وسط الجائحة.. هل يحيي الاستثمار الأخضر الاقتصاد العالمي؟


٠٩ يوليه ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

أدى وباء "كوفيد-19" لأكبر انخفاض على الإطلاق في الإنفاق العالمي على الطاقة وتدهور الاقتصاد العالمي وانكماشه، هذه خلاصة تقرير وكالة الطاقة الدولية للاستثمار في الطاقة لعام 2020.

رئيسة صندوق النقد الدولي تحث في المقابل على بذل كافة المجهودات الممكنة لجعله انتعاشًا أخضر. فيما يدفع الديمقراطيون الأمريكيون والمفوضية الأوروبية والعديد من البلدان الأخرى إلى صفقات جديدة خضراء.

وفي ظل استمرار جائحة كورونا وتداعياتها، أفاد صندوق النقد أن الخسارة قد تبلغ بسهولة 20 تريليون دولار في هذا العام والعام المقبل، وسوف تقترض دول العالم تريليونات الدولارات للمساعدة على تخفيف المعاناة الحالية.

فكيف للانتعاش الأخضر أن يخلق بسرعة الكثير من فرص العمل والنمو الاقتصادي إلى جانب إصلاح المشكلة الأكبر المتمثلة في تغير المناخ؟!.

ماذا يعني الاستثمار الأخضر؟

الاستثمارات الخضراء هي نوع من الاستثمارات المستدامة، وتشير إلى الحلول التمويلية التي تستهدف تحقيق عوائد تنافسية مع التأثير بشكلٍ إيجابي على البيئة المادية والاجتماعية.

تشتمل هذه الأصول "الخضراء" عادةً على أنظمة منخفضة الانبعاثات الكربونية، أو شبكات ذكية، أو مبادرات مكافحة التلوث، أو إعادة التدوير، أو إدارة/ تحويل النفايات، أو المشاريع الاجتماعية، أو المشاكل البيئية.

ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يعرف بأنه هو ذلك الاستثمار الذي ينتج فيه تحسن في رفاهية الإنسان والمساواة الاجتماعية. في حين يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية ومن الندرة الإيكولوجية للموارد.

إن الاستثمار الأخضر هو أحد النماذج الجديدة للتنمية الاقتصادية السريعة النمو والذي يقوم أساسًا على المعرفة الجيدة للبيئة والتي أهم أهدافها هو معالجة العلاقة المتبادلة ما بين الاقتصاديات الإنسانية والنظام البيئي الطبيعي.

ويعرف الاستثمار الأخضر بمفهومه البسيط بأنه هو ذلك الاقتصاد الذي توجد فيه نسبة صغيرة من الكربون ويتم فيه استخدام الموارد بكفاءة.

ورغم ذلك، فالانتقال إلى التنمية الخضراء ليس سهلًا، بل هي عملية طويلة وشاقة توجهها نظرة سياسية من الأعلى إلى القاعدة الشعبية وأيضا توجهها القاعدة الشعبية إلى القمة.

وبشكل عام تعد الاستثمارات الخضراء أكثر أخلاقية بالنظر إليها من ناحية التأثير والتطبيق، لكنها -مثلها مثل الاستثمارات العادية- معرضة لمنحنيات الصعود والهبوط حيث إنه قد تكون ذات نتيجة جيدة جدًا لفترة من الزمن ثم تهبط بحدة فجأة!، وهذا يعتمد على تقلبات عوامل خارجية مثل التقلبات السياسية والتشريعية والإعانات، وتعتبر صناعة الطاقة الشمسية مثالًا شاهدًا على هذا.

من أهم خطوات إحداث تأثير أخضر عالمي هو تصدير التقنيات الخضراء من البلدان التي لها خبرة كبيرة وتجارب متعددة في مجال الإنتاج للبلاد الأخرى، ويمكن اعتبار هذا جزءًا من "الاستثمار الأخضر الأجنبي".

وتُعرَف دول الشَمال (النرويج والسويد والدنمارك وأيسلندا وفنلندا) بالقيادة في التنمية المستدامة، كما سبق لهذه البلدان أن أظهرت نموذجًا قابلًا للتطبيق في زيادة الاستثمارات الخضراء من أجل تصدير تقنياتها الخضراء.

توقيت مثالي

واليوم؛ بات الرهان والاستثمار فيما يعرف بـ"الاقتصاد الأخضر"، الطريقة المثالية والأكثر فاعلية للهروب من تداعيات كورونا الاقتصادية والهروب من مأزق القيود والعزل والقواعد الصارمة للتباعد الاجتماعي المفروضة في العديد من دول العالم.

وبحسب خبراء ضمنهم جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل من جامعة كولومبيا وخبير المناخ البريطاني البارز لورد نيكولاس ستيرن، من المرجح أن تغذي النتائج دعوات "التعافي الأخضر" التي تلاقي دعمًا حول العالم.

وأكد الخبراء، أنه "يمكن أن تمثل أزمة كوفيد-19 نقطة تحول في التقدم بشأن تغير المناخ"، مضيفين أن الكثير سيعتمد على الخيارات السياسية التي تم اتخاذها في الأشهر الستة المقبلة.

ومع قيام الاقتصادات الكبرى بوضع حزم اقتصادية ضخمة لتخفيف صدمة تفشي وباء كورونا، يرى العديد من المستثمرين والسياسيين والشركات فرصة فريدة لدفع التحول إلى مستقبل منخفض الكربون.

ودعتا أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا وكريستالينا جورجييفا المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي، إلى عمليات تعافي للاقتصاد الأخضر القائم على طاقة نظيفة في الأسبوع الماضي، وظهر هذا المفهوم كخط سياسي من الولايات المتحدة إلى الهند وكوريا الجنوبية.

وجاء في تقرير نشره معهد أبحاث السياسات العامة أن الاستثمار في الانتعاش الاقتصادي الأخضر يمكن أن يخلق ما يصل إلى 1.6 مليون وظيفة جديدة في بريطانيا وحدها مع انحسار فيروس كورونا.

لذا فهو الوقت المثالي لتسريع الاستثمار في البنية التحتية للطاقة المتجددة وسوف يكون الانتعاش الناجح بقيادة خضراء.

صفقات جديدة خضراء

ويعاني صانعو السياسة من بطء في النمو الاقتصادي وهناك مجموعة من الخيارات حول كيفية إحياء وإنعاش الاقتصادات تشترك في نقطة واحدة: الصفقات الخضراء الجديدة؛ وهي مشاريع تستثمر في الطاقة النظيفة للحد من الاحتباس الحراري.

ويتنامى تحالفٌ مؤيِّد للتوصل إلى "صفقة الخضراء جديدة" Green New Deal طموحة داخل أروقة الكونجرس الأمريكي وإذا نجحت الصفقة، ستبدأ لجنة جديدة تابعة لمجلس النواب في صياغة خطة، مدتها عشر سنوات، تهدف إلى التحول بعيدًا عن الصناعات الملوِّثة، واعتماد بِنْية تحتية صديقة للبيئة، وإنتاج الطاقة بالكامل من مصادر متجددة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تحسين آفاق مستقبل العمال الأمريكيين.

ولكي تنجح أحدث نسخة من "الصفقة الخضراء الجديدة"، يتعين على الحكومة الأمريكية أولًا وقف الإعانات المالية المقدمة إلى الأنشطة القائمة على الوقود الأحفوري، وتصحيح التشوهات السوقية الأخرى الداعمة لـ "الاقتصادات البُنّية"، أي تلك الاقتصادات التي تعتمد على الوقود الأحفوري وتتجاهل التأثيرات البيئية الناجمة عنه. ثانيًا، يتعين علي الحكومة الأمريكية تمويل السياسة الجديدة على نحوٍ مستدام.

خلق فرص عمل جدديدة

المشاريع الخضراء مثل تعزيز الطاقة المتجددة أو كفاءة الطاقة، من شأنها؛ خلق المزيد من الوظائف، وتوفير عوائد أعلى قصيرة الأجل، ومن ثم زيادة معدلات التوفير في التكلفة على المدى الطويل نسبة إلى تدابير التحفيز التقليدية.

ومع وجود انبعاثات الكربون على المسار الصحيح لأكبر انخفاض لها على الإطلاق خلال 2020، يمكن للحكومات الآن أن تختار إما السعي وراء أهداف الانبعاثات الصافية صفر أو الوقوع في نظام الوقود مرة أخرى.

وقال كاميرون هيبورن مدير مدرسة سميث للمشروعات والبيئة بجامعة أكسفورد: "إن خفض الانبعاثات الذي بدأته أزمة كورونا قد يكون قصير الأجل"، مضيفًا أنه يمكن أن تقر المجتمعات الحفاظ على العديد من التحسينات التي شهدها المناخ وخفض انبعاثات الكربون.

فيما أوصى بضرورة أن تركز البلدان الصناعية على دعم "البنية التحتية المادية النظيفة"، مثل مزارع الطاقة الشمسية أو الرياح، أو تحديث الشبكات الكهربائية أو تعزيز استخدام الهيدروجين، فمن شأن ذلك؛ تحقيق عوائد اقتصادية قوية وخلق فرص عمل وتعزيز أهداف المناخ.

مخاوف وتداعيات سلبية محتملة

لكن هناك قسم آخر يصف التوجه للاستثمار الأخضر بكارثة لا تقل أضرارها عن وباء كورونا. هذه القراءة المتشائمة تعتمد على حد قولهم على أن السياسات المناخية الحالية تكلف أكثر من الفوائد المحتملة بعد الدمار الذي خلفه وباء الفيروس التاجي وستكون إحدى أسوأ الطرق لمساعدة العالم على التعافي.

وفيما يخص زيادة فرص العمل في الاستثمار الأخضر يقول المعارضون إن في الولايات المتحدة على سبيل المثال ينتج 39 عاملًا للطاقة الشمسية نفس الكمية من الكهرباء التي ينتجها عامل واحد في الغاز الطبيعي.

فضلا عن ذلك فإن الإنفاق الأخضر يعمل ببطء ولا يخلق أي فرص عمل تقريبًا على المدى القصير.

بل يحذرون بأن السماح للصفقات الخضراء السيئة ستجعل العالم أكثر فقرًا.


اضف تعليق