الأولوية السياسية.. كيف يمكن للاتحاد الأوروبي الحفاظ على وحدته أمام الأزمات الراهنة؟


٠٥ يونيو ٢٠٢٠

رؤية- محمود رشدي 

بعدما تفشى فيروس كورونا في العالم، انهار الوضع الاقتصادي المتأزم منذ سنوات، وباتت الدول جميعها تواجه شبح الوباء والكساد معًا، وفي أوروبا تحديدًا تواجه أزمة أخرى سياسية بعدما انسحبت بريطانيا من كتلة الاتحاد، وهي مشكلة التفكك وصعود تيارات اليمين المتطرف والقومية.

ولذا يأتي السؤال، أهناك توجهات جديدة تمكن قادة الاتحاد من إنقاذ التكتل الأوروبي من الانهيار أمام تلك الأزمات؟، وفي هذا الشأن يطرح مقال "ماتياس ماتيجس" (الأستاذ المشارك في الاقتصاد السياسي الدولي في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز) بعنوان "السياسة قبل الاقتصاد.. الطريق الأمثل لإصلاح الاتحاد الأوروبي"، الذي نُشر في دورية الشؤون الخارجية بعدد مايو/يونيو ٢٠٢٠، والذي دعا خلاله قادة الاتحاد الأوروبي إلى إعادة الاعتبار والأولوية للسياسة قبل الاقتصاد كواحد من أهم مداخل إصلاح الاتحاد وتعزيز شرعيته ونفوذه إقليمياً وعالمياً.

عيوب السوق الموحدة 

يؤكد "ماتيجس" أن الأزمات المتعددة التي واجهت الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية، تعود جذورها إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم؛ ففي معظم فترات ما بعد الحرب، كان التكامل الأوروبي يتبع منطقًا بسيطًا يعتمد على قيام الدول بتحرير اقتصاداتها وتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بالسيطرة الوطنية على أدوات السياسة الهامة كالشؤون النقدية والمالية، والسياسة الصناعية، والمشتريات العامة، وسياسة سوق العمل.

لكن ابتداءً من عام 1985، قلب رئيس المفوضية الأوروبية الجديد آنذاك جاك ديلور، هذا المنطق رأساً على عقب، عبر تأسيس الاتحاد الأوروبي سوقاً مشتركة حقيقية بإلغاء جميع الحواجز غير الجمركية أمام التجارة، كما وضع الأساس لعملة موحَّدة، حوَّلت السيطرة على السياسة النقدية وأسعار الصرف إلى مستوى منطقة اليورو. وبحلول منتصف التسعينيات، أفسحت هذه السياسة المجال لنموذج جديد وضع الترابط الاقتصادي والمالي أولاً والسيادة السياسية ثانياً.

بيد أن هذا النموذج الجديد كان مَعيباً بشدة؛ إذ فشل الاتحاد الأوروبي في إنشاء المؤسسات فوق الوطنية التي تجعل التضامن المالي أثناء الأزمات ممكناً، كما مكَّنت السوق الموحدة من حرية حركة رأس المال، لكنها افتقرت إلى المؤسسات المشتركة لتنظيم هذه التدفقات. وكان من المفترض أن تعني العملة الموحَّدة سياسة نقدية مشتركة، لكن لم يكن لديها سيطرة على الأمور المالية لتخفيف الآثار غير المتساوية للأزمات المحتملة، كما غيِّرت المعاهدات البارزة في عصر "ديلور" الأسواق الأوروبية جذرياً من خلال تكريس خيارات سياسية اقتصادية محددة في اتفاقيات فوق وطنية لا يمكن تغييرها إلا من خلال التصويت بالإجماع. 

البحث عن توافق جديد

يرى"ماتيجس" أن هذا التوافق الجديد بين الدول الأعضاء سيتم على مستويين: المستوى الاقتصادي، والمستوى السياسي؛ فعلى المستوى الاقتصادي، يتطلب إصلاح الاتحاد تفسيراً فضفاضاً للقواعد المالية الحالية للاتحاد الأوروبي وبعض الانحرافات المؤقتة عن بعض مبادئ السوق الموحدة. وفي هذا الصدد قدَّم الكاتب بعض المقترحات على النحو التالي:

أولاً– إعطاء الحكومات الوطنية القدرة على أن تقرر بنفسها كيفية استخدام عائداتها الضريبية وإجراء مقايضات الميزانية، ودعم القطاعات المتأثرة مؤقتاً. وستسمح هذه المرونة مرة أخرى للناخبين بأن تكون لهم كلمة حقيقية في السياسة الاقتصادية، لمواجهة ما يسمى العجز الديمقراطي الذي عانى الاتحاد منه منذ بداية أزمة منطقة اليورو.

ثانياً– تطوير آليات أكثر وطنية لتقاسم المخاطر الاقتصادية، ولو كان القيام بذلك يتعارض مع العقيدة الاقتصادية. ففي أعقاب أزمة الديون، أنشأت دول منطقة اليورو اتحادًا مصرفيًا يسمح للبنك المركزي الأوروبي بمراقبة البنوك الخاصة المتعثرة لإنقاذها، وحالياً يجب على أوروبا أن تضيف إلى هذا الاتحاد المصرفي ركيزة إضافية تتمثل في خطة تأمين على الودائع على مستوى منطقة اليورو، بهدف تخفيف العبء على أي دولة عضو إذا واجه أحد بنوكها أزمات.

ثالثاً– دفع الدول الأعضاء إلى تجميع بعض ديونها السيادية من خلال ما تسمى السندات الأوروبية؛ الأمر الذي سيجعل العودة المفاجئة لأسعار الفائدة المرتفعة أقل احتمالاً بكثير، ويعطي الحكومات الوطنية مساحة أكبر للحركة؛ ما يقلل خطر هروب رأس المال في أي أزمة مستقبلية.

رابعاً– إعادة النظر في دور البنك المركزي الأوروبي؛ فبدلاً من أن يقتصر على ضمان استقرار الأسعار، يجب أن يُسمح له بالقيام بأدوار أخرى تشمل العمالة الكاملة والازدهار الاقتصادي الشامل.

أما على المستوى السياسي فيؤكد "ماتيجس" أنه يجب على الاتحاد الأوروبي ألا يتنازل عن التزامه بالمبادئ الديمقراطية الليبرالية، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون. ويتم ذلك من خلال وضع قواعد واضحة وصارمة ضد الدول التي تنحرف عن المبادئ الديمقراطية، مثل ربط الأموال التي يعطيها الاتحاد للدول المتخلفة اقتصادياً بشرط السلوك الديمقراطي الجيد. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الأحزاب في البرلمان الأوروبي وضع قواعد واضحة لطرد أي ممثلين من الحكومات الوطنية الذين يقوضون ديمقراطية بلادهم.

وبالنسبة إلى أزمة الهجرة، ففيها شقان وفقًا للكاتب: الأول يرتبط بالهجرة الداخلية بين الدول الأوروبية التي ينبغي وضع قواعد لتحجيمها ولو كان ذلك صعبًا مع عدم الإخلال بمبدأ حرية حركة الأشخاص. أما الشق الثاني فيرتبط بالهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي. وهنا يمكن للاتحاد تخصيص المزيد من الأموال لدوريات الحدود، والابتعاد عن لائحة دبلن القديمة نحو آلية توزيع أكثر عدالة لطالبي اللجوء.



اضف تعليق