لم يبق إلا مقعد الرئيس .. كل السلطات في إيران بقبضة المتشددين!


٠٢ يونيو ٢٠٢٠

رؤية - بنده يوسف

استطاع الإصلاحيون في إيران أن يصلوا إلى إبرام إتفاق نووي مع مجموعة 5 1، التي من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية. واستطاعوا كذلك الحصول على جزء من أموال إيران في الخارج بموجب هذا الاتفاق، ولكن جاءت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وأطاحت بهذا الاتفاق بعدما وجدت النظام في إيران يوجه مكاسب الاتفاق النووي، ومنها الأموال الخارجية، في تعزيز نفوذه الصلب؛ عبر تمويل المليشيات الموالية لإيران في المنطقة، بما أضر بمصالح الدول المجاورة لإيران.

اتبع الرئيس الأمريكي سياسة "أقصى ضغط" من العقوبات؛ لإجبار طهران على القبول بالجلوس مرة أخرى مع واشنطن والتفاوض معها حول الاتفاق النووي، وهو ما رفضته طهران، وتصر على العمل بالاتفاق النووي وعودة واشنطن له قبل أي جلسات حوار.

وفي مقابل هذه السياسة، أصبح الإصلاحيون في موقف ضعيف أمام هجمات المحافظين والمتشددين الرافضين لسياسة التفاوض والحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية. وأصبح موقف الإصلاحيين في الداخل هشًا في ظل العقوبات الاقتصادية وأزمة كورونا، وتفشي الفساد والبيروقراطية، والأزمة الاقتصادية التي أثرت بشكل كبير على الطبقات الفقيرة.

منح هذا الواقع الفرصة مرة ثانية للمحافظين ولا سيما للمتشددين منهم للعودة إلى الحياة السياسية، وعززت طموحات الحرس الثوري الذي يمثل الذراع الأمني للنظام والثورة من هذه الفرصة؛ حيث ترشح عدد كبير من رجال الحرس الثوري السابقين في الانتخابات البرلمانية السابقة إلى جانب تحالفهم مع المحافظين من أجل التصدي للإصلاحيين، والحفاظ على طبيعة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران.

ويشير الخبير السياسي الإيراني، رضا تقي زاده، في تقرير له على قناة إيران إنترنشنال، أن سياسة أقصى ضغط الأمريكية على إيران، بدأت تحت ذريعة الأنشطة النووية المشتبه في أن لها أبعادًا عسكرية إيرانية. وتدريجيًا، أُضيفت جوانب أخرى، من ضمنها دعم الإرهاب الدولي، وغسل الأموال، وإعداد وتنفيذ الحروب بالوكالة، وتهديد التجارة الحرة في مياه الخليج، وتعريض أمن دول المنطقة للخطر، وعدم احترام حقوق الإنسان داخل البلاد.

وكان اقتراح الولايات المتحدة للنظام الإيراني عبارة عن حوار مباشر و"غير مشروط" يهدف إلى تمديد واستمرار الاتفاق النووي، بهدف "تغيير سلوك" النظام الإيراني، وهو ما فسره الجناح المتشدد القوي داخل النظام والحرس الثوري اﻹيراني، حارس النظام وشريك السلطة الكبير، على أنه يهدف إلى "تغيير النظام".

ويوضح تقي زاده، أن هدف سياسة أقصى ضغط الذي أُعلِنَ أنه لتغيير سلوك النظام الإيراني، لم يحسّن الوضع على مدى السنوات الثلاث الماضية، ليس ذلك فحسب، بل جعل النظام الإيراني في مسارٍ أكثر خطورة من الماضي، وذلك في عملية طبيعية يمكن التنبؤ بها، ردًا على الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة.

ورغم سيطرة المحافظين على المؤسسات الهامة في البلاد، فإن ذلك لا يحول دون توسع دائرة الغضب الشعبي ضدهم، خاصة بعد الفشل في إدارة أزمة فيروس كورونا وما رافقها من خسائر بشرية واقتصادية كبيرة وسط اتهامات موجهة إلى السلطات بأنها تهاونت في مواجهة الوباء منذ انطلاقه وأن إجراءاتها جاءت متأخرة.

ويقول المراقبون إن السلطات تريد أن تذهب إلى أقصى حدّ في مواجهة غضب الشارع المتزايد، وأنها باتت مقتنعة بأن أي تراخ قد يُفقدها زمام الأمور، ولذلك فهي تمنح قوات الحرس الثوري سيطرة على البلاد غير مسبوقة.

اتساع نفوذ الحرس الثوري

بدأت دائرة نفوذ الحرس الثوري تتسع في إيران لتشمل جوانب عدة من المجتمع والحياة السياسية والاقتصادية في إيران، فمن الناحية الاقتصادية يسيطر الحرس على العديد من المؤسسات والشركات الصناعية والتجارية، ويستحوذ على المناقصات والمشاريع الحكومية، وأبرز مظاهر ذلك، هو معسكر خاتم الأنبياء الذي يسيطر على المشاريع في مجالات البناء والتشييد والبتروكيماويات والمناطق الحرة.

ومن الناحية السياسية، كشف تقرير على موقع إيران واير المعارض، أن الحرس الثوري يسعى للسيطرة على الجامعات الإيرانية عبر الاستعانة بجماعات طلابية مؤيدة له، بهدف إجهاض الحراك الطلابي الذي يخرج في تظاهرات ضد النظام.

وفي الحياة السياسية، تضاعف عدد النواب القادمين من جهاز الحرس الثوري مقارنة بالبرلمان السابق. وحصل قادة الحرس الثوري على أكثر من 30 مقعدًا في البرلمان الإيراني، من بين نحو 270 نائبًا انتخبوا في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي جرت في 21 فبراير/ شباط الماضي.

وأطلق المرشد الأعلى علي خامنئي يد الحرس الثوري لمواجهة وباء كورونا، ليمنح بذلك الحرس الثوري فرصة ثمينة ترسخ قوّته في البلاد التي تقول كل المؤشرات إنها ستشهد تغييرًا في ملامح نظام الحكم فيها نحو التشدد، في ظل غلبة تيار تصدير الثورة، والذي يعني مناصبة العداء لدول الإقليم والولايات المتحدة، وبالنتيجة ضخ الأموال للاستمرار في سباق التسلح وخاصة في تقوية الميليشيات الحليفة في المنطقة.

ويتبنى خامنئي والمعسكر المحافظ في طهران خيار التصعيد لكسب الشارع الذي يهيمن عليه المتشددون، ومن أجل ترسيخ هذا الخيار يبدو هذا المعسكر مستعدًا لتقدّم الحرس الثوري الصف وقيادة البلاد.

الحرس الثوري على رأس البرلمان

بوصول قائد مخضرم من قوات الحرس الثوري الإيراني إلى أعلى منصب تشريعي في إيران، يكون الحرس الثوري قد وصل إلى الخطوة قبل الأخيرة للاستيلاء بالكامل على مقدرات الدولة بمفاصلها المالية والإدارية، والآن التشريعية، وهو الأمر الذي يفتح باب السؤال إن كان سيقف عند هذه الحدود أم سيكون المرشد الأعلى القادم بدوره من الحرس.

فقد انتخب مجلس الشورى الإيراني الجديد الخميس الماضي رئيس بلدية طهران السابق محمد باقر قاليباف رئيسا له، ليعزز بذلك سلطة المحافظين قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2021.

ويزيد انتخاب قاليباف على رأس مجلس الشورى من ترجيح كفة المحافظين الذين باتوا يحكمون قبضتهم على المؤسسات المختلفة عدا رئاسة الجمهورية، حيث بات الرئيس روحاني أسيرًا لقراراتهم.

ويوجد في تركيبة مجلس الشورى الحالي محافظون متشددون يعارضون روحاني في جميع الملفات تقريبًا، ومن بينها طريقة إدارة الاقتصاد المتضرر بشدة من العقوبات والتعامل مع الأزمة الصحية والتوترات مع الولايات المتحدة.

متشدد على رأس القضاء

في 7 مارس 2019 أصدر المرشد الأعلى، علي خامنئي قرارًا بتعيين رجل الدين المحافظ والمتشدد، إبراهيم رئيسي رئيسًا للسلطة القضائية الإيرانية، لمدة خمس سنوات.

وبعد أقل من أسبوع على تعيينه، تم انتخاب رئيسي أيضًا لمنصب نائب رئيس مجلس الخبراء في إيران وهو الهيئة الدينية التي تتولى اختيار الزعيم الأعلى، في خطوة قال المتابعون آنذاك، إنها تأتي في سياق تأهيله ليكون أحد أبرز المرشحين لخلافة المرشد الأعلى علي خامنئي. مما يجعل منه لاعبًا مهمًا على الساحة السياسية في إيران، خاصة أنه يحوز على ثقة الحرس الثوري الحاكم الفعلي في البلاد.

وتقول أوساط إيرانية إن القيادات المتشددة تعمل ما في وسعها على الاحتفاظ بالمؤسسات الهامة دينيًا وسياسيًا وقضائيًا تحت هيمنتها، وأنها تراهن على الولاء لولاية الفقيه أكثر من الكفاءة، مشيرة إلى أن رئيسي يتبنى شعار تصدير الثورة الذي جاءت به ثورة الخميني، ويتمسك به الحرس الثوري.

وكانت مشاركته في الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس روحاني، تهدف إلى تحضيره ليكون أحد الوجوه المستقبلية لإمبراطورية الحرس الثوري التي تحتاج إلى رجال دين ثقات في المؤسسات الحساسة مثل مجلس الخبراء أو القضاء.

ومنذ تعيين رئيسي في منصب رئيس القضاء؛ وهو يترصد الملفات والقضايا الخاصة بالفساد في حكومة الرئيس روحاني، إلى جانب تدخله في الشؤون الاقتصادية والسياسية والأمنية للحكومة، بما يضر بشعبية الإصلاحيين في الشارع الإيراني، وهو ما ينذر بوصول رئيس من المحافظين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ويراهن بعض المراقبين أن ذلك سيكون في صالح العلاقات الخارجية، لا سيما مع العالم الغربي؛ لأن إيران لحظة أن يهيمن المحافظون على كافة أجهزة قياداتها ستكون ذات صوت واحد، ولن يكون هناك أي صراع بين أجهزة الدولة على أي قرار قد يتخذه المرشد الأعلى تجاه العالم الخارجي والغرب، وإن كان هذا القرار هو التفاوض مع واشنطن.


اضف تعليق