اتفاق ما بعد بريكست.. هل يتحول الإسترليني لعملة ناشئة؟!


٢٩ يونيو ٢٠٢٠

حسام عيد - محل اقتصادي

جولة جديدة من المفاوضات المكثفة، تستهلها لندن وبروكسل، اليوم الإثنين الموافق 29 يونيو 2020، وتستمر لـ5 أسابيع، من أجل رسم ملامح مستقبل العلاقة بينهما في مرحلة ما بعد بريكست، على أمل تحقيق تقدم وتفادي عدم التوصل لاتفاق مع نهاية المرحلة الانتقالية أواخر العام.

لكن على ما يبدو أن الشكوك حول التوصل لاتفاق ينظم مسار العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي قبل نهاية العام يجعل آفاق المستقبل أكثر ضبابية، وهذا ما أكدته التصريحات الأخيرة للمستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" بقولها، "على لندن تحمل العواقب الاقتصادية لعلاقات أضعف مع الاتحاد الأوروبي بعد بريكست".

فيما بدا سكرتير المفاوضات لـ"بريكست" في المملكة المتحدة "ديفيد فروست"، فقد بدا أقل تفاؤلًا في تصريحاته عندما أشار إلى أنه من غير الواقعي التوصل إلى اتفاق في ظل عدم تغيير مواقف الاتحاد الأوروبي، وهو ما ضغط على العملة البريطانية.

زخم جديد لاتفاق معلق

وبدأت المفاوضات بلقاء جمع في بروكسل بين كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه ونظيره البريطاني ديفيد فروست مفاوض الاتحاد الأوروبي، في أول اجتماع فعلي لهما منذ آذار/مارس.

ومن المقرر أن يعقبه طوال الأسبوع جلسات قصيرة، تجمع فرقًا مصغرة، تتناول المواضيع التي تعتبر الأكثر إشكالية. ثم يجتمع المفاوضون كل أسبوع، بالتناوب بين لندن وبروكسل، حتى نهاية تموز/يوليو.

ومن شأن تكثيف المناقشات للتوصل إلى اتفاق مشترك بين لندن وبروكسل أن يعطي "زخما جديدا" للمفاوضات، بعد أربع جولات عرقلها نفشي فيروس كورونا المستجد ولم يسجل فيها أي تقدم يذكر.

واعتبر رئيس الوزراء بوريس جونسون أنه يمكن التوصل في تموز/ يوليو إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي. ويرى مسؤول بريطاني أنه "كلما أسرعنا بالتوصل إلى اتفاق، كلما كان ذلك أفضل. لا يوجد أي سبب يمنع من تحديد الخطوط الرئيسية لاتفاق سياسي خلال الصيف".

لكن هذا الاحتمال الطموح رفضه بلباقة الأوروبيون، المنشغلين حالياً بوضع خطة انعاش اقتصادي لمرحلة ما بعد فيروس كورونا المستجد، معتبرين أن شهر تشرين الأول/ أكتوبر هو "وقت الحقيقة" الفعلي بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وأعلن بارنييه في مداخلة أمام مركز دراسات السياسة الأوروبية أن "هذا هو الوقت الذي يجب أن نكون مستعدين فيه لتقديم مسودة اتفاق، إذا أردنا التصديق عليها قبل نهاية العام".

وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أعربت عن شكوكها في أن تكون الحكومة البريطانية لديها رغبة جادة في التوصل إلى اتفاق بشأن خروج منظم لها من الاتحاد الأوروبي، مؤكدة على لندن ضرورة تحمل عواقب العلاقات الاقتصادية الأقل تشابكًا.

وترى المستشارة أن البريطانيين مهتمون في المقام الأول برغباتهم الخاصة وليس بما ترغبه بقية دول الاتحاد، مشيرة إلى أنه حين تريد حكومة بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني تعريف علاقتها بالاتحاد الأوروبي فعليها أيضا أن تعيش مع النتائج المترتبة على ذلك التعريف، وهذا يعني أيضا اقتصادًا أقل تشابكا بين بريطانيا ودول الاتحاد.

وشددت ميركل لهجتها بإعلانها أن على بريطانيا تحمل عواقب علاقة اقتصادية أضعف مع الاتحاد الأوروبي بعد خروجها منه، لا سيما أنه لم يطرأ أي تقدم على المفاوضات لتنظيم العلاقة ما بعد "بريكست".

وستستمر المملكة المتحدة، التي غادرت الاتحاد الأوروبي في 31 كانون الثاني/يناير، بتطبيق القواعد الأوروبية حتى 31 كانون الأول/ديسمبر.

وفي حال لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول ذلك الوقت، فستطبق حصراً قواعد منظمة التجارة العالمية، مع الرسوم الجمركية المرتفعة والرقابة الجمركية الشديدة على التبادلات التجارية بين هؤلاء الشركاء. ومن شان ذلك إضعاف الاقتصادات الأوروبية المتضررة أصلا من فيروس كورونا المستجد.

ضبابية الآفاق "كارثية" للإسترليني

لكن الشكوك حول ما إذا كانت بريطانيا ستبرم اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي، دفعت الجنيه الإسترليني إلى الهبوط خلال تعاملات، اليوم الإثنين، الموافق 29 يونيو، ليسجل 91.60 بنس مقابل اليورو بتراجع نسبته 0.7%، ويصل إلى دون المستويات يوم الجمعة عندما لامس أدنى مستوى له مقابل العملة الموحدة منذ 26 مارس.

وقد حول المستثمرون التركيز على الكيفية التي ستدفع بها الحكومة البريطانية برنامج البنية التحتية الضخمة المخطط لها، في حين استمرت المخاطر المرتبطة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الضغط على الجنيه.

وقال رئيس الوزراء بوريس جونسون إنه سيضاعف خطط زيادة الاستثمار العام بعد أن قالت وزيرة الداخلية إن الحكومة ستطرح خطة يوم الثلاثاء لتعزيز الإنفاق على البنية التحتية.

فيما قال مدير استراتيجية العملات فى بنك "لومبارد أودير"، فاسيلوس جكيوناكيس، إن الفشل في التوصل لاتفاق بشأن العلاقة المستقبلية لبريطانيا مع الاتحاد الأوروبي خلال 6 أشهر ستكون "كارثية" للجنيه الإسترليني الذي قد يهبط إلى 1.10 دولار من 1.25 دولار حاليًا، في حين قد يصبح اليورو معادلًا للجنيه من 0.90 يورو للجنيه حاليًا.

ولطالما كان الجنيه الإسترليني جزءًا مما يعرف بمجموعة عملات مجموعة الخمس، بجانب الدولار واليورو والين اليابانى والفرنك السويسري، وهي العملات الأكثر تداولًا في العالم وبالتالي الأكثر أمانًا.

ولكن منذ التصويت على الخروج وتوتر العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، أصبح المستثمرون أقل إقبالا على العملة، كما لم يتعاف الإسترليني إلى مستويات ما قبل التصويت، وفقد خمس قيمته.

مخاوف التحول لعملة ناشئة

بدورهم، قال محللون في "بنك أوف أمريكا"، إن الجنيه الإسترليني أصبح عملة سوق ناشئ في الوقت الحالي، في كل شيء بخلاف الاسم.

ورأى محلل العملات في البنك الأمريكي، كمال شارما، أنه خلال السنوات الأربع بعد أن صوتت بريطانيا على خروجها من الاتحاد الأوروبي، فإن أحوال التداول والتأرجحات الكبيرة في السعر، جعلت الإسترليني أشبه بـ"البيزو" المكسيكي عنه من الدولار الأمريكي.

ووصف تحركات الجنيه، بأنها "غير مستقرة في أفضل الأحوال، وغير قابلة للتوقع في أسوأ الأحوال".

وأشار المحللون في البنك، إلى أن الفرق بين الأسعار التي يريد المستثمرون بيع وشراء الإسترليني بها، لا تزال أكبر من أي عملة رئيسية أخرى رغم استقرار سوق العملات الأوسع بعد الفزع في بداية فيروس كورونا في مارس.

وأوضح بنك أوف أمريكا، أن التقلبات الضمنية، وهي مؤشر على توقعات المستثمرين لنطاق التحركات المستقبلية في الأسعار، لا تزال أعلى في الجنيه الإسترليني من أي نظير رئيسي آخر، وهو ما يسلط الضوء على مدى عدم اليقين المتعلق بآفاق العملة.
 


اضف تعليق