أزمة سد النهضة.. إثيوبيا تراوغ والسودان يحذر ومصر تترقب


٠٢ يونيو ٢٠٢٠

حسام السبكي

إن المفاوضات حول أزمة سد النهضة، والتي دخلت عامها التاسع منذ إعلان إثيوبيا عن بدء الأعمال الإنشاء الرئيسية على الرافد الرئيسي لنهر النيل، في خضم انشغال مصر كما هو الحال في عدد من دول المنطقة، بما عُرف بـ"ثورات الربيع العربي" في عام 2011، تبدو غير واضحة المعالم، حيث تبدي مصر والسودان، مرونة محفوفة بالقلق من نوايا إثيوبيا، تبدو الأخيرة عازمة على كسب المزيد من الوقت، من أجل تنفيذ مبتغاها، في البدء في ملء السد بعد شهر من الآن، وعلى الأرجح لا سبيل لديها للتراجع عن ذلك، وهو ما قد يُؤزم الموقف، ويزيده تعقيدًا، وقد يصل بالأمور برمتها إلى المجهول.

مرواغة إثيوبية



على الرغم من الاتفاق المبدئي، بين كلٍ من مصر والسودان وإثيوبيا، قبل أسبوع، على استئناف مفاوضات سد النهضة، الذي يمثل الشريان الرئيسي لأكثر من 100 مليون مصري، حيث تستفيد القاهرة بأكثر من 90 % من مياه نهر النيل في الشرب والزراعة، وتكليف وزراء المياه في الدول الثلاث للبدء في ترتيبات العودة إلى التفاوض بأسرع فرصة ممكنة إلا أن عدم تحديد موعد محدد للعودة إلى طاولة المفاوضات، يزيد من مخاوف القاهرة والخرطوم، من المناورة الإثيوبية الجديدة، لحين إتمام تشييد السد وملء الخزان.

المراوغة الإثيوبية، تجلت كذلك، في رفض أديس أبابا، في فبراير الماضي، التوقيع على مقترح اتفاق تقدمت به الولايات المتحدة، التي انخرطت كوسيط بين الأطراف الثلاثة في نوفمبر الماضي، إلى جانب البنك الدولي، لإيجاد حلول لخلافات الدول الثلاث.

ومؤخرًا، أعلنت الحكومة الإثيوبية عن خططها لتخصيص أكثر من 2000 شاب لتجهيز الأرض وراء سد النهضة الإثيوبي الكبير قبل بدء ملئه.
وأكد المدير العام لوكالة خلق فرص العمل وتطوير المؤسسات في إقليم بينيشانغول غموز، أن أكثر من 2000 شاب سيقومون بتطهير الأراضي الممتدة على مساحة 1000 هكتار من خلال إزالة الأشجار والشجيرات والحجارة خلف السد، وذلك خلال مدة لا تتجاوز 45 يومًا لبدء المرحلة الأولى من عملية تعبئة المياه بحلول شهر يوليو/ تموز المقبل.

وأوضح بشير، أن 29 ألف بر إثيوبي خُصص لعمليات التطهير لكل هكتار من الأرض.

واختتم بشير قائلا: "سيقوم السد بتخزين 74 مليار متر مكعب من المياه كحد أقصى عند اكتمال عملية التعبئة".

مخاوف وتحذيرات سودانية



قبل أيام، اندلعت اشتباكات حدودية، بين ميليشيات تدعمها القوات المسلحة الإثيوبية، وعناصر من القوات السودانية، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الجيش السوداني والمدنيين، فيما عزاه بعض المحللين إلى محاولة تشتيت إثيوبية في ملف أزمة سد النهضة، ورأى فيه آخرون مساعي إثيوبية للضغط على السودان لتغيير موقفها من الأزمة.

وفور وقوع الحادث، استدعت الخارجية السودانية، القائم بالأعمال الإثيوبي "للاحتجاج على توغل ميليشيات إثيوبية (مسنودة من الجيش الإثيوبي) واعتدائها على المواطنين والقوات المسلحة السودانية في منطقة حدودية بولاية القضارف"، غير أن الخارجية الإثيوبية، سعت أمس لاحتواء الأزمة، مؤكدة "شعورها بأسى بالغ إزاء الحادث".

وقالت أديس أبابا في بيان: "من أجل احتواء الوضع على الأرض ومن أجل تجنب مزيد من التوتر، تؤكد الوزارة ضرورة أن يعمل البلدان من خلال الآليات العسكرية القائمة لمعالجة الظروف المحيطة بالحادث والتحقيق فيها بشكل مشترك".

المخاوف السودانية من الخطوات الإثيوبية، تُرجمت سريعًا، اليوم الثلاثاء، برسالة إلى مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء، أكدت خلالها الخرطوم التزامها بأهمية تأسيس قاعدة راسخة للتعاون مع مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة.

وطالب السودان في رسالته، بتشجيع الأطراف المعنيّة على الامتناع عن القيام بأي إجراءات أحادية قد تؤثر على السلم والأمن الإقليمي والدولي، حسبما ذكرت شبكة "سكاي نيوز" الإخبارية.

وشدد على ضرورة الامتناع عن التسبب في أخطار جسيمة للدول الأخرى والتسوية السلمية للنزاعات بشأن السد.

وفي وقت سابق الشهر الماضي، رفضت الحكومة السودانية مقترحا من إثيوبيا بتوقيع اتفاق ثنائي جزئي للملء الأول لسد النهضة، مبدية تمسكها بالاتفاق الثلاثي الموقع بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا.

وأكد السودان في أبريل الفائت على ضرورة التمسك بمرجعية مسار واشنطن بخصوص قواعد ملء وتشغيل السد.

ترقب مصري



قبل نحو أسبوعين، أعربت مصر، عن استعدادها الدائم للانخراط في العملية التفاوضية والمشاركة في الاجتماع المُزمع عقده بشأن سد النهضة الإثيوبي.

وأكدت وزارة الخارجية المصرية على أهمية أن يكون الاجتماع جادًا وبناء، وأن يسهم في التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن وشامل يحفظ مصالح مصر المائية وبنفس القدر يراعي مصالح إثيوبيا والسودان.

وأشارت الخارجية، في بيان رسمي، إلى نتائج الاجتماع الذي عُقد في مايو الماضي، بين رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، والذي تم خلاله الاتفاق على عودة الأطراف الثلاثة لطاولة المفاوضات، لتكملة الجزء اليسير المتبقي من اتفاق ملء وتشغيل سد النهضة، حسبما تم في مسارات التفاوض خلال الشهور الأخيرة.




وجاء ذلك الاجتماع، بحسب مجلس الوزراء السوداني، في إطار الجهود التي تبذلها الخرطوم للتواصل مع مصر وإثيوبيا بهدف استئناف مفاوضات سد النهضة.

وأكد الطرفان خلال الاجتماع أهمية عودة الأطراف الثلاثة لطاولة المفاوضات، لأجل إتمام الجزء اليسير المتبقي من اتفاقات ملء وتشغيل سد النهضة، حسبما تم في مسارات التفاوض خلال الأشهر الأخيرة.

وساطة أوروبية



مع حالة التعقيد والريبة، التي تحيط بأزمة سد النهضة، فقد تشهد المرحلة المقبلة، مشاركة طرف آخر في العملية التفاوضية، حيث أبدت المفوضية الأوروبية تلميحًا إلى ذلك في الأيام القليلة الماضية.

فقد أجرى نائب رئيس المفوضية الأوروبية ومفوض شؤونها الخارجية جوزيب بوريل يوم الخميس الماضي، محادثات هاتفية مع مفوض السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي، إسماعيل شرقي، تركزت المكالمة على تبادل الآراء حول آخر مستجدات قضية سد النهضة. جاء ذلك في بيان صدر عن الاتحاد الأوروبي وشدد على أن "حل الخلاف مهم للاستقرار في كل المنطقة"، وأضاف البيان أن بوريل تواصل خلال الأسابيع الماضية مع كل الأطراف وشجعها على "تجنب الاستقطاب المتزايد".

وذكر البيان أن بوريل رحب بقرار السودان وإثيوبيا ومصر استئناف المحادثات التقنية بين وزراء الموارد المائية، كما شدد بوريل على أهمية تجنب أي تصعيد آخر وإيجاد حل عاجل يحقق مصالح الأطراف كلها.

وختم البيان بتأكيد "استعداد" الاتحاد الأوروبي لدعم الأطراف في مسعاها وتبادل خبرات الاتحاد الأوروبي معها.


اضف تعليق