الشيخ طه الفشني.. صوت أينما حلّ تجلى وأطرب


٣١ مايو ٢٠٢٠

 أماني ربيع

صوت بديع أينما حلّ تجلى وأطرب، سمعناه مؤذنا وقارئا للقرآن، ومنشدا للمديح والتواشيح، يراقص صوته المقامات الموسيقية في عذوبة ليس لها مثيل، تسمعه يتلو القرآن في خشوع فلا تصدق أنه من يصدح بالمديح ويصول ويجول بحنجرته في انطلاق، ولطالما نَعِمنا في ساعة العصر بنداء الأذان يُرفع بصوته فنخشع ونتجه للقاء الله، إنه الشيخ طه الفشني.

ولد الشيخ طه الفشني، عام 1900 بمركز الفشن بمحافظة بني سويف، ومنذ نعومة أظفاره، اشتهر بحلاوة الصوت وجمال الأداء، اكتشف موهبته ناظر المدرسة، الذي أسند إليه قراءة القرآن في حفلات المدرسة والطابور.

من الأزهر إلى بطانة علي محمود

بعدما حصل على كفاءة المعلمين من مدرسة المعلمين سنة 1919، قدم إلى القاهرة، والتحق بمعهد القراءات التابع للأزهر، ودرس على يد الشيخ عبدالحميد السحار والشيخ المغربي، وحصل على إجازة علم القراءات على يد الشيخ عبدالحميد السحار وأتقن علوم التجويد، ثم التحق مع الشيخ زكريا أحمد ببطانة الشيخ علي محمود، الذي قدمه معه في الحفلات، وكان الشيخ علي محمود مدرسة في الطرب تتلمذ على يديه عظماء عصره في الموسيقى والإنشاد، ومنهم الموسيقار محمد عبدالوهاب، وفي بطانته تعلم الفشني أصول المديح والإنشاد.



بعدها التقطه الشيخ درويش الحريري، الذي قام بصقل موهبته وتعليمه الموسيقى لينطلق بعدها مغردا ومنشدا في الحفلات، وفي أحد أيام عام 1937، في مسجد الحسين، وبحضور سعيد باشا لطفي رئيس الإذاعة المصرية، ونظرا للعلاقة الوثيقة التي جمعت الشيخ علي محمود بالفشني حيث كان يعتبره خليفته وامتداده، أعطى يومها الفرصة للفشني أن يقرأ أمام رئيس الإذاعة وقتها انطلق الفشني بصوته ليسحر الجميع، وبالصدفة كان وسط الحضور سعيد باشا لطفي رئيس الإذاعة المصرية وقتها، وقدرت لجنة الاستماع صوته بأنه قارئ من الدرجة الأولى الممتازة، لينتهي الأمر بضم الفشني إلى الإذاعة، وكان مخصصا له قراءة ساعة إلا ربع في المساء، وهكذا بدأت محطة جديدة في مشواره، وانتشر اسمه في أنحاء مصر.

بعدها صار الفشني ملازما للشيخ مصطفي إسماعيل في السهرة الرمضانية بسراي عابدين ورأس التين لمدة تسع سنوات، خلال عهد الملك فاروق الذي كان يحرص على حضوره حفلاته.

إنشاد في الإذاعة



لمع نجم الشيخ طه الفشني في مجال تلاوة القرآن، لكنه كان عاشقا للإنشاد الديني، وسنحت له الفرصة لعرض موهبته في إحدى المناسبات التي تبث عبر أثير الإذاعة، حيث كان من المقرر أن ينشد الشيخ علي محمود لكنه مرِض، فطلبت الإذاعة من الفشني أن يحل محله، وذهب الفشني يطمئن على أستاذه ويستأذنه في إحياء المناسبة، ووافق الشيخ، وبعد إذاعة الحفل، ازدادت شهرة الفشني كمُنشد، وفي عام 1942 أنشأ فرقته الخاصة للإنشاد الديني، واستمر في عمله أيضا كمقرئ.

وعُين قارئاً لجامع السيدة سكينة عام 1940، واختير رئيساً لرابطة القراء خلفاً للشيخ عبدالفتاح الشعشاعى عام 1962.

كان يذاع للشيخ الفشني على الإذاعة يومي السبت والأربعاء أسبوعيا في المساء تلاوته على الهواء مباشرة مدة كل تلاوة 40 دقيقة، وظل الشيخ طه الفشني منذ عام 1943 وحتى قيام ثورة 1952 يقرأ القرآن الكريم بقصري عابدين بالقاهرة ورأس التين بالإسكندرية لمدة 9 سنوات، مع الشيخ مصطفى إسماعيل، في حضور الملك فاروق، وفي كل عام كانت تقدم له دعوة ملكية لتناول الإفطار على المائدة الملكية في شهر رمضان.





وبعد ثورة 1952، أصبح الشيخ الفشني القارئ المفضل للرئيس جمال عبدالناصر، الذي أهداه طبقًا من الفضة الخالصة ممهورًا بتوقيعه، ومن بعده الرئيس محمد أنور السادات، وفي عام 1991، كرمته الدولة بمنح اسمه نوط الامتياز من الطبقة الأولى، وأطلق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية بمدينة نصر بجوار مدرسة ابن الأرقم.

وكرمه زعماء ورؤساء وملوك دول السعودية وباكستان وتركيا وماليزيا وتونس والمغرب وليبيا والسودان وسوريا، وغيرها من الدول التي سافر إليها مبعوثا وقارئا ومنشدا، فكان خير سفير للقرآن.

قال عنه المتخصصون في فن التلاوة وعلم الصوتيات :إن الله وهبه موهبة وقدرة خاصة ومقامات صوتية تعدت الـ17 مقاما صوتيا، كان يتنقل بينها في سلاسة لا ينافسه فيها أحد، إضافة إلى معرفته الواسعة بالموسيقى وتوظيفها في التلاوة دون الإخلال بأحكام القراءة.

ويقول الشيخ أحمد عيسى المعصراوي: إن الشيخ طه الفشني كان في أدائه للتلاوة يأتي بما يعرف بـ"جواب الجواب"، وهو أمر نادر بين القراء والمنشدين، كما كان لإجادته لحفظ القرآن الكريم بالقراءات السبع عامل مساعد في براعته في التلاوة والإنشاد.

وفي يوم 10 ديسمبر عام 1971، رحل الشيخ طه الفشني، مخلفا وراءه إرثا كبيرا من التلاوات القرآنية والابتهالات التي غرد بها في مشواره الذي قضاه في خدمة القرآن الكريم.
 


اضف تعليق

التقارير و المقالات ذات صله