من فرنسا إلى بريطانيا.. ماكرون يحيي الذكرى الـ"80" لخطاب ديغول


١٩ يونيو ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

في 18 من يونيو، تحتفل فرنسا بذكرى الخطاب الذي ألقاه الجنرال شارل ديغول على أمواج هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، حث فيه الفرنسيين على الصمود ومقاومة الاحتلال النازي لمدينة باريس.

وأمس احتفل ماكرون بالذكرى الـ80 لنداء الجنرال ديغول في 18 يونيو 1940، برفقة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي ورئيس الحكومة إداور فيليب وشخصيات سياسية وعسكرية أخرى.

بسبب الظروف التي فرضها وباء كورونا، جرت المراسم بشكل مختلف، فاقتصرت الاحتفالات على زيارة الرئيس ماكرون لمتحف التحرير بقصر "ليزانفليد" وسط باريس، حيث التقى مع أحد آخر أصدقاء ديغول وهو أوبير جيرمان البالغ من العمر 99 عامًا وهو واحد من آخر 4 مقاتلين قدامى حائزين على وسام التحرير ما زالوا على قيد الحياة.

ووجه ماكرون رسالة إلى أوبير جيرمان، قائلا: "يجدر بنا أن نستلهم هذه القوة الروحية، فشجاعتكم وبسالتكم بالمعنى الروماني للكلمة، مصدر اعتزاز لبلادنا ومصدر إلهام لنا حتى الآن، سنتثبت من أن كل شاب يدرك ما يدين به لك".

وفي أول حفل عسكري منذ بدء تفشي الجائحة، توجه ماكرون إلى "نصب فرنسا المقاتلة" عند تلة فاليريان، الموقع الرئيسي الذي شهد إعدام الكثير من المقاومين والمبعدين خلال الحرب العالمية الثانية، وحلقت طائرات "السهام الحمر"، فرقة الاستعراض الجوي في سلاح الجو الملكي البريطاني، و"دورية فرنسا" للعروض الجوية، فوق تلة فاليريان وتمثال وينستون تشرشل أمام "القصر الصغير" (لو بوتي باليه) في باريس.

"أفضل الخصوم"

تقول صحيفة الجارديان البريطانية، إنه طالما سادت الخصومة بين فرنسا وبريطانيا على مدى قرون وأجيال، ولكن بعد خطاب ديغول، أصبحت الدولتان تعتمدان على بعضهما البعض أكثر من أي وقت مضى.

وإحياء لهذه الذكرى التي ترفع شعار الصداقة الفرنسية البريطانية، توجه ماكرون إلى لندن لتكريم المدينة التي كانت عاصمة فرنسا الحرة خلال الاحتلال النازي

وبرفقة وفد مصغر وصل ماكرون إلى لندن، حيث تعفى الزيارات الدبلوماسية من الحجر الصحي المفروض إلزاما على الزوار الأجانب، ومن ثم التقى الأمير تشارلز.

قال ماكرون في خطاب أمام الأمير تشارلز: "أعطت المملكة المتحدة فرنسا سلاحها الأول، ميكروفون بي بي سي، هذا هو المكان الذي تمكن فيه ديغول من تشكيل الرتب الأولى للجيش الفرنسي الذي سيستمر في القتال، وهذا هو المكان الذي تمكن فيه ديغول من دعوة الشعب الفرنسي للانضمام إلى المقاومة"، مضيفا ""أمتك قادت تحرير العالم".

وتابع:" شارل ديغول كان ضابطا فرنسيا، سلبت حكومة فيشي رتبته العسكرية وممتلكاته وجنسيته، لقد أصبح هذا المتمرد الثائر لا يملك شيئا، ولكنه كان يملك كل شيء، كان الصوت القوي لمصير بلده، وكانت لديه ثقة لا تتزعزع بالنصر النهائي للحلفاء، كمنفي كان يمتلك شيئًا مهمًا وهو الروح الفرنسية، فعندما وصل لندن في 17 يونيو 1940 تلقى مساعدة من تشرشل".

 وأضاف: "لقد قدم تشرشل اللجوء لمن سيعترف به كمبعوث شرعي لفرنسا، وسفير لقيمها، لقد أصبحت الملكية البريطانية حينها ملجأ للجمهورية الفرنسية، وقررت بريطانيا إيواء فرنسا".

 واختتم ماكرون زيارته للندن بلقاء مع رئيس الوزراء بوريس جونسون، ناقش خلاله القضايا المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والإجراءات المتخذة حيال الوباء في دولة الجوار.

وتقول الصحيفة إنه ربما يكون الهدف الأهم للرحلة هو توجيه الانتباه إلى أن فرنسا تطوي صفحة وباء كورونا، وأشارت إلى أن تعامل ماكرون وحكومته مع الوباء كان ملتبسًا، وشهد نقاط ضعف وثغرات.

 وكان أهم الإجراءات التي اتخذها الرئيس الفرنسي، هو إعلان إغلاق البلاد قبل أسبوع من اتخاذ رئيس الوزراء البريطاني إجراء مماثلا.

وترى الصحيفة أن قرار الإغلاق هذا ربما أنقذ حياة الآلاف، ولكن حكومة ماكرون أخفقت في عدد من النقاط الهامة، التي أخفقت فيها أيضا الحكومة البريطانية، حيث تأخرت فرنسا في إجراء فحوص كافية لاكتشاف الفيروس، وتأخرت في توفير معدات حماية كافية للعاملين في المجال الصحي، وتأخرت أيضًا في احتواء تفشي الفيروس في دور رعاية المسنين.

وفيما يتعلق بإجراءات الخروج من الإغلاق العام، قارنت الصحيفة بين فرنسا وبريطانيا، لافتة إلى أن تعامل فرنسا مع الأمر كان أكثر ثقة وأفضل تخطيطا، وأن معدلات الرضا عن ماكرون، كما هو الحال مع جونسون، شهدت تقلبات كبيرة جراء كيفية التعامل مع تفشي الوباء.

وأشارت استطلاعات الرأي إلى أن نسبة الرضا عن ماكرون تبلغ الآن 38 بالمئة، وهي ليست بالنسبة الكارثية ولكنها ليست مثارا للابتهاج أيضا.

وحول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أبلغ بوريس جونسون إيمانويل ماكرون بأنه لا يرى جدوى من إطالة المحادثات بين المملكة المتحدة والاتحاد حول علاقة تجارية مستقبلية في الخريف.

وكان الرئيس الفرنسي قال إن جونسون رحب بالاتفاق الأخير لتكثيف المحادثات حول القضية في يوليو، ومع ذلك، تشير التعليقات التي ترفض فكرة "المفاوضات المطولة" إلى أن جونسون مستعد بشكل متزايد لإنهاء المحادثات بدون اتفاق ويعتقد أن كلا الجانبين سيحتاجان إلى وقت للتحضير لهذا الأمر بدلاً من إجراء تعديلات اللحظة الأخيرة في ديسمبر عندما تنتهي الفترة الانتقالية الحالية .


إرث ديغول

يعتبر كل من جونسون وماكرون معجبين كبيرين بقادة الحرب في دولهم، وماكرون ليس السياسي الوحيد الذي يتبنّى إرث  ديغول، فرئيسة التجمع الوطني "اليمين المتطرف" مارين لوبن التي قاتل حزبها لوقت طويل ديغول تحت شعار الجزائر الفرنسية، زارت جزيرة سان، لإحياء ذكرى النداء.

تعد شخصية ديغو التاريخية من أبرز المعالم السياسية الفرنسية، وتبقى ملاذا تعود إليه الطبقة السياسية الفرنسية أجمع، ولا سيما في ظل الأزمة الحالية التي أعادت طرح مفاهيم السيادة و"الديغولية الاجتماعية".

وكان شارل ديغول أول رئيس للجمهورية الفرنسية الخامسة، عندما تم انتخابه في 21 ديسمبر 1958  ثم أعيد انتخابه عام 1965، قبل أن يتخلى عن السلطة في أبريل 1969 بعد فشل استفتاء دعا إليه حول إصلاحات. وطبعت ولايته الأولى بحرب الجزائر وبتأكيد السيادة الفرنسية على الساحة الدولية.


اضف تعليق