صلاح عبدالصبور.. شاعر حمل سيف الكلمة لإصلاح العالم


١٥ يونيو ٢٠٢٠

أماني ربيع

"لست شاعرًا حزينًا، ولكنى شاعر متألم، وذلك لأن الكون لا يعجبني، ولأني أحمل بين جوانحي -كما قال شيللي- شهوة لإصلاح العالم".

في قراءة تبدأ دومًا ولا تنتهي يأخذنا صلاح عبدالصبور في عوالمه، يدهشك دومًا وكأنما تقرأ كلماته للمرة الأولى، يعبر عن أعمق أوجاعنا بتلقائية شديدة وبساطة مغلفة بكثير من الحكمة والبصيرة النافذة.

شِعره أقرب ما يكون إلى جرح مفتوح لا يشفيه الزمن، كلما تنكأ الجرح بفعل القراءة، يبوح لك كل مرة بالجديد، مثل البحر، يظل البحر ذاته، رغم أمواجه التي تتجدد طوال الوقت.

صلاح عبدالصبور، هو شاعر الإنسان البسيط، وكل موقف بقابله يصلح لأن ينسج منه شعرًا، وهو في كل مرة يمتلك ناصية القلم، إذا ما تحدث عن الحب كان عاشقا رهيفا، وإذا ما تحدث الحزن، غلفت غمامة زرقاء كلماته وألقت بمن يقرأ في فيافي الأحزان، فالحزن لديه ظاهرة طبيعية مصاحبة للإنسان، وعندما يتناول هموم الإنسان المصري المعاصر، ترى في كلماته العقل الراجح، والشعر عنده دومًا، "صوت إنسان يتكلم".

هو واحد من رواد الشعر الحر العربي، وواحد من الشعراء العرب القلائل الذين ساهموا في التأليف للمسرح الشعري، وفي التنظير للشعر الحر.

صاغ عبدالصبور أبياته، بأنامل جواهرجي محترف، وشعره مرآة لموهبته وخبرته الحياتية، بالإضافة إلى ثقافته الواسعة، التي تلقاها على يد رصيد كبير من التراث العربي، وأشعار الصعاليك، وأشعار الحكمة، وأفكار أعلام الصوفيين لدى العرب مثل الحلاج وبشر الحافي، وهما شخصيتان استخدمهما كأقنعة تحدث من خلالها عن أفكاره وتصوراته عن المجتمع، وظهر ذلك في أبرز أعماله: "مذكرات بشر الحافي" و"مأساة الحلاج" و"ليلى والمجنون".

ولم يقتصر تأثره على التراث العربي فحسب، فتأثر أيضا، بأشعار الفرنسي بودلير، والشعر الفلسفي، عند ويليام ييتس، وت. س. إليوت، ولعل الأخير كان الأكثر تأثيرًا في شاعرنا، بنزعته التي تميل إلى التشاؤم، وهو ما بدا كثيرًا في شعر صلاح عبدالصبور، حتى عاب عليه النقاد ذلك، ورد هو في كتابه "حياتي في الشعر"، قائلًا:

"لست شاعرًا حزينًا، ولكني شاعر متألم، وذلك لأن الكون لا يعجبني، ولأني أحمل بين جوانحي -كما قال شيللى- شهوة لإصلاح العالم، وهذه الشهوة هي القوة الدافعة في حياة النبي والفيلسوف والشاعر؛ لأن كل منهم يرى النقص، فلا يحاول أن يخدع عنه نفسه، بل يجتهد في أن يرى وسيلة لإصلاحه، ويجعل دأبه أن يبشر بها".

كان ديوان "الناس في بلادي" الذي صدر عام 1957 هو أول مجموعات عبدالصبور الشعرية, كما كان -أيضًا- أول ديوان للشعر الحر، أو شعر التفعيلة الذي هز الحياة الأدبية المصرية وقتها، ولفت الانتباه لشاعر واعد بصوره الشعرية المتفردة وبساطة مفرداته المستمدة من الحياة اليومية، وتزاوج السخرية بالنزعة المأساوية وامتزاج الحس السياسي والفلسفي بموقف اجتماعي انتقادي واضح.

وزرع عبدالصبور بديوانه الألغام في أرض الشعر التقليدي الذي وقع في أسر التكرار والصنعة، وقام بذلك إنما بقصد  البناء وليس لهدم، وبدأ ينشر أشعاره في الصحف لتذيع شهرته ويصبح علمًا بين رواد الشعر الحر مع العراقيين نازك الملائكة وبدر شاكر السياب.

ويرى الناقد نبيل فرج في كتابه "مملكة الشعراء" أنه إذا كانت حركة الشعر الجديد في مصر قد بدأت في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، إلا أن ميلادها الفعلي لم يأت إلا بحلول عام 1957، عندما صدر الديوان الأول لصلاح عبدالصبور "الناس في بلادي".

وسرعان ما وظّف صلاح عبدالصبور هذا النمط الشعري الجديد في المسرح فبث الروح وبقوة في المسرح الشعري الذي خبا وهجه في العالم العربي منذ وفاة أحمد شوقي عام 1932، وتميز  مشروعه المسرحي بنبرة سياسية ناقدة، وبوعي نجا من السقوط في فخ الانحيازات والانتماءات الحزبية.

وخلال حياته القصيرة آمن صلاح عبدالصبور بمجموعة من القيم التي جعل منها مضمونًا أخلاقيًا وفكريًا في أشعاره، كما كان معارضًا لشعر العامية، حيث يرى أنه لون فني يُبنى بناؤه العظيم على خطأ؛ معتمدًا على لهجة لا ثبات لها، إذ إنها تتغير من جيل إلى جيل.

ومن أبرز الدراسات التي كتبت عن أعماله، ما كتبه الناقد الدكتور عز الدين إسماعيل في كتابه: "الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية" و"الجحيم الأرضي" للناقد الدكتور محمد بدوي، ومن أبرز من درسوا مسرحياته الشعرية الناقد الدكتور وليد منير في: "المسرح الشعري عند صلاح عبدالصبور".

وتركت أعمال عبدالصبور الشعرية والمسرحية أثرًا في أجيال متعددة من الشعراء في مصر والبلدان العربية، خاصة بجيل السبعينيات والثمانينيات في مصر، إلى جانب ما حازت عليه أعماله الشعرية والمسرحية من اهتمام الباحثين والدارسين في الأوساط الادبية، فلم تخل أي دراسة نقدية تتناول الشعر الحر من الإشارة إلى أشعاره ودواوينه.

خاض صلاح عبدالصبور معارك عديدة دفاعًا عن قضية الشعر الحر التي انحاز لها منذ مطلع حياته الأدبية، وكان أول وأهم هذه المعارك معركته مع "العقاد" والتي دارت رحاها على صفحات جريدة "الأهرام" المصرية في بداية الستينيات من القرن العشرين.

وعلى امتداد حياته التي لم تطُل, أصدر عبدالصبور عدة دواوين, من أهمها: "أقول لكم"، عام 1961،  و"أحلام الفارس القديم"، عام 1964، و"تأملات في زمن جريح"، عام 1970, و"شجر الليل" عام 1973, و"الإبحار في الذاكرة"، عام 1977.

أما مسرحياته الشعرية فهي: "مأساة الحلاج" عام 1964, "مسافر ليل" عام 1968, "الأميرة تنتظر" عام 1969, "ليلى والمجنون" عام 1971, و"بعد أن يموت الملك" عام 1975.

كما نُشرت للشاعر كتابات نثرية عديدة منها: "حياتي في الشعر", "أصوات العصر", "رحلة الضمير المصري", و"على مشارف الخمسين".

وبعد حياة قصيرة لكنها حافلة رحل صلاح عبدالصبور في 13 أغسطس من عام 1981 إثر تعرضه إلى نوبة قلبية حادة أودت بحياته، عقب مشاجرة كلامية ساخنة مع الفنان الراحل بهجت عثمان، في منزل صديقه الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، وكان عبدالصبور يزور حجازي في منزله بمناسبة عودة الأخير من باريس ليستقر في القاهرة.



الكلمات الدلالية صلاح عبد الصبور الشعر الحر

اضف تعليق