هل تعيد أزمة "البلد العدو".. العلاقات المغربية الجزائرية إلى المربع الأول؟


٢٥ مايو ٢٠٢٠

حسام السبكي

زلة لسان، على ما يبدو، أطلقها الدبلوماسي "أحرضان بوطاهر"، القنصل المغربي بمدينة وهران الجزائرية، في مقطع مصور، أثناء حديثه لمجموعة من العالقين المغاربة، لدى تجمعهم أمام مقر القنصلية المغربية في المدينة الجزائرية، حملت عبارة مسيئة، تم تداولها على نطاق واسع، خاصةً في زمن "السوشيال ميديا"، الذي يعج بالفضائح والتصريحات المثيرة، التي باتت عبئًا على الكثير من المشاهير وصناع القرار السياسي، وعلى صعيد الأزمة بين الجاريين العربيين، فقد تعيد تصريحات بوطاهر العلاقات التي ما لبثت أن لمست بعضًا من التحسن، إلى حقبة الستينيات الدامية، والتي أفضت إلى إغلاق الحدود بين البلدين في عام 1994.

تصريحات الأزمة

قبيل أيام قليلة، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو للقنصل المغربي في مدينة وهران الجزائرية وصف فيه البلد الذي يستضيفه بـ"البلاد العدوة".





وأثار الفيديو عاصفة غضب بين الجزائريين ومطالبات بطرد القنصل من البلاد، رغم نفي الأخير توجيه أي عبارات مسيئة.

ويظهر القنصل أحرضان بوطاهر في المقطع المصور الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، محاطًا بمجموعة من الرعايا المغاربة الذين نظموا وقفة أمام مقر القنصلية للمطالبة بإعادتهم إلى بلادهم.

ويسمع القنصل وهو يتحدث إلى هؤلاء ويقول لهم: إن إعادتهم إلى المملكة ستتم في أسرع وقت ممكن وسيتم إبلاغهم فردا فردا بالتاريخ.

ثم يدعوهم إلى تفريق تجمعهم ويقول: "أولا حنا في بلاد أخرى وراكم عارفين شنو كاين" أي "نحن في دولة غير بلدنا. وأنتم تعرفون الوضع".

ولا يمكن سماع ما قيل بعد ذلك بسبب تحدث عدد من الأشخاص في آن واحد. 

ثم يتحدث أحد المغاربة ويقترح أن تفرض السلطات المغربية على العائدين حجرا صحيا محكما بحيث يقيمون في فنادق لـ14 يوما ويمنعون منعا كليا من مغادرتها قبل ذلك.

وبعدها يجدد القنصل دعوة المغاربة إلى الانصراف، ويقول: إن مكتبه مفتوح لكل من يطرقه، ثم يذكرهم "راكم عارفين شنو كاين. حنا في بلاد عدوة" أي "أنتم تعرفون الوضع. نحن في بلاد عدوة".

غضب جزائري

في أولى ردود الأفعال على التصريح المثير، استدعى وزيرة الشؤون الخارجية الجزائرية سفير المملكة المغربية المعتمد لديها.

وبحسب ما ذكرت صحيفة "هسبريس" الإلكترونية المغربية، أفادت الخارجية الجزائرية في بيانٍ لها، أنه "جرى مواجهة السفير المغربي بالأقوال الصادرة عن القنصل العام للمغرب بوهران خلال النقاش الذي دار بينه وبين مواطنين مغاربة".

وعبرت الجزائر عن احتجاجها ضد التصريحات المنسوبة لقنصل المغرب في وهران، وقالت الخارجية الجزائرية: إنه تم إبلاغ السفير المغربي بأن "توصيف القنصل العام المغربي في وهران للجزائر، إذا ما تأكد حصوله، على أنها (بلد عدو) هو إخلال خطير بالأعراف والتقاليد الدبلوماسية لا يمكن بأي حال من الأحوال قبوله".

ووفقًا للصحيفة، فإن التصريح المنسوب للقنصل المغربي هو "مساس بطبيعة العلاقات بين دولتين جارتين وشعبين شقيقين، مما يستوجب على السلطات المغربية اتخاذ التدابير المناسبة لتفادي أية تداعيات لهذا الحادث على العلاقات الثنائية بين البلدين".

على المستوى الشعبي، وعقب انتشار مقطع الفيديو للقنصل المغربي مثل النار في الهشيم، فقد أثار غضب الكثير من الجزائريين على "تويتر"، حيث طالبوا بطرد المسؤول، والحصول على اعتذار من الجار الغربي.

وجاءت أبرز ردود الأفعال على النحو التالي:







اعتذار مغربي

على الجانب الآخر، أكد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أهمية العلاقات التي تربط بلاده ودولة الجزائر، مشيراً إلى أن البلدين الجارين والشعبين يجمعهما "رابط الأخوة".

وتلقى وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، اتصالاً هاتفياً من نظيره المغربي أكد فيه عمق العلاقات الأخوية بين البلدين، ما يعني نجاح البلدين في طي قضية كادت تؤزم العلاقات بينهما بشكل أكبر، وفق المراقبين.

من جانبها، أكدت وسائل إعلام مغربية أخرى، أن بوريطة "قدم اعتذاراً رسمياً" لنظيره الجزائري عن تصريحات القنصل المغربي في الجزائر.

وأشارت إلى أن بوريطة شدد في اتصاله مع بوقادوم على أن "رابطة الأخوة أكبر بكثير من تصريح غير مسؤول".

خلفية تاريخية

أزمة العلاقات المغربية الجزائرية، والتي يُخشى عودتها مجددًا إثر تصريحات المسؤول المغربي، تعود إلى بداية الستينيات، حيث كانت الجزائر وليدة استقلال جديد، ونشبت الخلافات بين البلدين إثر ترسيم الحدود التي خلفها الاحتلال الفرنسي، والتي تصاعدت بسبب تشبث كل طرف بموقفه، تطورت إلى اندلاع معارك حدودية بين الجانبين عام 1963، حملت اسم "حرب الرمال".

كما أضافت تحالفات واستقطابات الحرب الباردة بين الشرق والغرب عنصراً خلافياً في علاقات البلدين، فبعد الإطاحة بحكم أحمد بن بلة في الجزائر ووصول هواري بومدين إلى الحكم؛ تراجع التوتر بين البلدين مدة مؤقتة وتوصل البلدان إلى اتفاق لرسم الحدود بين البلدين.

لكن ما لبث أن عاد التوتر وتأزمت علاقات البلدين وازدادت تعقيداً بعد تنظيم المغرب ما يعرف بـ"المسيرة الخضراء" عام 1975، حيث زحف نحو 350 ألف شخص إلى مناطق بالصحراء الغربية، منهياً بذلك وجود الاستعمار الإسباني في المنطقة.

النزاع بين الجارتين استمر سنوات بعد ذلك، وأدى إلى فجوة أكبر بينهما، حيث اشتد النزاع بين جبهة "البوليساريو" التي تطالب باستقلال الصحراء مدعومة من طرف الجزائر، والمملكة المغربية المُصرة على تبعية المنطقة لنفوذها الترابي.

وأدى الدعم العلني الذي قدمته الجزائر لجبهة البوليساريو التي ناهضت ما تسميه الاحتلال المغربي للصحراء الغربية إلى اندلاع مناوشات عسكرية بين البلدين عام 1976.

وفي عام 1979 توفي هواري بومدين وحل مكانه في الرئاسة الشاذلي بن جديد الذي بدا أنه ينتهج سياسية خارجية أكثر حذراً وأقل "ثورية" من السابق. ورغم تكرار الاتهامات المغرية للجزائر اوائل ثمانينيات القرن الماضي بمشاركة قواتها في معارك الصحراء الغربية لكن الاخيرة كانت تنفي ذلك تماما. ورغم تأسيس اتحاد المغرب العربي في 1989، إلا أنه عجز عن الاجتماع في قمم اقتصادية، بسبب الخلاف السياسي بين الجارين، وعقدت آخر قمة اقتصادية له في 1994.

وفي عام 1994، أغلقت الحدود البالغ طولها 1559 كم بين البلدين بعد وقوع تفجير فندق أسني في مراكش، والذي قرر عقبه الملك الحسن الثاني فرض التأشيرة على الجزائريين، ليأتي قرار الرئيس الجزائري آنذاك اليمين زروال بغلق الحدود البرية بين البلدين.



اضف تعليق