صفقة التبادل بين إسرائيل وحماس.. فرصة نادرة وتخوف من سيناريو "شاليط"


٣٠ يونيو ٢٠٢٠

كتب - د. محمد عبدالدايم

رغم الالتزام النسبي بالتهدئة بين إسرائيل وحماس؛ فإن بيني جانتس وزير الدفاع الإسرائيلي لا ينفك يطلق تهديداته ضد حماس، وآخرها هذا الأسبوع، حيث قال -في خطاب مسجل له- إن حماس "ستدفع ثمنًا باهظًا إذا فكرت في اختبار إسرائيل".

تصريحات جانتس التهديدية ليست جديدة، بل إنه مستمر في إطلاقها منذ العام الماضي كأحد أدوات الدعاية الشخصية له قبيل الانتخابات، والآن يستمر في تهديد حماس بعد الإعلان عن تجارب جديدة لإطلاق صواريخ في البحر المتوسط. 

القيادتان الأمنية والسياسية في إسرائيل تخشيان من أن يطلق الضم شرارة انهيار التهدئة، مع تأكيد حماس وحركة الجهاد على رفضهما للتحرك الإسرائيلي لضم أجزاء من الضفة الغربية، واستعدادهما لإطلاق نفير التحركات العسكرية.

في خضم هذا القلق سلطت وسائل الإعلام الضوء على المحادثات المشتركة بين الطرفين، إسرائيل وحماس، في مسألة صفقة جديدة لتبادل الأسرى، وكان يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس قد أعلن سابقًا في إبريل الماضي عن مبادرة لتبادل الأسرى، من أجل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين من كبار السن والنساء والمرضى.

جراء تفشي وباء الكورونا، وتهديد حياة الأسرى الفلسطينيين بالسجون الإسرائيلية؛ أطلق السنوار مبادرته، التي تلقتها إسرائيل بجدية، بل وبترحيب مضمر، على أمل أن تسترجع جنودها الأسرى في غزة.


أوراق حماس

في عام 2016 أعلنت كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، أنها تتحفظ على أربعة إسرائيليين، هم أورون شاءول، وهدار جولدين، وأفيرا مانجيستو، وهشام السيد شعبان، هذه الأسماء الأربعة، خصوصا الثنائي العسكري أورون وهدار، هي الأوراق التي تملكها حركة حماس، وتضغط بها لإتمام صفقة تبادل "كبيرة".

أورون شاءول كان جنديا بالجيش الإسرائيلي قُتل في يوليو 2014 خلال مجزرة الشجاعية التي ارتكبتها إسرائيل أثناء حربها على غزة المعروفة باسم الرصاص المصبوب، وفي مقابل موت أورون؛ استُشهد 74 فلسطينيًا، بينهم نحو 17 طفلا و14 امرأة.

أعلنت إسرائيل أورون من "شهداء الجيش" وحددت مكان دفنه بغير المعروف، حتى أعلنت حماس أنها تملك رفاته، وتزايدت الضغوط على الحكومة الإسرائيلية لإرجاع الرفات لعائلته.

هدار جولدين كان أحد المشاركين ضمن لواء جفعاتي في عملية الجرف الصامد، وفي الأول من أغسطس 2014 شنت قوة تابعة للواء هجومًا على منطقة رفح رغم اتفاق الهدنة، وقُتل في العملية من الجانب الإسرائيلي ثلاثة، منهم الملازم هدار جولدين.

في حينه نقلت تقارير، أن حماس استطاعت أسر جولدين قبل أن يلقى حتفه، وكان السبب في مقتله بروتوكول "هانيبال" وهو توجيه عسكري اعتمده الجيش الإسرائيلي باستخدام القوات للأسلحة الثقيلة عند مطاردة أي قوة معادية تقدم على أسر أحد الجنود، وذلك بهدف منع الآسرين من مغادرة موقع الحدث.

جدير بالذكر أن هذا رئيس الأركان السابق جادي أيزنكوط قد قرر إلغاء هذا البروتوكول العسكري في يونيو 2016.

أفيرا مانجيستو، شاب إسرائيلي يعاني اضطرابا نفسيًا، اختفى في سبتمبر 2014، بعد عبوره السياج الأمني المحيط بقطاع غزة عند منطقة شاطئ زيكيم بشمال القطاع.

هشام شعبان السيد من بلدة الحورة بالنقب، يقال إنه يعاني انفصامًا بالشخصية، واختفى بعد تسلله لقطاع غزة في إبريل 2015، ولم تكن المرة الأولى التي يتسلل فيها للقطاع، ولكن بعد تلك المرة اختفى، وبالطبع لا يلقى اختفاؤه متابعة تماثل الآخرين، لأنه من فلسطيني الداخل، فيما تُسلط الأضواء على هدار أكثر باعتباره كان ملازمًا بالجيش، إضافة إلى التحركات المستمرة لعائلته بالضغط على الحكومة والمسئولين.



أوراق إسرائيل

تعتقل إسرائيل أعدادًا كبيرة من الأسرى الفلسطينيين، وكثير منهم قابع بالسجون من سنوات طويلة، وفي ظل تفشي وباء الكورونا، وقبله سوء الأوضاع التي يعيش فيها الأسرى الفلسطينيين بالسجون، فإن إسرائيل هي الأخرى تملك أوراقًا للضغط.

ليس الأمر مقتصرًا على الأسرى منذ وقت كبير، بل إن إسرائيل أعادت اعتقال العشرات من الأسرى المحررين في إطار صفقة التبادل السابقة، المعروفة إسرائيليا بـ"صفقة جلعاد شاليط"، وفلسطينيا بـ"صفقة وفاء الأحرار"، وهي صفقة التبادل التي تمت في 18 أكتوبر 2011 برعاية مصرية، واستفادت حماس بإطلاق سراح 1027 أسيرًا، على مرحلتين، في أكتوبر، ثم في ديسمبر 2011.


إضافة للأسرى القدماء، والمعاد أسرهم، وجه وزير الدفاع بيني جانتس أوامر لقيادات الجيش الإسرائيلي بالبدء في البحث عن بقايا جثامين فلسطينيين أسرهم الجيش منذ سنوات، ولا تُعرف هوياتهم، أو يُستدل بدقة على مواضع دفنهم.

يبحث جانتس بشكل مكثف عن أوراق إضافية يمكنه أن يتفاوض بها مع حماس، ويمكن أن يكون رفات الشهداء معضدًا له، بجانب مئات الأسرى الذين تسعى حماس لإطلاق سراحهم، وفي السابق أقرت إسرائيل في 2017 بأنها فقدت جثامين شهداء فلسطينيين، نفذوا عمليات قبل أن يُدفنوا.

ضغوط على حماس

بينما تملك حماس ورقة الأسرى الإسرائيليين، لكنها في المقابل تبذل جهدًا كبيرا من أجل إخفائهم، للاستفادة بهم في أية صفقة وشيكة، ويكلفها هذا الجهد كثيرا من التخطيط والاحتياطات الأمنية، والأموال، إضافة إلى كلفة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، على بيوت الفلسطينيين بغزة والمؤسسات التابعة لحماس، وما ينتج عنه من تخريب مستمر، وتدمير للبنى التحتية، ومزيد من الإنهاك للقطاع المحاصر، ناهيك عن الضغوط الخارجية.


كذلك تسعى حماس لتحسين صورتها مرة أخرى، أمام أهالي الأسرى، والفلسطينيين عمومًا، والقيادة السياسية المصرية كذلك، مثلما استفادت من إتمامها صفقة جلعاد شاليط.

ضغوط على إسرائيل

من المعروف أن فقدان الرفات، أو أسر أي جندي إسرائيلي يسبب مشكلة كبيرة لدى الجانب الإسرائيلي، وهذا يرجع لأسباب أيديولوجية في اليهودية، وأسباب سياسية بالطبع، فالجزء الأكبر من نجاح السياسي في إسرائيل يرتبط بنشاطه العسكري، ومدى تحقيقه لأهداف إسرائيل دون خسائر جنوده أو مواطنيه.

حتى الآن نجح نتنياهو في عبور كير من المناطق الشائكة التي كانت تقف أمام ولايته الخامسة، تهرب كثيرًا من الملاحقات القضائية، تخلص من أغلب خصومه السياسيين، وتركهم يترنحون، استقطب الدعم الأمريكي الأكبر في تاريخ إسرائيل، تحت إدارة ترامب، وحقق نجاحات كبيرة في مشروعه "السلام الاقتصادي"، ويتحرك بأقصى سرعته لإعلان الضم، لكن تتبقى إشكالية أسراه لدى حماس غصة في حلقه، وورقة ضغط عليه.

الأمر نفسه بالنسبة لرئيس الوزراء المناوب، وزير الدفاع بيني جانتس، الذي على ما يبدو أصبح ورقة محروقة، بعد أن أجهزت عليه رعونته السياسية، وارتضائه أن يكون ظلا لنتنياهو، فوصلت قوة حزبه السياسية وفقًا لآخر استطلاعات الراي إلى 9 مقاعد بالكنيست، بعد أن تحصل تكتله على 33 مقعدًا في انتخابات مارس الماضي، في مقابل ارتفاع عدد مقاعد حزب هاليكود إلى 38 مقعدًا.

أصبح الجميع في إسرائيل على يقين بأن الانتخابات الرابعة ربما تكون في أقرب وقت ممكن، بعد الخلافات الكبيرة بين نتنياهو وجانتس حول آلية الضم وموعده، أو حول الميزانية العامة، مع تزايد الضجر الشعبي بسبب ارتفاع نسبة البطالة، وانخفاض معدلات الاقتصاد في ظل وباء الكورونا.

يسعى جانتس لإعادة تشكيل وجوده السياسي، كوزير دفاع يسترجع أسرى جيشه، بعد أن كان يتباهى بقيادته لأركانه خلال عملية الجرف الصامد، والآن يواجه مصيرًا مظلمًا بأسرع ما كان يتوقع، فربما يندحر سياسيًا بعد أقل من عام على وصوله إلى منصب وزير الدفاع، بل وربما تتبخر أحلامه في الوصول لرئاسة الوزراء، إذا ما دفه هاليكود إلى حل الحكومة وتجاهل اتفاق الائتلاف مع جانتس.

اجتمع جانتس مؤخرًا هذا الأسبوع مع عائلة الجندي الأسير لدى حماس هدار جولدين، وأعلن عن التزامه بإعادة الجنود الأسرى المعتقلين لدى حماس في غزة، فيما وجهت عائلة الجندي انتقادات كبيرة لطريقة إدارة الحكومة الإسرائيلية لملف الجنود الأسرى، ففي تصريحات للتلفزيون الإسرائيلي قال والدا الجندي وأخوه إنهم أدركوا "أن سلوك الدولة يشير إلى عدم العمل على إعادة الجنود من ساحة المعركة"، وقد حذرت العائلة من أنها ستغير طرق ضغطها على الدولة، ومسارات تحركها لاستعادة ابنها هدار.

تمثل تحركات عائلة هدار صداعًا مستمرًا في رأس المسئولين عن ملف إعادة الأسرى، سواء كان رئيس الوزراء، أو وزير الدفاع، أو منسق شئون الأسرى والمفقودين يارون بلوم الذي يبدو أنه يفتقد التأثير السياسي، والقوة الدافعة لمنصبه، خصوصًا وأن مسألة المفقودين قد تراجعت كثيرا عن صدارة المشهد السياسي والإعلامي بسبب الصراع الانتخابي في إسرائيل على مدى عام كامل.
تقدم في المفاوضات
تناولت مصادر إعلامية نقلاً عن مسئولين سياسيين خبر التقدم "الكبير" في المفاوضات بين الطرفين، إسرائيل وحماس، من أجل الاتفاق على الشكل النهائي لصفقة التبادل، من خلال عدد من الوسطاء، على رأسهم مصر ودول أوربية.

يبدو أن العمل على بلورة الخطوط العريضة للصفقة بدأ في إبريل الماضي، وتجري إزالة نقاط التشابك بين الطرفين، اللذين يقيمان مقدار ما سيدفعه كل طرف ليسترجع أسراه، ففي إسرائيل سببت بنود صفقة شاليط جدلا كبيرًا، حيث اعترض كثيرون على الثمن الذي دفعته من أجل استعادة جندي واحد، حيث وافقت على الإفراج عن 1027 أسيرة وأسيرًا فلسطينيا، وتصاعدت الأصوات التي تطالب بعدم الموافقة على إخراج أي أسير متهم بالقيام بعمليات ضد إسرائيل.

كثير من الأصوات المطالبة بعدم إتمام الصفقة تبرر رفضها بأن إسرائيل ليس عليها أن تفرج عن المئات من الفلسطينيين، في مقابل استرجاع رفات اثنين من جنودها ومدنيين فحسب.

في وقت سابق كان المسئولون عن ملف الأسرى والمفقودين يتحدثون عن بنود صفقة التبادل، بأن تُقدم إسرائيل مساعدات إنسانية لقطاع غزة، بإعادة الإعمار، وتقديم تسهيلات لسكان القطاع، دون الانجرار لدفع مقابل كبير على غرار صفقة شاليط، يتمثل في الإفراج عن مئات الفلسطينيين، خصوصًا أن الجنديين أورون وهدار ليسا على قيد الحياة، وإنما رفات.

هذه المرة لا ترغب إسرائيل بأن تفرج عن كثير من الأسرى، بل تقدم ورقة رفات الفلسطينيين الشهداء على مائدة المفاوضات، في المرحلة الأولى من الصفقة، إلى جانب الإفراج عن مجموعة من النساء والمرضى.

لكن في الوقت نفسه، تبدو الحكومة الإسرائيلية مؤخرا متجاوبة أكثر مع إتمام الصفقة، لأنها مبادرة من حركة حماس وقائدها يحيى السنوار، بسبب وباء كورونا وربما تكاسل إسرائيل عن انتهاز هذه الفرصة النادرة يعرضها للفشل.



 


اضف تعليق