بعد قانون الأمن الوطني.. هل تتحول هونج كونج لساحة حرب باسم الديمقراطية؟


٣٠ يونيو ٢٠٢٠

رؤية - ياسمين قطب 

في خطوة مباغتة.. وقع الرئيس الصيني شي جين بينج، اليوم الثلاثاء قانونا يقر الأمن الوطني في هونج كونج، بعدما وافق عليه البرلمان الصيني بأغلبية، ومنذ اللحظة الأولى للإعلان عنه انقسمت الآراء حوله مابين تصريحات إدانة وشجب، وتصريحات مؤيدة وتنادي بالتريث، واكتظت الشوارع والأسواق التجارية بالمتظاهرين الغاضبين.. فما قصة "هونج كونج مع الصين"؟

"دولة واحدة ونظامان".. بهذه الصيغة استعادت الصين المستعمرة العسكرية الأكبر التي كانت خاضعة تحت الاحتلال الإنجليزي حتى عام 1997، وهي "هونج كونج" والتي تعهدت بموجبها أن تحتفظ "هونج كونج" بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي لمدة 50 عاما بعد استردادها.

يبدو أن الأمور لم تسر وفق الوعود والمواثيق الدولية، ولم تجر على ما يرام في أرض الواقع، فمواطنو هونج كونج لطالما أبدوا اعتراضهم واحتجاجهم على السلطة الصينية والقمع في أرضهم، وأكبر تلك التظاهرات خرجت العام الماضي، وأدت إلى الكثير من الأعمال التخريبية والشغب.

وفي الوقت ذاته لم تنقطع العلاقات التجارية ولا تصدير واستيراد الأسلحة بين هونج كونج والولايات المتحدة، كما هو الحال مع الصين، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الحكومة الصينية، واعتبرت توغل واشنطن بالأموال والتجارة في "هونج كونج" تعدي على سيادتها، وأدانت بشدة أعمال الشجب والعنف والتخريب في هونج كونج، وتوعدت بإصدار قانون رادع يضرب بيد من حديد للتصدي لتلك الاعتداءات.

واستمرت الأمور في التصاعد، وعقدت الجلسات البرلمانية الواحدة تلو الأخرى، حتى حسمت جلسة صباح اليوم الثلاثاء الأمر، وأقرت تشريع قانون أمن وطني في هونج كونج.

وبعد ساعات من إقرار القانون، أعلن الناشط جوشوا وونغ، في هونج كونج، وزملاؤه المشاركون في جماعة "ديموسستو" المؤيدة للديمقراطية، انسحابهم من الجماعة.

وقال وونغ -في إعلان انسحابه عبر تويتر- "إذا لم يُسمع صوتي قريبًا، آمل أن يواصل المجتمع الدولي التحدث باسم هونج كونج وأن يكثف الجهود الملموسة للدفاع عن آخر جزء من حريتنا"، وفقًا لما ذكرته وكالة "الأنباء الألمانية".

وأضاف الناشط (23 عامًا) أنه لن يغادر هونج كونج بعد صدور القانون، الذي من المتوقع أن يدخل حيز التنفيذ في أول يوليو المقبل.



إدانات خارجية:

اليابان: قال مسؤولون كبار في الحكومة اليابانية، اليوم الثلاثاء، إن إقرار الصين تشريعًا للأمن القومي لهونج كونج "أمر مؤسف" ويقوض مصداقية صيغة "دولة واحدة ونظامان".

وقال كبير أمناء مجلس الوزراء يوشيهيدي سوجا، في مؤتمر صحفي: "سنواصل العمل مع الدول المعنية للتعامل مع هذه القضية بشكل مناسب".

وفي وقت لاحق، قال وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي للصحفيين، إنه يشارك المجتمع الدولي وشعب هونج كونج "القلق العميق" بشأن التشريع.

وقال سوجا: إن "اليابان ستظل على اتصال وثيق مع الولايات المتحدة والصين"، مشيرًا إلى أن استقرار العلاقات بين القوتين العالميتين أمر حيوي للأمن الإقليمي والعالمي.

تايوان: قالت الرئيسة التايوانية تساي إينج وين، اليوم الثلاثاء، إن "نموذج دولة واحدة ونظامان الذي تم فرضه في هونج كونج أثبت فشله، لأن بكين خرقت تعهداتها بالحفاظ على درجة كبيرة من الحكم الذاتي لمدة 50 عامًا بعد تسلمها هونج كونج من الحكم البريطاني عام 1997".

وأضافت للصحفيين "من المخيب للآمال للغاية أن الصين تخفق في الحفاظ على وعودها، نموذج دولة واحدة ونظامان ليس ناجحًا".

وقالت تساي إنها تأمل أن يستمر مواطنو هونج كونج في النضال من أجل القيم التي يحترمونها، بما في ذلك الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأشارت إلى أن تايوان وضعت خطة عمل لتقديم المساعدة الإنسانية، موضحة أن مكتب الخدمات والتبادل بين هونج كونج وتايوان سوف يبدأ العمل غداً الأربعاء لتسهيل المساعدات الإنسانية بصورة أكبر.





ليست سيئة

في الوقت الذي أبدى فيه الجميع تخوفهم ورفضهم لمشروع القانون، تظهر بعض الأصوات من داخل هونج كونج تطالب بالتريث لحين معرفة تفاصيل القانون، وأن الوضع ليس بهذا السوء، ومن أبرز هؤلاء هو تام يو تشونج، المندوب الوحيد لهونج كونج في اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني.

وأكد تشونج، أن القانون يستهدف أعمال الانفصال والتخريب والإرهاب والتدخل الأجنبي في هونج كونج، ووصفه بأنه ليس "لاذعا للغاية"، ويعتقد أن الناس لن يشعروا بالقلق بعد أن يروا التفاصيل.

ولم تُنشر بعد مسودة للقانون. وتقول بكين: إن القانون، الذي يعد ردا على احتجاجات مطالبة بالديمقراطية خرجت في هونج كونج العام الماضي وتحول بعضها للعنف، يهدف إلى مواجهة التخريب والإرهاب والنزعة الانفصالية والتواطؤ مع القوى الأجنبية.


معركة صينية أمريكية جديدة

باعتبار هونج كونج تتمتع بمزايا استقلالية أكثر عن الصين، فلم تقطع الولايات المتحدة العلاقات التجارية وصادرات الأسلحة معها، إلا أن أمس الإثنين وقبل إعلان بكين قانون الأمن الوطني في هونج كونج بيوم، أعلن وزير الخارجية الأمريكية،  مايك بومبيو  أن الولايات المتحدة أنهت صادراتها الدفاعية إلى هونج كونج، وتدرس فرض قيود أخرى على التجارة معها.

وقال بومبيو: "قرار الحزب الشيوعي الصيني بانتزاع حريات هونغ كونغ أجبر إدارة ترامب على إعادة تقييم سياساتها تجاه المدينة".

وأضاف، إن الولايات المتحدة ستنهي اعتبارا من أمس الإثنين صادراتها من المعدات الدفاعية لهونج كونج وستتخذ كذلك خطوات لوقف صادرات التكنولوجيا التي يمكن استخدامها في كل من الأغراض التجارية والعسكرية.

وقال بومبيو: "الولايات المتحدة مضطرة لاتخاذ هذا الإجراء لحماية الأمن القومي الأمريكي، لم يعد بوسعنا التمييز بين تصدير مواد خاضعة للرقابة إلى هونج كونج أو إلى الصين".

وفي المقابل أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية "إن بكين ستفرض قيودا على التأشيرات بالنسبة للأفراد الأمريكيين ممن يبدر عنهم "سلوك شائن" فيما يتعلق بهونج كونج.

واتهم المتحدث باسم الخارجية تشاو لي جيان، الولايات المتحدة بمحاولة الحيلولة دون تبني حكومة بكين تشريع الأمن القومي لهونج كونج، من خلال فرض عقوبات على مسؤولين صينيين، مشددا على أن هذه السياسة لن تنجح.

وتابع: "ردا على ذلك، قررت الصين فرض قيود على منح التأشيرات إلى مواطنين أمريكيين يمارسون سلوكا فاضحا في المسائل المتعلقة بهونغ كونغ".

ولم يكشف المتحدث عن أسماء هولاء المشمولين بالعقوبات الصينية الجديدة.

وحث الدبلوماسي الصيني الولايات المتحدة على الكف عن التدخل في شؤون هونج كونج، محذرا من أن بكين ستتخذ "إجراءات رد قوية" إذا استمرت واشنطن في اتباع هذا النهج.

وأعرب تشاو عن نية بكين رفع دعوى قضائية ضد مشروع القانون الذي صدق عليه الأسبوع الماضي مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو يقضي بفرض عقوبات على الأفراد والشركات المتورطين في دعم جهود الحد من حقوق سكان هونج كونج.



ورغم أن الصين لم تعلن بعد مسودة القانون رسميا، إلا أن مناقشاته كانت تدور حول بعض الأمور مثل أن قانون الأمن الوطني من شأنه أن يجرم أي عمل من أعمال الانفصال والتخريب للحكومة المركزية والإرهاب والتواطؤ مع القوى الأجنبية أو الخارجية.

وأن مكتب الأمن القومي الجديد في هونج كونج سيتعامل هو مع قضايا الأمن القومي، وسيكون له أيضًا سلطات أخرى مثل الإشراف على التعليم حول الأمن القومي في مدارس هونج كونج.

وسيطلب من حكومة هونج كونج تنفيذ معظم الإنفاذ بموجب القانون الجديد، لكن بكين ستكون قادرة على تجاوز سلطات هونج كونج في بعض الحالات.

فهل يطوي القانون وقت الإفصاح عن تفاصيله صفحة شغب واحتجاج في "هونج كونج".. أم يوسع مجال الصراعات الخارجية لتضم بريطانيا ودولا أخرى بجوار أمريكا؟ وتتحول "هونج كونج" إلى ساحة حرب باسم الديمقراطية؟


اضف تعليق