بعد فشل مفاوضات "سد النهضة".. مصر وإثيوبيا في مجلس الأمن رسميًا


٢٠ يونيو ٢٠٢٠

كتبت – سهام عيد

بعد سنوات من التفاوض الدبلوماسي بـ"حسن نية" من الجانب المصري بشأن أزمة "سد النهضة"، والحرص على التوصل إلى اتفاق يحقق مصالح مصر وإثيوبيا والسودان.. كان التعنت الإثيوبي والمضي قدمًا بإجراءات أحادية "سيد المشهد"، لتعلن مصر فشل المفاوضات وتحويلها إلى مجلس الأمن الدولي في خطوة محورية هامة.

جاء إعلان مصر، بتحويل ملف سد النهضة الإثيوبي إلى مجلس الأمن بالأمم المتحدة، ليعكس عجز الطرفين عن الوصول إلى حل للمشكلة المحتدمة منذ سنوات، ويبدأ مرحلة جديدة من التعامل مع الأزمة.


وفي بيان رسمي لوزارة الخارجية، مساء أمس الجمعة، قالت مصر: "إن غياب الإرادة السياسية لإثيوبيا هو سبب تعثر جهود حل أزمة سد النهضة"، مؤكدة أن الإصرار الإثيوبي على المضي قدما في ملء سد النهضة بشكل أحادي ساهم في عرقلة جهود إحراز تقدم.

ودعت القاهرة مجلس الأمن الدولي إلى التدخل لتأكيد مواصلة التفاوض بحسن نية وفق قواعد القانون الدولي، وعدم اتخاذ إجراءات أحادية تأثر على فرص التوصل إلى اتفاق.

كما طالبت مصر مجلس الأمن بتحمل مسؤولياته لتجنب أي توتر وحفظ السلام والأمن الدوليين، مؤكدة الحرص على التوصل إلى اتفاق يحقق مصالح مصر وإثيوبيا والسودان.




موقف مصر نتيجة للمواقف الإثيوبية غير الإيجابية

بدورها، أكدت الخارجية المصرية أن هذا القرار جاء نتيجة للمواقف الإثيوبية غير الإيجابية والتي تأتي في إطار النهج المستمر في هذا الصدد على مدار عقد من المفاوضات المضنية، مرورًا بالعديد من جولات التفاوض الثلاثية، وكذلك المفاوضات التي عقدت في واشنطن برعاية الولايات المتحدة ومشاركة البنك الدولي والتي أسفرت عن التوصل إلى اتفاق يراعي مصالح الدول الثلاث والذي قوبل بالرفض من إثيوبيا، ووصولاً إلى جولة المفاوضات الأخيرة التي دعا إليها مشكوراً السودان الشقيق وبذل خلالها جهوداً مقدرة من أجل التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن يراعي مصالح كافة الأطراف، إلا أن كافة تلك الجهود قد تعثرت بسبب عدم توفر الإرادة السياسية لدى إثيوبيا، وإصرارها على المضي في ملء سد النهضة بشكل أحادي بالمخالفة لاتفاق إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في ٢٣ مارس ٢٠١٥ والذي ينص على ضرورة اتفاق الدول الثلاث على قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ويلزم إثيوبيا بعدم إحداث ضرر جسيم لدولتي المصب.


أسباب تعثر المفاوضات

جاءت هذه التطورات بعد أن أعلنت مصر قبل أيام انتهاء مفاوضات سد النهضة دون الوصول إلى اتفاق بسبب "المواقف الإثيوبية المتعنتة على الجانبين الفني والقانوني".

كما أكدت القاهرة أن أديس أبابا رفضت إبرام اتفاقية ملزمة لمصر والسودان وإثيوبيا، واعترضت على وضع آلية قانونية لحل النزاعات المحتملة.



وقال الدكتور محمد عبدالعاطي وزير الموارد المائية والري: إن مفاوضات سد النهضة التي أجريت على مدار الفترة الماضية لم تحقق تقدما يذكر، وذلك بسبب المواقف الإثيوبية المتعنتة على الجانبين الفني والقانوني، حيث رفضت إثيوبيا خلال مناقشة الجوانب القانونية أن تقوم الدول الثلاث بإبرام إتفاقية ملزمة وفق القانون الدولي، وتمسكت بالتوصل إلى مجرد قواعد إرشادية يمكن لإثيوبيا تعديلها بشكل منفرد.

ولفت وزير الري المصري إلى أن إثيوبيا تسعى للحصول على حق مطلق في إقامة مشروعات في أعالي النيل الأزرق، فضلاً عن رفضها الموافقة على أن يتضمن اتفاق سد النهضة آلية قانونية ملزمة لفض النزاعات، كما اعترضت إثيوبيا على تضمين الاتفاق إجراءات ذات فعالية لمجابهة الجفاف.


كان وزير الخارجية الإثيوبي قد قال في وقت سابق إن بلاده ستمضي في ملء سد النهضة باتفاق أو من دونه.

وبدا أن الدول الثلاث على وشك التوصل إلى "اتفاق شامل" برعاية أمريكية خلال مفاوضات أجريت في واشنطن، إلا أنها تعثرت في اللحظات الأخيرة، حيث رحبت مصر حينها بالاتفاق، لكن إثيوبيا رفضته، بينما تحفظت عليه السودان.

ومن بين النقاط الشائكة في المحادثات، كمية المياه التي ستطلقها إثيوبيا في اتجاه مجرى نهر النيل من السد، خلال فترة جفاف متعددة السنوات، وكيفية حل الدول الثلاث أي نزاعات مستقبلية.

وتحصل مصر على حصة سنوية من مياه نهر النيل تقدر بنحو 55.5 مليار متر مكعب، ويحصل السودان على  18.5 مليار. وتخشى مصر أن يتسبب سد النهضة في التأثير على حصتها من المياه.




ماذا يعني تدخل مجلس الأمن؟

علق سامح شكري، وزير الخارجية المصري، مساء أمس، على نقل قضية سد النهضة إلى مجلس الأمن الدولي، قائلًا: "إن المادة 35 تتيح للأعضاء بحث أمور السلم في المنطقة"، وأن طلب مصر جاء نظرا لتعثر المفاوضات مع الجانب الإثيوبي.

وأضاف شكري، في مداخلة هاتفية مع عمرو أديب عبر برنامج الحكاية، أن تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي التي قال فيها إن بلاده ستبدأ في ملء السد سواء بموافقة أو عدم موافقة مصر غير لائقة، مشيرًا إلى أن مصر لا تسعى إلى أي تصعيد.

كما أكد الوزير خلال مداخلته، أن مصر أكدت مرارا استعدادها للوصول إلى اتفاق بشأن السد، وأنه يجب على مجلس الأمن الآن أن يشجع الدول على الالتزام واحترام قراراته، مشيرًا في الوقت نفسه إلى ضرورة تصعيد الإجراءات من المجتمع ضد الدول التي تخرق تلك القرارات.


قرارات مجلس الأمن "إلزامية أدبية"
 
بدوره، قال أستاذ القانون الدولي، أيمن سلامة، إن خطوة اللجوء إلى مجلس الأمن بلغة ميثاق الأمم المتحدة تندرج تحت الفصل السادس من ميثاق المنظمة الدولية بشأن "حل النزاعات سلميا"، مما يعني أن اختصاصات المجلس في النزاعات التي تعرض عليه بمقتضى هذا الفصل تشمل تقديم "توصية".

وأوضح سلامة أن القرارات الصادر عن المجلس تحت الفصل السادس تتمتع بـ"إلزامية أدبية"، مقارنة بتلك التي تصدر عن المجلس بناءً على الفصل السابع، ذات الطبيعة الإلزامية بما ذلك استخدام القوة، وفقا لموقع "سكاي نيوز عربية".

ويمكن لمجلس الأمن أن يدعو أطراف النزاع إلى تسوية النزاع فيما بينهم بالطرق الدبلوماسية، إذا رأى ضرورة لذلك، حتى لو لم يتفق الأطراف على عرض الاتفاق عليه، بحسب سلامة.

وقال إنه على الرغم من الطبيعية القانونية التي تكتسي النزاع بين مصر والسودان وإثيوبيا، فليس هناك ما يمنع من طرق أبواب مجلس الأمن.

وأشار سلامة إلى أن مجلس الأمن يستطيع أن يباشر صلاحيته في توصية أطراف النزاع باتباع وسائل معينة لتسوية النزاع، وله أيضا أن يمتنع عن ذلك.

ويحوز المجلس سلطة عامة في إجراء التحقيق من تلقاء نفسه، أو بتشكيل لجنة تخضع لتوجيهاته في أي نزاع أو موقف يرى المجلس أنه بحاجة إلى ذلك، طبقا للخبير في القانون الدولي.

الدور الأهم

لكن الدور الأهم الذي يمكن أن يضطلع به المجلس، بحسب سلامة، هو التأكد من ما إذا كان النزاع قد تحول فعلا إلى تهديد حقيقي للسلم أو أن يكون في طريقه إلى إشعال "أعمال عدوانية".

وهذا يعني، وفقا لسلامة، أن يتخذ المجلس الإجراءات الرادعة تطبيقا للفصل السابع من الميثاق، فيستطيع المجلس أن يأمر إثيوبيا مثلا بوقف ملء السد لحين الاتفاق النهائي مع مصر والسودان على القواعد الفنية بملء و تشغيل سد النهضة.

ولفت سلامة إلى أن المادة 36 من ميثاق مجلس الأمن الدولي تخوله في أي مرحلة من مراحل النزاع أن يتدخل ويوصي بما يراه مناسبا من الإجراءات وطرق التسوية، وهو ليس ملزما بالانتظار لفشل الأطراف في التوصل لحل النزاع حتى يشرع في عمله.

وبحسب المادة 38 من ميثاق المجلس، فإنه يستطيع أن يؤدي دورا توفيقيا وشبه تحكيمي، في حال طلب جميع المتنازعين بأن يقدم توصيات بقصد حل النزاع حل سلميا.


اضف تعليق