ألمانيا تستوعب مخاطر اليمين المتطرف وتعيد هيكلة قواتها الخاصة


٠٢ يوليه ٢٠٢٠

رؤية ـ جاسم محمد

تعيش ألمانيا اليوم جملة تحديات، منها مخاطر اليمين المتطرف، التي لا تقل أهمية عن مخاطر التنظيميات الإسلاموية المتطرفة، تأتي هذه المخاطر، بالتزامن مع تحديات تشهدها ألمانيا والاتحاد الأوروبي، وتمثل مخاطر داخلية وخارجية تهدد أمنها القومي.

وأعلنت وزارة الدفاع الألمانية مطلع شهر يوليو الجاري، سعيها إلى إعادة هيكلة تلك القوات وحل بعض الأقسام فيها، في خطوة رحبت بها أحزاب معارضة لكنها اعتبرتها  متأخرة، بسبب تزايد عمليات التيارات اليمينية، الشعبوية داخل ألمانيا.

واتخذت وزيرة الدفاع كرامب- كارينباور قرارا جديدا وحاسما بأنه سيتم حل الفوج الثاني من القوات الخاصة، والذي يُعتبر نقطة انطلاق أنشطة اليمين المتطرف في تلك القوات، وبذلك ستصبح القوات الخاصة في الجيش الألماني مكونة من ثلاثة أفواج.  

وقالت البرلمانية عن حزب الخضر، أغنيسكا بروغر: "يبدو أن الوزارة قد استوعبت أخيرًا خطورة الموقف بعد فترة طويلة جدًا"، وقال رئيس هيئة حماية الدستور في ألمانيا هالدنفانغ في تصريحات لشبكة "إيه آر دي" الألمانية الإعلامية في مايو 2019: إنه من الممكن رصد الكثير من هذه التطورات في مدينة كيمنتس شرقي ألمانيا.

وأضاف: أتذكر على وجه الخصوص الترابط الكثيف للغاية بين اليمين المتطرف، والأخبار الكاذبة والدعاية الخاطئة والعنف الكبير في الشوارع، وذكر هالدنفالغ، أن المجموعات المستعدة للعنف من الممكن أن ينبثق منها جماعات إرهابية صغيرة، وقال: "كل هذا أظهره نموذج كيمنتس".

ويبدو أن وزيرة الدفاع، اتخذت الترتيبات الإدارية والفنية، من أجل تنفيذ "تحليل هيكلي" للقوات الخاصة وتقديم استنتاجات عن كيفية مكافحة الاتجاهات اليمينية المتطرفة بصورة أفضل ضمن صفوف هذه القوات، وستشارك في هذه المهمة أيضاً المفوضة الألمانية الجديدة لشؤون الجيش، إيفا هوغل ومن المقرر أن تُرفع النتائج إلى البرلمان.

اليمين المتطرف يلحق الضرر بالقوات الخاصة 

يقول كرايتماير، قائد القوات الخاصة الألمانية: إن في وسط مجتمعنا كان وما زال هناك أفراد يمكن حسابهم بوضوح على ما يسمى بالطيف اليميني، سواء بسبب افتقارهم للولاء الدستوري أو قربهم من حركة مواطني الرايخ أو فكرهم اليميني المتطرف ودعمهم للأيديولوجيات اليمينية المتطرفة، فإنهم جميعاً ألحقوا ضرراً بالغاً بسمعة القوات الخاصة والجيش الألماني ككل.

ووصف كرايتماير الاكتشاف الأخير لمخبأ أسلحة لدى جندي في القوات الخاصة بشمال ولاية سكسونيا شرقي البلاد بأنه "صادم"، معلناً أنه لا تسامح مطلقاً مع مثل هذه الأمور، ومؤكداً في الوقت نفسه الالتزام بمبادئ دولة القانون عند التعامل مع كل حالة على حدة.

وكشفت رسالة أرسلها ضابط في الجيش الألماني إلى وزيرة الدفاع أن هناك نوعًا من التسامح مع التوجهات اليمينية المتطرفة داخل صفوف القوات الخاصة بالجيش الألماني؛ ما جعل الوزيرة تقول بأن مثل هؤلاء سيتم استبعادهم على نحو حاسم.

وأكدت مجلة "دير شبيغل" الألمانية ذلك، بالقول إن ضابط في القوات الخاصة أرسل للوزيرة خطابًا مؤكدا أن هناك تسامحاً في توجهات يمينية متطرفة داخل صفوف القوات، كما يتم التستر عليها أحياناً عن عمد. 

وفي هذا السياق صنّفت الاستخبارات العسكرية في ألمانيا 14 جنديا وموظفا بالجيش كأشخاص متطرفين خلال العام الماضي 2019، وشنت حملات أمنية طالت الأوساط اليمينية المتطرفة في عدد من الولايات الألمانية.

التقرير السنوي لجهاز الاستخبارات العسكرية الألماني "إم ايه دي" المقدم للبرلمان، كشف أنه خلال عام 2019، رصد 14 متطرفا في الجيش الألماني بينهم أربعة إسلاميين واثنين من حركة "مواطنو الرايخ" بالإضافة إلى ثمانية متطرفين يمينيين.

وتضمن التقرير الذي رفع للبرلمان في 3 مارس 2020 ، معلومات حول وجود عناصر يمينية داخل القوات الخاصة ايضا، وجاء فيه أن  أربعة من الإسلاميين صنفوا هم متطرفين، فضلا عن اثنين ينتميان لما يسمى بحركة مواطني الراين اليمينية المتطرفة، الذين لا يعترفون بألمانيا الحديثة كدولة شرعية ويصرون على أن "الرايخ الألماني" ما زال قائمًا.
 
اليمين المتطرف يعيد تنظيم نفسه

الخطر يكمن في أن اليمين المتطرف في ألمانيا أعاد ترتيب نفسه، ليكون أعلى من أن يخضع لرقابة الاستخبارات الألمانية، مستفيدًا من تجاربه السابقة.

إن ما يجري في ألمانيا إلى جانب دول أوروبا ممكن أن يوصف "اجتياح" اليمين المتطرف إلى ألمانيا، ويعود ذلك إلى إغفال الاستخبارات الألمانية، أنشطة اليمين المتطرف، رغم خطورتها.

اليوم تستفيق ألمانيا على تنامي متزايد إلى تهديدات اليمين المتطرف إلى حد تهديد النظام الديمقراطي.

يبدو أن الحكومة الألمانية، خاصة الاستخبارات الداخلية واستخبارات الدفاع، لم تنتبه كثيرا إلى نزوح الجنود الألمان نحو التطرف، ما عدا ذلك الأمر ممكن أن يكون غض نظر، كما جاء برسائل بعض الجنود الألمان إلى وزيرة الدفاع.

إن التعاطف مع اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية، أصلا هو موجود داخل مؤسسات الدفاع والأمن والمؤسسات الحكومية الأخرى في ألمانيا، ويبد أن هناك "تراكمًا" أو تناميًا لليمين المتطرف داخل المؤسسات الحكومية الألمانية.

الوجود في قطاعات الدفاع والأمن، يمكن العناصر اليمينية من الحصول على التدريب وعلى المواد الأولية للمتفجرات وغيرها من الأسلحة، من أجل تنفيذ عمليات إرهابية، وسبق أن وجه اليمين المتطرف، عناصره بالالتحاق بمؤسسات الأمن والدفاع لهذا الغرض.

من المتوقع أن يكون هناك تنام أوسع لليمين المتطرف في ألمانيا خلال هذه المرحلة، رغم الجهود التي تبذلها الحكومة الألمانية، وأن الكشف عن خلايا وعناصر التيارات الشعبوية داخل المؤسسات الحكومية والمجتمع يعتبر صعب جدا، كونها "مبطنة" غير ظاهرة، وهذا ما يصعب عمليات إعادة هيكلة أو تنظيم القوات الخاصة.


اضف تعليق