دبلوماسية السجناء .. هل تتخلى إيران عن سياسة "الصبر الاستراتيجي" تجاه ترامب؟


٠٦ يونيو ٢٠٢٠

رؤية - بنده يوسف

اتبعت إيران منذ فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمقعد الرئاسة، وانسحابه من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على طهران، سياسة "الصبر الاستراتيجي" التي تعتمد على الانتظار حتى رحيل الرئيس "ترامب" عن البيت الأبيض. وإلى جانب هذه السياسة اتبعت سياسة "الضغط الاستراتيجي" التي اعتمدت على خفض الالتزام النووي وتهديد الوجود الأمريكي في المنطقة في مقابل السياسة التي اتبعتها واشنطن تحت اسم "أقصى ضغط"، والتي تعني لا مفر من العقوبات على إيران؛ حتى تستجيب للمطالب الأمريكية، وتعود لطاولة التفاوض حول البرنامج النووي من جديد، وحول البرنامج الصاروخي لإيران.

ومع اقتراب ولاية ترامب الأولى من نهايتها، ومع اشتداد حركة الاحتجاجات في الولايات المتحدة ضد إدارته؛ بات السؤال الآن: هل تستمر طهران في الالتزام بسياسة "الصبر الاستراتيجي" تجاه "ترامب"؟

دبلوماسية السجناء

الخميس الماضي، 4 يونيو/ حزيران، أعلن مسؤولون أمريكيون عن إطلاق سراح مايكل وايت، الضابط السابق في البحرية الأمريكية، الذي كان معتقلا في إيران منذ عام 2018، وأنه الآن في طريق عودته إلى بلاده.

وتأتي هذه العملية تزامنًا تم مع إطلاق سراح الطبيب الإيراني الأمريكي، مجيد طاهري، المتهم بانتهاك العقوبات الأمريكية. وكذلك بعدما وصل الأربعاء، إلى طهران سيروس عسكري، الأكاديمي الإيراني الذي كان معتقلا في الولايات المتحدة، بتهمة انتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران و"سرقة أسرار تجارية".

وفي وقت سابق، أطلقت إيران سراح المواطن الأمريكي، جائو وانغ، الذي كان مسجونًا في إيران بتهمة التجسس. كما أطلقت أمريكا في المقابل سراح الأستاذ الإيراني، مسعود سليماني، المتهم بانتهاك العقوبات الأمريكية.

كما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، أمس الجمعة، أن وزير الخارجية، جواد ظريف، كان قد التقى خلال العام الماضي مع الحاكم السابق لولاية نيومكسيكو الأمريكية، بيل ريتشاردسون، لمناقشة قضية تبادل السجناء.

يبدو أن طهران لا تعتزم التنازل عن سياستها تجاه إدارة ترامب؛ وإنما هذه الخطوات لمجرد الدعاية امام المجتمع الدولي، بأن المشكلة تكمن في إدارة ترامب. إلى جانب المكاسب الداخلية للنظام الإيراني، بأنه قادر على تحرير المواطنين الإيرانيين في الولايات المتحدة، ولذلك، كتب ظريف على تويتر إنه "بالإمكان تعميم هذه التجربة على جميع السجناء"، لافتاً إلى أن "الرهائن الإيرانيين في السجون الأمريكية أو في أي مكان بطلب أمريكي يجب أن يعودوا إلى الوطن".

ويبدو أن واشنطن ستستمر في سياسة دبلوماسية السجناء مع طهران خلال الفترة القادمة، في إطار سعي ترامب لدعم دعايته للترشح لولاية ثانية.

حلم ترامب

ما زال الرئيس ترامب يصر على الوصول لإتفاق جديد مع إيران، ويحلم ترامب بالجلوس مع الإيرانيين على طاولة المفاوضات قبل نهاية ولايته الأولى؛ خاصة أنه يرغب في الحصول على فترة ولاية ثانية.

وقد شكر ترامب إيران لإطلاقها سراح مايكل وايت، قائلًا: "لقد استعدنا أكثر من أربعين مخطوفًا ومعتقلًا أمريكيًا منذ أن توليت منصبي. شكرًا لإيران، وما جرى يُظهر أن الاتفاق ممكن".

وقال لمسؤولي النظام الإيراني: "سأفوز في الانتخابات. أنتم تتوصلون إلى اتفاق أفضل الآن".

وقال مندوب الولايات المتحدة الخاص بشأن إيران، بريان هوك، إن الرئيس ترامب ترك الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية سنوات كثيرة، وفي الإطار نفسه اجتمع مع (زعيم كوريا الشمالية) كيم جونغ أون ثلاث مرات "وعلى ذلك نود أن نرى النظام (الإيراني) وقد قابل دبلوماسيتنا بالدبلوماسية".

وقال هوك: إن المفاوضات الأمريكية الإيرانية حتى الآن لم تتعد مناقشة تبادل الإفراج عن السجناء إلى قضايا مثل برنامج إيران النووي.

وأضاف إن "إيران تعاطت بطريقة بنّاءة مع مفاوضات إطلاق سراح مايكل وايت، ونطالبها بالإفراج عن المحتجزين الآخرين".

في المقابل، تحدى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الرئيس ترامب بأن يعود للاتفاق النووي.

وكتب ظريف على تويتر مخاطبا ترامب "حققنا تبادلا إنسانيا على الرغم من جهود مرؤوسيك".

وتابع "كان لدينا اتفاق عندما توليت منصبك، ارتكب مستشاروك الذين عزل معظمهم الآن حماقة، الأمر متروك لك إن شئت إصلاحه".

صعوبة اقناع المتشددين

طالما واشنطن مستمرة في سياستها مع طهران؛ فسيكون من الصعب إقناع المتشددين في إيران بقبول إعادة التفاوض مع إيران.

فقد أعلن براين هوك، استمرار سياسة الضغط الأقصى على إيران، حاثًّا إياها على أن "تقابل الدبلوماسية بالدبلوماسية"‏‎.

ويسيطر تيار المحافظين المتشددين الآن بشكل أكبر على مفاصل الدولة الإيرانية نتيجة فشل الإصلاحيين في تحقيق شيء من الاتفاق النووي. وإن كان القرار الأعلى في يد المرشد الأعلى، علي خامنئي؛ ولكن سيطرة المتشددين على أجنحة النظام الإيراني يفرض على المرشد عدم الدخول في مغامرة قد تفقده نفوذه وسلطته عليهم.

رئيس البرلمان الجديد، قاليباف، المحسوب على التيار المحافظين، والمقرب من الحرس الثوري، قال: إن "استراتيجيتنا في التعامل مع الولايات المتحدة الإرهابية هي استكمال سلسلة الانتقام لدم الشهيد سليماني.. لقد بدأت العملية بهجوم غير مسبوق على قاعدة عين الأسد، وستكتمل بالطرد الكامل للجيش الإرهابي الأمريكي من المنطقة". ووصف قاليباف المفاوضات والتسوية مع الولايات المتحدة بأنها غير مثمرة وضارة، وأكد على عدم وجود مفاوضات مع الولايات المتحدة، كما أكد على ما سماه "استكمال سلسلة الانتقام" لمقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

كذلك، اعتبر أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران محسن رضائي، أن التفاوض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "سم قاتل".

وكتب رضائي في تغريدة على "تويتر": "لقد قال ترامب أن نأتي الآن ونتفاوض معه.. التفاوض معك سم حتى لو خرجت من المستنقع الذي صنعته بنفسك".

وقال علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن تبادل السجناء بين إيران والولايات المتحدة "لم يكُن نتيجة مفاوضات"، مُضيفًا أنه "لن تجري مفاوضات في المستقبل".

الواضح من هذه التصريحات، أن المتشددين في النظام الإيراني، يحاولون إبعاد فكرة العودة للتفاوض مع واشنطن من باب تبادل السجناء. وكذلك لديهم قلق من إمكانية عودة ترامب للإتفاق النووي؛ حيث كانت تعتبر طهران هذا شرطًا للعودة إلى طاولة التفاوض، وكانت حكومة روحاني قد ألمحت إلى إمكانية إيجاد تعديلات على الإتفاق النووي في بروتوكول إلحاقي بالإتفاق الأساسي.

كذلك، من ضمن أهداف واشنطن للعودة إلى الإتفاق النووي، هو إمكانية الضغط أكثر على طهران في مجلس الأمن؛ حيث تسعى واشنطن لحرمان طهران من رفع حظر التسليح عنها في أكتوبر المقبل.

وتضغط على حلفاء إيران، الصين وروسيا وتتحالف مع الأوروبيين من أجل تمرير ذلك القرار في مجلس الأمن، فقد سلمت واشنطن لموسكو، مسودة هذا القرار، وكذلك سلمتها إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وكانت روسيا أعلنت سابقًا معارضتها لتمديد حظر الأسلحة المفروض على إيران، وتنتظر بعض شركات الأسلحة الروسية انتهاء الحظر لتوقيع اتفاقات مع إيران.

ربما لدى طهران فرصة لاستغلال حاجة ترامب لدعايته الانتخابية، خاصة أن فرص الديمقراطيين أمام ترامب مازالت ضعيفة، لكن المحافظون في إيران يريدون أن يتم ذلك من خلالهم. ولذلك يراهن مراقبون على أن إمكانية التفاوض مع المحافظين ستكون أفضل بالنسبة لترامب وليس مع المحافظين؛ حيث إذا وصل رئيس من المحافظين إلى الرئاسة في إيران، سيكون منسجمًا مع سياسة المحافظين في باقي أجنحة النظام.



اضف تعليق