مقتل "مطرب الأورومو المناضل".. جريمة قد تغير المشهد الإثيوبي


٠١ يوليه ٢٠٢٠

كتب - حسام عيد

احتجاجات وانفجارات إثيوبية بعد مقتل مغن شهير.. "هاشالو هونديسا" 34 عامًا اشتهر بأغانيه الثورية، التي تحولت لأناشيد قادت الاحتجاجات في 2018، لتنتفض العاصمة ومحيطها ومدن عرقية الأورومو احتجاجًا على مقتله وتنديدًا بتهميش الجماعة العرقية، تلاها انفجارات تسببت في مقتل 10 وإصابة نحو 80 آخرين.

كما دفعت الاحتجاجات المتصاعدة، السلطات لقطع خدمات الإنترنت، بينما قدم رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، تعازيه في وفاة "هاشالو"، واصفًا إياه بـ"ملهم الشباب"، لكنه في الوقت نفسه، طالب شعبه بضبط النفس.

مقتل "هاشالو هونديسا" المطرب المناضل ورمز الأورومو، كما عُرف ولُقب بين بني قوميته، تسبب في صدمة داخل أوساط الأورومو وهي أكبر جماعة عرقية في إثيوبيا، والتي عانت طويلًا من التهميش حتى عُين آبي رئيسًا للوزراء، بعد مظاهرات عارمة دفعت الائتلاف الحاكم لتعيينه.

فلماذا تصارع قومية الأورومو رئيس الوزاء الإثيوبي؟، وهل سيؤدي الغضب والاحتجاجات المتصاعدة في مدن إثيوبية عدة إلى تغيير مسار "آبي" الرجل الحائز على جائزة نوبل للسلام، رغم تمديد البرلمان ولايته لعام إضافي آخر كرئيس وزراء للبلاد، بعدما تأجلت الانتخابات التي كانت مُقررة في أغسطس؟.. هذا ما سيكشفه المشهد العام خلال الفترة المقبلة.

إثيوبيا تشتعل بعد مقتل المطرب المناضل

عاشت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، على وقع اضطرابات واسعة، خلال اليومين الأخيرين، عقب مقتل المغني الإثيوبي، هاشالو هونديسا، بعد مسار فني دافع فيه عن قضايا مجتمعه وانتمائه القومي.

وانتهت حياة هونديسا، برصاصة مفاجئة، في ضواحي العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، فيما اتهم أنصار الفنان السلطات بالتقصير في حماية حياته، ومضى إلى أبعد من ذلك، فقالوا إن الأمر يتعلق بجريمة سياسية.

وأثارت الجريمة فضول كثيرين، وسط سعي إلى فهم سيرة المغني الذي خلف رحيله هذه الدرجة من الاضطرابات والاحتجاج في الشارع الإثيوبي.

ولد هاشالو في سنة 1985، في منطقة أروميا التي تحتضن قومية "الأورومو"، وهذا الانتماء الإثني قد يكون عنصرًا مساعدًا على فهم التوتر، نظرًا إلى تشابك القوميات والإثنيات في البلد الواقع شرقي أفريقيا.

وينشط التنظيم المعروف بـ"هيئة تحرير أورومو" منذ عقود ضد الحكومات المتعاقبة في البلاد، لأجل نيل "حق تقرير المصير".

وفي سنة 2003، أي حينما كان المغني الراحل في السابعة عشرة من عمره، تعرض للاعتقال وتمت إدانته بخمس سنوات من الحبس عقب مشاركته في مظاهرات.

وقضى هونديسا خمس سنوات في السجن، لكنه لم يوقف نشاطه السياسي، بل خرج من السجن وقد كتب أغلب الأغاني التي ضمها ألبومه الأول.

واستطاع هونديسا الذي يغني عددًا من مواضيع السياسة، أن يحقق نجاحًا بارزًا، وفي سنة 2013، قام بجولة في الولايات المتحدة وطرح ألبومه الغنائي الثاني.

وتركزت أغاني هونديسا على ما يصفه بـ"الصمود" ضد السلطات، فضلًا عن مقاومة ما يعتبره "قمعًا"، وارتبطت أعماله الفنية بشكل وثيق مع الحركة الاحتجاجية التي اندلعت في البلاد خلال 2015 و2016.

وفي سنة 2017، أحيا هونديسا حفلًا فنيًا حاشدًا في العاصمة أديس أبابا بغرض جمع تبرعات مالية لنازحين من قومية الأورومو اضطروا إلى ترك العاصمة أديس أبابا عقب توترات إثنية.

وعقب إصابة هونديسا بالرصاص في 29 يونيو 2020 وهو يقود سيارته في أديس أبابا، تم نقله إلى المستشفى، لكنه سرعان ما فارق الحياة، فيما تجمع الآلاف من أنصاره خارج المستشفى.

وأسفرت الاحتجاجات الغاضبة في إثيوبيا، بعد مقتل هونديسا، عن وقوع العشرات من القتلى والجرحى، كما عاد النقاش مجددًا إلى الواجهة بشأن "التحديات الإثنية" في إثيوبيا، رغم التغيير السياسي الذي شهده البلاد، على اعتبار أن رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، نفسه ينتمي أيضا إلى قومية الأورومو.

ودان رئيس الوزراء الإثيوبي، جريمة قتل هونديسا واصفا إياها بـ"الفعل الشرير"، واتهم من وصفهم بالأعداء بمحاولة زعزعة استقرار البلاد والنيل من السلام الذي حقتته.

انقسامات بقاعدة "آبي" بين أبناء عرقه

وتشهد إثيوبيا منذ الإثنين الماضي اضطرابات دامية تسلط الضوء على الانقسامات المتنامية في قاعدة "آبي" وسط أبناء عرق الأورومو، حيث يزداد تحدي النشطاء العرقيين للحكومة بعد أن كانوا حلفاء لها.

ويسلط ما يحدث في إثيوبيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة وتتكون من تسعة مناطق عرقية ذات حكم ذاتي، الأضواء على القوميات المتعددة التي تنتشر في البلاد، ونستعرض أبرزها على النحو التالي:

- قومية الأورومو؛ تعيش قبائل الأورومو في أوروميا بوسط إثيوبيا، ويشكلون نحو 34.5% من عدد السكان، ويتحدثون اللغة الأورومية، ويعملون بالزراعة والرعي، ويعتنق أغلبهم الدين الإسلامي.

- قومية الأمهرة؛ يعيش الأمهريون شمالي إثيوبيا، ويشكلون نحو 26.9% من عدد السكان، ويتحدثون اللغة الأمهرية، ويعتنق أغلبهم الدين المسيحي.

- قومية التيغراي؛ يعيش أغلب قبائل التيغراي شمالي البلاد، ويشكلون نحو 6.1% من عدد السكان، ويعتنق أغلبهم الدين المسيحي.

- الصوماليون؛ يعيش الصوماليون في منطقة أوغادين في شرق البلاد، ويشكلون نحو 6.2% من عدد السكان، ويعتنق أغلبهم الدين الإسلامي.

أسباب الصراع والاحتجاجات

اعتادت عرقية الأورومو الشكوى من الاضطهاد الحكومي ضدها لعقود، وقادت احتجاجات مناهضة للحكومة السابقة على مدار ثلاث سنوات حتى إسقاطها.

وكانت مظاهرات اندلعت عام 2016 لزيادة الضغط على الحكومة، فلجأ الائتلاف الحاكم في نهاية المطاف إلى تعييبن أبي رئيسا للوزراء عام 2018 بدلا من هايلي مريام ديسالين.

لكن احتجاجات الأورومو عادت من جديد، ليتكرر حديثهم عن التهميش.

وعلى مدار الثلاث سنوات السابقة، قادت قومية الأورومو احتجاجات مناهضة للحكومة، بسبب نزاع حول ملكية بعض الأراضي، واتسعت رقعة المظاهرات لتشمل المطالبة بالحقوق السياسية وحقوق الإنسان، وأدت لمقتل المئات واعتقال الآلاف.

والأسبوع الماضي، انتقد المغني الشهير هاشالو هونديسا (34 عاما) القيادة الإثيوبية في مقابلة مع شبكة إعلامية المملوكة لقطب الإعلام الإثيوبي جوهر محمد الذي أصبح بدوره منتقدا قويا لأبي بعد أن كان من أقوى أنصاره.

وفي حوالي الساعة التاسعة والنصف مساء يوم الإثنين الموافق 29 يونيو الماضي، قُتل هونديسا بالرصاص. لتشتعل بعدها على الفور احتجاجات دامية في عدة مدن للأورومو، كما هزت العاصمة أديس أبابا ثلاثة انفجارات، مما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى، كما اعتقلت الشرطة جوهر، وزعيم حزب سياسي معارض ينتمي لقومية الأورومو.

ويتشارك كل من رئيس الوزراء وجوهر والمغني القتيل إلى عرق الأورومو. ويقول المحللون إن وصول آبي للسلطة لم ينصف عرقيته المهمشة لعقود.

وختامًا، الشكل الظاهر لإصلاحات أبي لا تعكس التفاعلات الحقيقية الموجودة على الأرض. فـ"آبي" يحاول استبدال سيطرة الأورومو بالتيغراي.

ولعل هذه النظرية تفسر محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت العام الماضي، وأسفرت عن مقتل رئيس أركان الجيش سيري مكونن وهو من عرقية التيغراي، على يد الجنرال أسامنيو تسيجي رئيس جهاز الأمن في ولاية أمهرة.

قد نرى في الفترة المقبلة تغيرًا في المشهد السياسي الإثيوبي، قادمًا بالأساس من قاعدة ارتكز عليها "آبي أحمد" في السابق حينما صعد إلى الحكم، فهل سيتسبب مقتل المطرب المناضل الأورومي، الانقلاب عليه من قوميته الأبرز تأثيرًا؟!.


اضف تعليق