الكنيسة المعلقة في مصر.. هنا خطت العائلة المقدسة إلى ملاذ وأمان


١٢ يوليه ٢٠٢٠

أماني ربيع

"أطلبوا تجدوا.. سلوا تُعطوا.. اقرعوا يُفتح لكم.."، بهذه الكلمات النورانية تستقبلك الكنيسة المعلقة، في دفء ومودة.

لم أدخل كنيسة من قبل، وكانت الكنيسة المعلقة تبدو لي دوما عندما يقف المترو في محطة مترو مارجرجس، مثل عملاق أشعر نحوه بالرهبة.

خطوت بقدمي خارج المحطة، كانت الأجراس تدق، لا أفهم كثيرا في الديانة المسيحية، لكن شعرت بالأجراس تدق وترا في قلبي، ضحكات تلاميذ المدارس تسبق خطواتي الوئيدة، بينما رأسي معلق بالبناء المهيب.. هنا خطت العائلة المقدسة إلى ملاذ وأمان.

نظرت إلى للتلاميذ وبعض المارة من سكان المنطقة، لقد تعودوا هذه الأجواء حتى أصبحت أمرا عاديا، فقدوا دهشتهم الأولى التي تغلفني الآن.

لفتتني العبارة المنقوشة على المدخل "اطلبوا تجدوا.. سلوا تعطوا.. اقرعوا يفتح لكم.."، اندهشت للحظة، شعرت وأن الكلمات موجهة لي، بينما الفسيفساء الملونة ترسم على جداري الفناء المتقابلين مشاهد من رحلة العائلة المقدسة.

طمأنينة تغمرك وأنت تدخل هذا البناء التاريخي الذي وقف شاهدا على عصور عدة عبرت على المحروسة، منذ اضطرت العائلة المقدسة إلى الهجرة هربا بالمسيح الطفل من غدر الإمبراطور هيرودوس الذي كان يخشى من كل طفل وليد قد يهدد ملكه بعد نبوءة اطلع عليها، تركت مريم الناصرة في فلسطين، ولم تجد أمامها سوى مصر، عبرت صحراءها حتى وصلت إلى هذه الأنقاض مع المسيح الطفل والقديس يوسف النجار لتبدأ رحلة الثلاث سنوات في مصر، التي عبرت فيها العائلة المقدسة من البوابة الشرقية لمصر فى سيناء، وصولا إلى النيل حيث منطقة المطرية حيث شجرة مريم، واستمرت فى مسارها مع النيل حتى وصلت إلى صعيد مصر، جبل الطير في المنيا وصولا إلى دير المحرق في أسيوط.

وبرغم ترجيح هذه المعلومات، إلا أن بعض الروايات تذهب إلى أن الكنيسة لم تكن سوى "قلاية" أو مكان للخلوة عاشت فيه إحدى الراهبات قديمًا.


تبدو الكنيسة – التي أعيد تشييدها على يد نخلة الباراتي في القرن 19 في موقعها بحي مصر القديمة - كقلب نابض ومحب، في قلب القاهرة بوجهها القبطي الأليف، متوسطة معبد بن عزرا اليهودي، وجامع عمرو بن العاص.

لكن لماذا المعلقة؟، ستجد سبب التسمية بنقرة على جوجل، فهذه الكنيسة التي تعد أقدم كنائس مصر، بنيت على ارتفاع 13 مترا، على برجين من أبراج حصن بابليون ذلك الحصن الروماني الشهير الذي بناه الإمبراطور تراجان في القرن الثاني الميلادي.

لم يظل البناء بالطبع على حاله منذ بنائه، تم ترميمه وتجديده أكثر من مرة في عهد الخلافة الإسلامية، الأولى كانت في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، عندما طلب البطريرك الأنبا مرقس من الوالي تجديدها، ومرة أخرى في عهد العزيز بالله الفاطمي الذي منح البطريرك إفرام السرياني الإذن بتجديد كافة كنائس مصر، وإصلاح ما تهدم منها، وهو ما تكرر في عهد عهد الظاهر لإعزاز دين الله.

سفينة نوح.. ورحلة الحياة

منذ القرن الحادي عشر، أصبحت الكنيسة مقرا لعدد من البطاركة، في تقليد بدأه البطريرك خريستودولوس الذي كان أول من اتخذ من الكنيسة المعلقة مقرا لبابا الإسكندرية، وجدد كذلك كنيسة القديس مرقريوس ليجعلها كاتدرائية كبرى ومركزا لكرسيه، وذلك بعد انتقال البابوية إلى القاهرة لكثرة عدد المسيحيين فيها كما أن الكنيسة أصبحت مرتبطة بالحكومة، وبهذا أصبح البابا يعين أسقفا للإسكندرية باسم وكيل الكرازة المرقصية.

وأصبحت الكنيسة بمرور الوقت، أكثر من مجرد بيت للعبادة، ففيها دفن عدد من البطارقة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وفي كل صباح تجد المتعبدين من المسحيين يدخلون أمام صورهم وأيقوناتهم التي تزين رفاتهم للتبرك وإنارة الشموع، ليس هذا فحسب، فالكنيسة أيضا كانت مقرا لمحاكمات الكهنة والأساقفة، والمهرطقين.

في الطريق إلى الكنيسة ستجد نفسك على موعد مع معرض فوتوغرافيا، يستعرض بالصور وقصاصات الجرائد تاريخ الكنيسة، وتفاصيل الحياة والعقيدة الخاصة بالكنيسة الأرثوذكسية المصرية والكرازة المرقسية، كذلك صور البطاركة الذين شغلوا كرسي البابوية، وزيارات رؤساء مصر المتعاقبين منذ محمد نجيب وعبدا لناصر والسادات، توجد كذلك مكتبة مليئة بكل ما تريد أن تعرفه عن الديانة المسيحية.

تنتهي من المعرض ليقابلك جدار معشق بزخارف بديعة لتشكيلات نباتية تعانقها الصلبان، بينما بابان خشبيان مزخرفان بأشكال نجمية من الصدف، يتوسطهما أيقونة للسيدة مريم تحمل المسيح.

تدخل قلب الكنيسة الصغير - لا يتجاوز طولها 23.5 مترًا، بينما عرضها 18.5 مترًا، وارتفاعها 9.5 مترًا- الذي يسع العالم، ستشعر بأن الله رب لنا جميعا، إنه موجود في كل مكان، نوره يغلف روحك ذاتها، الله هنا حتى لو كان الصليب مكان النجمة المثمنة، الله يسمع الجميع ويجيب الجميع لا يفرق بين أحد من عباده.

بنيت كنيستنا التي تتكون من طابقين على الطراز البازيليكي، وهو الطراز السائد في عمارة الكنائس في عهد الدولة البيزنطية، يأخذك سقف الكنيسة الخشبي، أندهش قليلا وأتساءل عن السبب، ثم اكتشفت أن السقف يرمز إلى سفين سيدنا نوح.. ليخبرنا أن السفينة هي الحياة، والرحلة لم تنته بعد.

شمعة لأم النور

كما في الحسين يدور المتعبدين على الأيقونات الموزعة في أرجاء الكنيسة، يدورون، يطبعون على أيديهم التي تعانق في خشوع رفات القديسين ليتبركوا ويدعوا، ويضيؤون الشموع من أجل إنارة طريق الحياة الطويل.

"لتكن هذه الشمعة التي أشعلها نورا منك يا رب لتضيء طريقي أثناء المصاعب، إنني أقدم هذه الشمعة، وأنا أقدم حياتي لتكون ملكك يارب، هبني الصحة وعلمني كيف أساعد الآخرين.."

وقفت أمام الشموع المنيرة التي اصطفت أمامي منها من اقتربت ثمالتها، ومنها ما زالت واقفة في شموخ تحترق لتضيء قلوب العابدين، أشعلت بنفسي شمعة نفخت فيها أمنيتي وجلست.

شابات وعجائز، ومراهقات، تختلف الطبقات والثقافات لكن الكل رأسه ينحني في حضرة الرب، أسترخي في جلستي على دكة خشبية مزخرفة بالصلبان، أرمق الثريات النحاسية المدلاة تسترق السمع في خشوع مصغية إلى همهمات المصلين.

يقابلني في جلستي الهيكل المقسم إلى 3 أجزاء بينما يحيط بي من كل جانب ثمانية أعمدة تنتصب في شموخ حاملة البناء المقدس.

بين الصحن والجناح الشمالي تصطف 3 أعمدة، وتفصل بين الأجنحة أعمدة من الرخام ماعدا عمودا من البازلت الأسود تكلل هامتها تيجان "كورنثية" الطراز.

3هياكل في الجهة الشرقية، الأوسط باسم العذراء مريم، والأيمن باسم يوحنا المعمدان، والأيسر باسم القديس مارجرجس، تقبع أمام هذه الهياكل الثلاثة أحجبة خشبية أجملها الحجاب الأوسط المصنوع من الأبنوس المُطعَّم بالعاج المنقوش بأشكال هندسية تتخللها الصلبان، يعود تاريخ صناعته إلى ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي.

تعلو هذه الهياكل الثلاث أيقونات تصور المسيح على العرش وعن يمينه مريم العذراء والملاك جبرائيل والقديس بطرس، وعن يساره يوحنا المعمدان والملاك ميخائيل والقديس بولس.

وفى أعلى المذبح – داخل هذا الهيكل – ستجد مظلة خشبية مرتكزة على أربعة أعمدة، ومن خلفه منصة جلوس رجال الكهنوت في استقبال المتعبدين.

تضم الكنيسة نحو 110 من الأيقونات التي تصور العائلة المقدسة والقديسين المختلفين تبدو وكأنها تحرس المصلين بهالاتها النورانية.

كذلك هناك لوحة خشبية تصور دخول المسيح لمدينة القدس منتصرا يعود تاريخها إلى القرن الخامس أو السادس الميلادي.

وفي المنتصف يوجد "الأنبل" الذي يعادل المنبر عند المسلمين، وهو قاعدة رخامية منحوتة ترتكز على أعمدة رخامية، عددها 14، ترمز هذه الأعمدة الأربعة عشر إلى تلاميذ المسيح أو الحواريين، كل عمودين متجاورين متشابهين في اللون والشكل يمثل اثنين من الحواريين، حتى نصل إلى عمودين داكنين يمثلان متى ولوقا، ويتميزان بين الحواريين لأن الله أوحى لهما بكتابة الإنجيل، وفي النهاية لوقا ومرقص ويعتبران خارج التماثيل لأنهما من المرسلين.

وتضم الكنيسة أيضا 7 هياكل ومعظم الأحجبة بها صممت على الطراز المملوكى، بينما نحتت قباب مذابح الهيكل من الأخشاب المزخرفة، عليها تصاوير للسيد المسيح وحوله أصحاب الأناجيل الأربعة، ويوجد في أركان للقبة أربعة ملائكة يحملون قبة السماء.

اجلس ما شئت في رحاب الكنيسة المعلقة، لن تشعر بغربة، ربما تجد ذاتك التي تبحث عنها وسط التراتيل التي قد لا تفهم لغتها، لكن هذا التشابه مع تفاصيل العمارة الإسلامية سيمنحك سكينة وكأن يدي مسلم ومسيحي تتعانقان فوق رأسك ومن بين أصابعهما تنبت الحياة.
 


اضف تعليق