"انهيار الليرة".. لبنان يتجه للمجهول وسط احتجاجات واسعة


١٢ يونيو ٢٠٢٠

كتب - محمود سعيد

بدأت الحكومة اللبنانية اتخاذ إجراءات حاسمة لمواجهة انهيار الليرة اللبنانية، حيث أصبح الدولار الواحد في لبنان يساوي قرابة 5000 ليرة في السوق الرسمي في حين وصلت إلى ٧٥٠٠ ليرة لبنانية في السوق السوداء، وهذا ما جعل الشعب اللبناني ينتفض على الطبقة الحاكمة، حيث اتهمها بالاستيلاء على مقدرات لبنان، والتسبب في قيام المجتمع الدولي بفرض عقوبات على لبنان بسبب محاباة الحكومات اللبنانية لما يسمى "حزب الله" اللبناني الموالي لإيران، وما يجري اليوم في لبنان هو التهديد الأشد لاستقرار البلاد منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين 1975 و1990.

انهيار العملة جاء أيضًا بسبب عودة الاحتجاجات الشعبية وقطع الطرق بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والغلاء الكبير في أسعار السلع الغذائية والمستلزمات الأساسية وتجميد أموال المودعين في المصارف اللبنانية، والعقوبات الدولية، وبسبب جائحة كورونا، وكلها عوامل أفضت إلى عجز البلاد عن دفع ديون خارجية، ورغم تصديق الحكومة اللبنانية (يهيمن عليها التيار العوني ومليشيات حزب الله)، بالإجماع على خطة إنقاذ اقتصادي منها تقنين زراعة الحشيش لأغراض علاجية وصناعية، فإن الأزمة تتمدد، في ظل الانهيار الحاد للعملة المحلية، وسُرّبت نسخة من الخطة قبل أسابيع، قدّرت فيها الحكومة حاجة لبنان حاليًا إلى أكثر من 80 مليار دولار للخروج من الأزمة والنهوض بالاقتصاد، من بينها مبلغ يتراوح بين عشرة و15 مليار دولار على شكل دعم خارجي خلال السنوات الخمس المقبلة.

دخول قانون قيصر الأمريكي لمحاسبة نظام الأسد والموالين والمتعاونين معه في لبنان حيز التنفيذ، ضرب الاقتصاد اللبناني والمصارف اللبنانية حيث عانت من شُحّ الدولار بسبب العقوبات الدولية التي طالت كل من يتعاون مع نظام الأسد، وهو ما حرم القطاع المصرفي اللبناني من ملايين الدولارات شهريًّا.

الميليشيات الموالية لإيران في لبنان استحوذت كذلك على  ملايين الدولارات من لبنان وأرسلتها إلى نظام الأسد لإنقاذ الليرة السورية التي تنهار أيضًا، ومع هذه الأنباء بدأ المحتجون في مهاجمة عدة فروع للمصارف، الأمر الذي دفع الحكومة اللبنانية لعقد اجتماع طارئ.

الحكومة اللبنانية

من جانبها، قررت السلطات اللبنانية ضخّ كميات من الدولار في الأسواق، مع اتخاذ ضوابط تستهدف عدم تهريب الدولار إلى خارج البلاد وضبط عمليات المضاربة على الليرة اللبنانية ومكافحة السوق السوداء، وذلك في سبيل ضبط تفلت سعر صرف الدولار والذي أدى إلى احتجاجات شعبية عارمة في عموم لبنان، مساء أمس الخميس، نظرًا لانعكاساته السلبية على الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

جاء ذلك خلال الاجتماع الطارئ لمجلس الوزراء اللبناني برئاسة رئيس الحكومة حسان دياب، الذي عقد، اليوم الجمعة، بحضور حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، ومجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، ومجلس إدارة نقابة الصرافين، على وقع مظاهرات وقطع للطرق ومسيرات احتجاجية أخذت طابع العنف والشغب مساء أمس عقب تداول أنباء بوصول سعر صرف الدولار إلى 7 آلاف ليرة.
وكلّف مجلس الوزراء اللبناني، وزيرة العدل ماري كلود نجم، بالتحقيق في الهبوط الكبير وغير المبرر لليرة أمام الدولار، "تمهيدًا لإحالة ما ينتج عن التحقيقات إلى القضاء المختص".

المركزي اللبناني يضخ مبالغ بالدولار

فيما قال نقيب الصرافين في لبنان محمود حلاوة: إن المصرف المركزي وافق الجمعة على ضخ مبالغ جديدة بالدولار في السوق لدعم العملة الوطنية بعد ليلة من الاحتجاجات التي آثارها الانهيار الدراماتيكي لليرة اللبنانية.

وأشار إلى أن السوق السوداء تخرب كافة الخطط المالية التي يتم التوصل إليها، مشيرًا إلى أن حاكم مصرف لبنان المركزي التزم بضخ الدولار النقدي، بما يغطي احتياجات المجتمع من الاستيراد، وكذلك الحاجات المبررة للمواطنين اللبنانيين.

 وتابع: "البنك المركزي سيضخ استثنائيًّا الدولار النقدي لدى الصيارفة من الفئة الأولى، باعتبار أنهم الجهة المنضبطة التي تخضع للقانون، والذين سيعملون بدورهم على ترشيد بيع الدولار، ولن يقوموا ببيع الدولار لمن يريد المضاربة على الليرة اللبنانية حرصا على عدم إهدار احتياطي الدولار لدى البنك المركزي هباء".

وقال حلاوة: إن محافظ المصرف المركزي وعد بضخ مبلغ كافٍ من الدولارات في السوق للمستوردين والمواطنين العاديين، وأضاف أن قوات الأمن ستتخذ إجراءات صارمة ضد السوق السوداء أو أي صرافين يبيعون بسعر أعلى من 3940 ليرة للدولار.

قيادات السنة وإسقاط الحكومة

بدوره اتهم سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق، رئيس الجمهورية والحكومة بقيادة اللبنانيين إلى المجهول "بتحويل الاقتصاد رهينة تصفية الحسابات السياسية"، حيث تشهد البلاد احتجاجات أججها التراجع السريع في سعر العملة مقابل الدولارـ والصعوبات الاقتصادية المتراكمة، وقال: "عهد وحكومة عهد يقودان اللبنانيين إلى المجهول بتحويل الاقتصاد رهينة تصفية الحسابات السياسية".

ويشار بالعهد في لبنان إلى فترة حكم رئيس الجمهورية، وقد انتخب الرئيس الحالي ميشال عون عام 2016، ويستمر في الحكم 6 سنوات.
وأضاف الحريري: "ذهنية كيدية وانتقام تبحث عن كبش محرقة لامتصاص غضب الناس المحق وصرخات الجوع من كل المناطق"، وتابع: "التهويل بإقالة رياض سلامة (حاكم مصرف لبنان) جنون اقتصادي وسياسي ودستوري، وسيذبح الاقتصاد اللبناني من الوريد إلى الوريد. يبحثون عن مخرج لإنقاذ انفسهم من شر قراراتهم، وأفعالهم وليس على حل لإنقاذ الاقتصاد ووقف تدهور الليرة".

وقال الحريري إنه يؤيد إسقاط الحكومة الحالية، في حال فشلت في مهامها، خصوصا أن "لبنان يتجه إلى التدهور، والحل الوحيد لإنقاذه هو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي وضخ الأموال إلى البلاد"، جاء ذلك في بيان تلاه رئيس الحكومة الأسبق، فؤاد السنيورة عقب اجتماع جمعه ورؤساء الحكومات السابقون تمام سلام، ونجيب ميقاتي، وفؤاد السنيورة، في منزل سعد الحريري، وقال: إن "معاناة اللبنانيين اليومية تزداد حدة"، داعيًا "العهد والحكومة إلى ضرورة استعادة ثقة الناس".

وحذّر السنيورة من "مغبّة مواصلة العهد وحكومته بالسياسات التي تقود بلدنا إلى أزمة خطيرة، وتحوّل المصاعب الى انهيار، وندعوهما الى اعتماد المعالجات الحقيقية الموعودة التي تجمع اللبنانيين ولا تفرقهم"، ورأى أنّ "لبنان يمرّ اليوم بأزمة سياسيّة واقتصاديّة وماليّة ونقديّة عميقة، وتهاوت معها الأوضاع مؤخرًا ما ينذر ببلوغ أزمة خطيرة".


اضف تعليق