سقوط "تاجر الرقيق".. احتجاجات فلويد تنكأ جراح العنصرية في بريطانيا


٠٨ يونيو ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

تظاهر الآلاف لليوم الثاني على التوالي في العاصمة البريطانية لندن، تضامنا مع المحتجين في الويات المتحدة، ضد مقتل جورج فلويد والذي وصف بالعنصرية في العالم كله.

وفي مدينة بريستول أسقط المتظاهرون خلال احتجاج "حياة السود مهمة" تمثالا لتاجر رقيق وألقوا به في النهر، واستخدم المتظاهرون الحبال لإسقاط تمثال إدوارد كولستون وهو تاجر عبيد بارز عاش في القرن السابع عشر.

أقيم التمثال البرونزي في عام 1895، ويعتبر نقطة محورية للغضب بالمدينة خاصة أن كولستون عمل في الشركة الأفريقية الملكية، والتي يُرجح أنها كانت وراء نقل أكثر من 80 ألف رجل وإمرأة وطفل من أفريقيا إلى الأمريكتين.

وتوفي كولستون عام 1721، وذلك بعد أن أوصى بأن تكون ثروته لصالح الأعمال الخيرية، وما تزال هناك نصبا تذكارية ومبان كان يمتلكها في مدينة بريستول.

وأظهرت صورا ومقاطع فيديو، أحد المتظاهرين يجثو بركبته على رقبة التمثال بعد سقوطه، في مشهد أشبه بما حدث للأمريكي من أصل أفريقي الأعزل جورج فلويد الذي قتله الشرطي الأمريكي الأبيض بعد أن جثا بركبته على رقبته لأكثر من حوالي ثماني دقائق.

وفي محاولة منهم إلى تدمير التمثال المثير للجدل في بريطانيا، قام المتظاهرون بدحرجة التمثال في شوارع بريستول حتى ألقوه في نهر أيفون، واستخدموا قاعدته كمنصة لإلقاء الكلمات التي يدلي بها المحتجون.

وكان سكان بريستول تقدموا مؤخرا إلى مجلس المدينة بطلب إزالة التمثال المثير للجدل، حيث جمعت الوثيقة أكثر من 10 آلاف توقيع، بحسب صحيفة الإندبندنت" البريطانية.

وحثت رئيسة شرطة العاصمة لندن كرسيدا ديك، المشاركين في المظاهرات على أن يجدوا طريقة مختلفة للتعبير عن رأيهم، لكن حشودا كبيرة تستمر في التظاهر أمام السفارة الأمريكية لدى لندن لليوم الثاني على التوالي.

كما تجاهل المحتجون تحذيرات مفوضة الشرطة ووزير الصحة البريطاني مات هانكوك من أن التجمعات التي يشكلونها قد تؤدي إلى تفاقم انتشار فيروس كورونا.

وأشارت تقارير إلى أن شرطيين أصيبوا جراء اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن في داوننغ ستريت بالقرب من مقر الحكومة البريطانية، وذلك رغم سلمية الاحتجاجات.


التماثيل رمزًا للانقسام

وفي ديربورن بولاية ميشيجان الأمريكية، أزال عمال تمثالا لأطول عمدة بقاء في المنصب بالمدينة، أورفيل هوبارد، والذي كان مؤيدا لسياسات الفصل العنصري وأدلى بتعليقات عنصرية على مدى فترة عمله التي استمرت 35 عامًا والتي انتهت في عام 1977.

وتجددت الدعوات لإزالة التمثال في ضوء الاحتجاجات واسعة النطاق على وفاة جورج فلويد، وقالت متحدثة باسم المدينة: إن التمثال أصبح "رمزًا للانقسام بدلا من أن يكون رمزا للوحدة".

وفي بلجيكا، شهدت عدة مدن حالات متكررة من استهداف تماثيل الملك الراحل ليوبولد الثاني، الذي يعتبره المؤرخون مسؤولا عن الإبادة الجماعية لسكان الكونغو في عهد الاستعمار.

وخرج المتظاهرون في العاصمة البلجيكية روكسل، تضامنا مع المحتجين في الولايات المتحدة الأمريكية ضد مقتل جورج فلويد، وخلال المظاهرات اعتلت مجموعة من المحتجين تمثالا للملك البلجيكي، ليوبولد الثاني، ورفعت علم جمهورية الكونغو الديمقراطية عليه، مرددين هتافات "قاتل" في إشارة إلى الملك.

وفي كل من مدينة غينت وإيكيرين وأنتويرب وهاله وأوستيندي، تعرضت تماثيل الملك للعبث، حيث وضع المحتجون على بعضها الصباغ الأحمر، وتركوا على البعض الآخر رسومات جرافيتي وأضرموا النار في أحد التماثيل.



بريطانيا وتجارة الرقيق

ولبريطانيا تاريخ طويل في تجار الرقيق، حيث انتشرت هذه التجارة الرقيق وحققت أرباح طائلة عن طريق نقل حوالي 5.5 مليون أفريقي إلى مستعمراتها في منطقة البحر الكاريبي، وإجبارهم على العمل في ظروف مروعة في مزارع جاميكا، وبربادوس وخارجها.

في عام 1807، اتخذ البرلمان البريطاني قرارا جريئا أنهى من خلاله رسميا "تجارة العبيد" والتي عاشت على وقعها بريطانيا لقرون عديدة، ولتدعيم هذا القرار البرلماني، أيد المستشار البريطاني هنري بروجهام (Henry Brougham) تمرير قرار ثانٍ سنة 1811 دعم من خلاله القرار الأول ليجعل عقب ذلك تجارة العبيد جريمة يعاقب عليها القانون البريطاني بعقوبات قاسية قد تصل أحيانا إلى الإعدام.

 فضلاً عن ذلك، كونت البحرية الملكية البريطانية فرقة عسكرية أوكلت إليها مهمة تفتيش السفن البريطانية التي تبحر انطلاقا من المستعمرات البريطانية بإفريقيا نحو القارة الأمريكية.

وفي عام 1823، نشأت بالعاصمة البريطانية لندن "الجمعية المناهضة للعبودية" (Anti-Slavery Society) والتي كان من ضمن أعضائها عدد هام من كبار الشخصيات البريطانية مثل البرلمانيين فويل بوكستون وويليام ويلبرفورس إضافةً إلى المستشار هنري بروجهام، وحملت هذه المنظمة على عاتقها مهمة مواصلة النضال لوضع حد نهائي للعبودية بالإمبراطورية البريطانية.

وعانى الاقتصاد البريطاني من حالة من التخبط بسبب التغيرات الاقتصادية التي شهدها العالم حيث لم تعد مزارع قصب السكر والقطن بالمستعمرات البريطانية بالكاريبي، والتي كانت تشغل عددا هائلا من العبيد، قادرة على مقارعة المزارع الكبرى بكل من كوبا والبرازيل والتي هيمنت بدورها على الأسواق العالمية.

وفي عام 1833، اتجه البرلمان البريطاني إلى إقرار قانون إلغاء العبودية، ولقي قانون إلغاء العبودية القبول الملكي يوم 28 أغسطس 1833 قبل أن يدخل حيز التنفيذ بشكل رسمي في الأول من شهر أغسطس سنة 1834.

يُصنف قانون إلغاء العبودية لسنة 1833 (Slavery Abolition Act 1833) كواحد من أهم القوانين في تاريخ بريطانيا حيث جاء ظهور هذا القرار التاريخي ليكرّس انتصار نشطاء المجتمع المدني المناهضين للعبودية عقب جملة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي عاشت على وقعها الإمبراطورية البريطانية.

وبناءً على ذلك، كسب حوالي 800 ألف من العبيد حريتهم بعد فترات طويلة قضوها في شراك العبودية بالمستعمرات البريطانية بكل من إفريقيا والكاريبي وكندا.



اضف تعليق