الضربات الجوية المحددة، وفي الوقت نفسه اشتدت الحرب السايبرانية بين طهران وتل أبيب، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة، حيث تم اختراق منشآت نووية إيرانية عام 2010 بواسطة دودة حاسوبية أحدثت تدميرًا لأجهزة طرد مركزي، وقيل أن إسرائيل والولايات المتحدة تقفان خلف الهجوم.

وفي 2013 عثرت السلطات الإيرانية على جثة قائد برنامج الحرب الإلكترونية الإيرانية مجتبي أحمد في منطقة بشمال غرب طهران، وقد تم إرداؤه برصاصتين دقيقتين بالقلب، وجاء اغتيال مجتبي بعد سنوات قليلة من استهداف علماء نوويين وكذلك قائد برنامج الصواريخ البالستية الإيراني، وأعلنت طهران اتهامها للموساد بمسئوليته عن العمليات كلها.

كذلك في 2018 اتهمت طهران إسرائيل بأنها وراء الهجمة الإلكترونية على منظومة الاتصالات الإيرانية، وقبلها بأربع سنوات تعرضت إسرائيل لهجوم مماثل على البنية التحتية لمنظومة الإنترنت في إسرائيل.

تعتبر إسرائيل إيران بمثابة قوة صاعدة وتهديد سايبراني كبير في الشرق الأوسط، وفي تقرير سابق نشره معهد دراسات الأمن القومي عام 2014 اعتبر أن إيران أصبحت لاعبا مهما في مجال الحرب الإلكترونية على مستوى العالم.

وبالفعل أثبتت أثبتت إيران تقدمها، حيث نفذت في عام 2015 هجومًا كبيرًا على حواسيب إلكترونية، منها حواسيب يمتلكها جنرالات بالجيش وعلماء، كما أُعلن العام الماضي أن هاتف رئيس الأركان السابق، وزير الدفاع الحالي بيني جانتس تعرض للاختراق قبيل انطلاق معركة الانتخابات في إبريل 2019.

وأشار تقرير معهد دراسات الأمن القومي إلى القفزة الإيرانية السايبرانية الكبيرة، ودعا إلى ضرورة الحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي في هذا المجال، وتطرق التقرير كذلك لدعوة بيني جانتس وزير، الذي كان حينها رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي، حيث دعا لتدشين "قبة حديدية رقمية"، على غرار القبة الحديدية لمواجهة الصواريخ، للدفاع عن أمن إسرائيل، ولاستمرار تفوقها في الفضاء السايبراني.

لا يزال الطريق أمام إيران نحو التفوق السايبراني المطلق، لكنها تسير على الطريق بشكل حثيث، من أجل صياغة أنظمة دفاعية وهجومية متطورة، لمواجهة المعارضة الداخلية، والهجمات الإسرائيلية أو الأمريكية، أو للرد على إسرائيل بهجمات أكثر استحكامًا، أي أن إيران تحولت من كونها مدافع إلى مهاجم.

في المقابل أصبحت إسرائيل قوة كبيرة في مجال السايبر، خصوصًا تقنيات التجسس والاختراق، والمراقبة عن بعد، ولم يعد الجيش الإسرائيلي وحده هو الجهة الوحيدة التي تنشط في هذا المجال، بل توغلت عدة جهات أخرى في العمل بهذا المجال كوزارة العلوم، ومكتب السايبر التابع مباشرة لرئيس الحكومة، وأجهزة الأمن التابعة للشاباك والموساد، ناهيك عن مؤسسات أخرى تعمل في الظاهر كشركات "مدنية" في الحقل الرقمي.

المواجهات بين إسرائيل وإيران مستمرة، مع تركيز إسرائيل على إنهاء الوجود الإيراني بجوارها، وفي الوقت نفسه كبح التقدم الإيراني التكنولوجي والنووي، عبر ضربات استباقية في عمق الأجهزة الإيرانية.



اضف تعليق