أيسلندا.. كيف هزمت كورونا وما قصة سياحة الفقاعات؟


٢٧ يونيو ٢٠٢٠

كتبت - ولاء عدلان

في حين يحذر خبراء الصحة في أوروبا من مخاطر الموجة الثانية للفيروس التاجي، تتجه أيسلندا إلى تقديم نفسها كواجهة آمنة لاستقبال السياح يوما بعد يوم، فحتى اللحظة ما زالت الجزيرة الصغيرة تقدم تجربة ناجحة في إدارة الأزمة، محققة أدنى معدل للوفيات بالفيروس في العالم بواقع 10 حالات فقط!

أيسلندا الواقعة شمال الأطلسي يبلغ عدد سكانها نحو 364 ألف نسمة، لكنها لم تسجل إصابات بكورونا سوى 1830 حالة فقط، وتمكنت من إعلان السيطرة على الفيروس في مطلع مايو الماضي، لتعلن عن فتح حدودها في منتصف يونيو الجاري وتبدأ الشركات العاملة في قطاع الضيافة في استقبال حجوزات السياح من الداخل والخارج، تلك الشركات التي كانت أول المتضررين من الجائحة وجدت نفسها أمام نسبة حجوزات تتجاوز الـ100%.

السياحة في أيسلندا ساهمت منذ العام 2010 في إنقاذ الاقتصاد من تداعيات الأزمة المالية العالمية ودفع عجلته بصورة لم تكن متوقعة، إذ باتت الجزيرة الصغيرة مقصدا لأكثر من 2 مليون زائر في العام، وتحولت السياحة إلى مصدر رئيسي للعملة الصعبة يسهم بأكثر من 8% من الناتج القومي، وساهمت في دفع أيسلندا نحو تسجيل واحد من أعلى معدلات النمو الاقتصادي في العالم بمتوسط 7% على مدار عقد كامل.  

سر هزيمتها للفيروس
مرة أخرى نجحت أيسلندا في مواجهة أزمة جديدة يتجاوز تأثيرها الحدود، عندما تعاملت مع "كورونا" بحزم شديد، وانتهجت استراتيجية تقوم على تعميم اختبارات الكشف عن الفيروس، وتكرارها بعد عزل المصابين، لمحاصرة الوباء، فالدولة الأوروبية الصغيرة لم تكتفِ بإجراء الفحص لمن تظهر عليه الأعراض أو غلق الحدود وتطبيق تدابير العزل العام، بل سعت لمسح جميع السكان للكشف عن الإصابات مبكرا، وتطبيق قواعد العزل الصحي على المخالطين والمخالطين المحتملين.

ووضعت حكومة أيسلندا خطة استباقية لمحاصرة الفيروس حتى قبل تسجيل أول إصابة مؤكدة، ففي فبراير الماضي بدأت في تعميم اختبارات الكشف عن كورونا، ووضعت خطة لتتبع المرضى والمخالطين وعزلهم بشكل استباقي أي حتى قبل ظهور الأعراض، وخلال الفترة ما بين ظهور أول إصابة في 28 فبراير الماضي وحتى مطلع مايو تمكنت أيسلندا من عزل نحو 60% من المصابين، وتصدرت دول العالم من حيث نسبة عدد الفحوصات إلى عدد السكان، كما جاءت ضمن الدول الأكثر فاعلية في علاج كورونا، كل ذلك دون أن تلجأ إلى إجراءات إغلاق فوضوية، حتى أنها لم تغلق المدارس طوال هذه المدة فقط اكتفت بإجراءات احترازية مشددة وبتعليق الأنشطة الرياضية.

ومع بداية مايو أعلنت عن رفع جزئي لتدابير كورونا التي فرضتها منتصف مارس الماضي، لتبدأ الحياة الطبيعية تعود إلى شوارعها شيئا فشيئا إلى أن تمكنت من الاحتفال بيومها الوطني في 17 من يونيو الجاري بحشود في شوارعها الرئيسية وبدون كمامات، كما لو كان لا وجود لشبح كورونا.

مجلة "فوربس" صنفت رئيسة وزراء أيسلندا كاترين جاكوبسدوتير ضمن سبع قيادات نسائية حول العالم تمكنت من إدارة أزمة كورونا بنجاح، معتبرة أن القاسم المشترك لهذا النجاح هو اعتماد حكومات دول مثل أيسلندا، وألمانيا، والنرويج، والدنمارك، وتايوان، ونيوزلندا وفنلندا هو القيادة النسائية القائمة على الحقيقة والتكنولوجيا والحسم و"الحب".

أفضل ملاذ في ظل الجائحة
مع فتحها الحدود ومجالها الجوفي في منتصف يونيو، أعلنت أيسلندا عن عدة إجراءات احترازية خاصة بالوافدين إليها، منها الالتزام بارتداء الكمامات أثناء التواجد على متن الطائرات وداخل صالات الوصول والسفر، والخضوع لفحص كورونا قبل مغادرة المطار، وفي حال كانت النتيجة إيجابية تلزم السلطات الشخص المصاب بالحجر الصحي لمدة 14 يوما، أما إذا كانت سلبية فيمكن للزائر الخروج من بوابات المطار والحركة بدون قيود.

يقول الكاتب الفرنسي ليونيل لوران -في تصريحات لـ"بلومبرج"- إذا كانت هناك وجهة قد تصبح بوجه خاص ملاذا مثاليا من كورونا، فهي أيسلندا، بعد أن نالت إشادات عالمية باعتبارها دراسة حالة تتعلق بالفيروس التاجي، ومن المتوقع أن تكون نبراسا للدول التي تحاول تحقيق التوازن بين جذب الزوار وتجنب الموجة الثانية من كورونا.

وأضاف، خطة أيسلندا لفتح الحدود سبقتها خطة لتنشيط قطاع السياحة ودعمه، شملت تقديم إعانات لتعزيز السياحة الخارجية و تعليق سداد ضرائب الفنادق، وإطلاق حملة تسويقية واسعة.

ربما الكثير منا شاهد إعلانات العرض التلفزيوني "لعبة العروش" والبعض تابعه وانبهر بمشاهد الطبيعية الخلابة التي جرى توظيفها في سياق قصة المسلسل، لكن القليل يعرف أن هذه المشاهد جرى تصويرها في أيسلندا، حيث أضواء الشفق القطبي الشمالي وكهوف الححم البركانية والجبال والغابات ذات الطبيعة الساحرة.

عزل داخل "فقاعة"
أحدث العروض الترويجية للسياحة في أيسلندا، تقوم على فكرة إقامة السائح داخل فقاعة زجاجية شفافة في منطقة تتمتع بطبيعة خلابة، ليتمكن بالاستمتاع بمشاهدة السماء والنجوم والطبيعة دون خشية التعرض للإصابة أو ملل الحجر الصحي التقليدي.

يقول مدير مشروع Bubble ومقره في ريكيافيك، روبرت روبرتسون -بحسب تصريحات نقلتها "سي إن إن"- أن الفكرة تقوم على السماح للسائح بقضاء عطلته أو فترة عزله داخل فقاعة زجاجية خاصة به وحده، متواجدة في غابة بالقرب من ريكولت، جنوب أيسلندا.

الفكرة تسمح للزائر بالاستمتاع بمراقبة السماء وأضواء الشفق القطي والنوم تحت النجوم بمعنى الكلمة، بمعزل تام عن باقي الزائرين للوقاية من العدوى، كما يتمكن ساكن هذه الفقاعات بالاستمتاع بأصوات الطبيعة والطيور ومراقبة الفرشات تحت ضوء الشمس.

كما السياحة أحد روافد اقتصاد أيسلندا كما الصيد والتجارة والقطاع المالي، ويبدو أن هذه الجزيرة الأوروبية الصغيرة تصر هذا العام على الخروج من الجائحة بأقل الخسائر المادية والبشرية، ففي الوقت الذي تحرص فيه على تنشيط ودعم قطاع السياحة وإعادة إطلاق الاقتصاد، تتابع عمليات الفحص الواسعة للكشف عن المصابين الجدد، وتحديد مدى انتشار الفيروس، وتتبع الحالات المحتملة وعزلها، مقدمة نموذجا لباقي الدول الراغبة في تجاوز الأزمة ومتفوقة على بلدان بحجم بريطانيا وأمريكا قدمت أسوأ إدارة للأزمة.







اضف تعليق