قضم الأرض الفلسطينية.. خطة إسرائيلية حتى تقر أمريكا "الضم"!


١٢ يوليه ٢٠٢٠

رؤيـة - محمد عبدالكريم

القدس المحتلة - أثارت خطة الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع الإدارة الأمريكية "لضم" أجزاء من الضفة الغربية، عاصفة دبلوماسية وسياسية وقانونية دولية رافضة لسرقة ما تبقى من الأرض الفلسطينية المحتلة، ما اضطر رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إعادة النظر في الطريقة التي سيسلكها، لسرقة الأرض الفلسطينية عبر القضم ببطء، بدلًا من ابتلاع الأرض مرة واحدة، لتخطي العاصفة حتى تهدأ.

حركة السلام الآن الإسرائيلية، وصفت ما يجري على الأرض، بـ"الفلتان في صفوف المستوطنين ومنظمات الإرهاب اليهودي للشروع في بناء بؤر استيطانية جديدة، على أبواب البدء بتنفيذ مخطط الضم، خاصة وأنّ المستوطنين يعتبرون قرار تأجيل الضم فرصة لفرض حقائق جديدة على الأرض على الحكومة أخذها بعين الاعتبار في مخططاتها التوسعية"، بحسب الحركة.

منظمة إسرائيلية أخرى، أكدت ذات المعنى في بيان لها، حيث قالت منظمة (ييش دين) الإسرائيلية لحقوق الإنسان، إن الاستنتاج الذي تفضي إليه وجهة النظر القانونية، بأن إسرائيليين قد ارتكبوا جرائم "أبارتهايد ضد الإنسانية" بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية، مشددة على أن إسرائيل لا تتعامل مع "الاحتلال" في الضفة على أنه مسألة "مؤقتة وأن مكانة المنطقة ستُحدد بموجب الاتفاقات والمفاوضات هو مجرد حبر على ورق".

وأشارت المنظمة إلى أن إسرائيل تنفذ سيرورة "ضم تدريجي" في الضفة الغربية، وأن العواقب الإدارية للضم، هي إلغاء الحكم العسكري في المنطقة المضمومة، وتوسيع نطاق الصلاحيات الإقليمية للسلطات المدنية الإسرائيلية في عمق الضفة الغربية، موضحة أن "حجة البراءة" التي استخدمتها حكومات إسرائيل على مر السنين، والتي يُدّعى بموجبها أنّ الوضع مؤقت، وأنّها لا ترغب أو تنوي "ترسيخ وتعزيز السيطرة والقمع وسياسات إخضاع الفلسطينيين في المنطقة"، تتحطم أمام الأدلة التي تشير بوضوح إلى أنّ الممارسات والسياسات التي تطبقها إسرائيل في المنطقة، "تهدف إلى تعزيز وترسيخ السيطرة والقمع ضد الفلسطينيين، وسيادة الإسرائيليين الذين انتقلوا للسكن هناك".

منظمة هيومن رايتس ووتش: "إسرائيل" أنشأت نحو 900 مستوطنة منذ عام النكبة

وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش": إن  دولة الاحتلال الإسرائيلي بنت منذ 1948 نحو 900 مستوطنة يهودية، وترفض بناء بلدات فلسطينية في أراضي عام 48 المحتلة.

وأكدت المنظمة في تقرير موسع بعنوان "سياسات إسرائيل التمييزية تحاصر الفلسطينيين" مكون من عدة أقسام أن سياسة تضييق الخناق على التجمعات السكانية الفلسطينية تتخطى الضفة الغربية وقطاع غزة، لتطال الفلسطينيين في البلدات والقرى الفلسطينية في "إسرائيل".
وأفاد مدير قسم الشرق الأوسط بالإنابة في هيومن رايتس ووتش إريك غولدستين: "إن هذه السياسة الإسرائيلية على جانبَيِ الخط الأخضر تحشر الفلسطينيين في أماكن مكتظة، بينما تمنح أراضي واسعة للبلدات اليهودية".

وحسب التقرير "تسيطر سلطات الاحتلال الإسرائيلي مباشرة على 93% من الأراضي، بما فيها شرقي القدس أما سلطة أراضي إسرائيل وهي مؤسسة حكومية، فتدير هذه الأراضي التي تسيطر عليها الدولة وتوزعها. ينتسب نصف أعضاء مجلس إدارتها تقريبًا إلى الصندوق القومي اليهودي، المفوَّض بشكل صريح بتطوير وتأجير الأراضي إلى اليهود دون أي فئة سكانيّة أخرى من السكان. كما يمتلك الصندوق 13% تقريبًا من الأراضي والتي تُفوَّض الدولة باستخدامها “بغرض استيطان اليهود فقط".

وشددت المنظمة الدولية على أن سياسة الأراضي لم تخفق في السنوات الأخيرة في إبطال مصادرات الأراضي السابقة فحسب، بل زادت القيود في الكثير من الحالات على الأراضي المتاحة للنمو السكاني، وسمحت الحكومة، منذ 1948 بإنشاء أكثر من 900 مستوطنة يهودية، دون أن تسمح بأي بلدة للفلسطينيين باستثناء قلة من القرى والبلدات الصغيرة.

الضم بدأ دون إعلان واليمين يريد الاعتراف الدولي

وأكد خبير الاستيطان مدير دائرة الخرائط في بيت الشرق خليل تفكجي، أن الضم الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية بدأ دون إعلان منذ مدة طويلة، واليمين الصهيوني بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي يريد تثبيت ذلك، وتمرير الاعتراف الأمريكي به ليصبح دوليًّا ومشروعًا، وقال: إن هذا لن يكون لعدة أسباب أهمها الرفض الفلسطيني القاطع والإجماع شبه التام دوليًّا وعربيًا وإن كان هناك من يقول ذلك بصوت غير مسموع.

ولفت التفكجي إلى أن تحالف ترامب - نتنياهو أصبح يدرك أبعاد وارتدادات ذلك الضم الجارف على الخطة الأكبر وهي (صفقة القرن) لذلك تم تقسيم الضم إلى مراحل لتكون "القدس الكبرى" أولًا ببناء "E1" وبضم مستوطنة "معاليه أدميم" التي يمتد نفوذها للبحر الميت جنوبًا لابتلاع 10٪ من الضفة الغربية ومناطق "ج".

ويرى التفكجي أن هذا السيناريو الوحيد في هذه المرحلة "القدس الكبرى "بحدودها وفق الرؤية الإسرائيلية وتشمل مستوطنات "جوش عتصيون" و"معاليه أدميم" و"جفعات زئيف" وهذا السيناريو عليه اتفاق من قبل الأحزاب الإسرائيلية وخاصة "الليكود" و"أزرق وأبيض".

وقال: إن هذا السيناريو يمتص جزءا كبيرا من الرفض الأمريكي، وكذلك قد يخفف من الرفض الأردني حسب تقديراتهم، ولذلك يستميت نتنياهو لتمريره خلال الأسابيع المقبلة. ووفق التقديرات تعادل مساحة "القدس الكبرى" وفق الرؤية الإسرائيلية نحو 10٪ من مساحة الضفة الغربية.

وأوضح التفكجي أن الحديث وفق هذا المفهوم لمستوطنة "معاليه أدميم" لا يعني ما هو قائم ومبني اليوم ولا المخطط الهيكلي وليس المشروع التطويري والمنطقة الصناعية التابعة لها فقط، وإنما المفهوم الإسرائيلي يتحدث عن مناطق نفوذ وحيازة (كتلة معاليه أدميم) والتي تمتد حتى البحر الميت شرقًا وجنوبًا، ضمن مشروع (القدس الكبرى 2050)، والمخطط 5800 الذي يمهد وينسجم مع استراتيجية الضم.

وقال: إن ما يسمى بــ(شارع السيادة) على أراضي العيزرية، وإقامة بنى تحتية خاصة بالمستوطنين (كتلة معاليه أدميم 2050٠) لربطها بالقدس الشرقية والغربية والداخل، وبنية تحتية ثانية للفلسطينيين يؤدي إلى تكتلات معزولة شمال الضفة وعن جنوبها، فشق ما يسمى بــ(شارع السيادة) وتعبيده خلال المرحلة المقبلة وربط العيزرية بالزعيم وعناتا وحزما بنفق وجسر يربط بين شطري الضفة الغربية وضمن مخطط الضم المرحلي وفق السيناريو المطروح حاليًا والذي يعتقد اليمين الإسرائيلي أنه قابل للتنفيذ قبل الانتخابات الأمريكية.

وأوضح التفكجي أن (مشروع القدس الكبرى) ضمن المخططات الهيكلية التي وضعت لمدينة القدس كان تعبيرا عن نظرة أكثر شمولية للتخطيط على المستوى الإقليمي فقد اهتم الإسرائيليون ومن قبل البريطانيون بالنظر إلى القدس كجزء من معادلة أكبر لذلك فقد كان هناك مخططات هيكلية ومخططات طرق على المستوى الإقليمي لمدينة القدس وما حولها من المدينة والقرى والبلدات هذا إضافة إلى النظرة التخطيطية التي تنظر إلى القدس وما حولها من المدن "رام الله، بيت لحم" على أنها مدينة عملاقة ( متروبوليت) ضخم، وقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية في 2008 عن إطلاق خطة القدس الكبرى التي تمتد على مساحة 600٠ كم٢ (١٠٪ من إجمالي مساحة الضفة الغربية) تمتد من بيت شيمش غربا حتى أريحا والبحر الميت شرقا ومن كفار عتصيون جنوبا (الحدود الشمالية لمحافظة الخليل) حتى رام الله شمالا.

وقال التفكجي: إن (مشروع القدس الكبرى) مرتبط بــ(الأحزمة الاستيطانية في القدس) وتم بناء 34 مستعمرة إسرائيلية في القدس الشرقية لتشكل حزامين حول القدس، الأول الحزام الداخلي في القدس الشرقية وعدد مستعمراته16 والثاني الحزام الخارجي خارج حدود القدس الشرقية وعدد مستعمراته 18 وتحتل المستعمرات ما مساحته 38 كم٢. بالإضافة إلى ذلك فقد تم إنشاء 18 موقعا استيطانيًا عشوائيا مما تسبب بعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني وقطع الضفة الغربية إلى نصفين وهو في مجمله يهدف إلى الضم الفعلي لجزء كبير من مناطق (C).

الموقف الأمريكي

ويدرك نتنياهو التأثير الحاسم للعامل الأمريكي ويخضع له، وهو ما لمّح إليه نتنياهو نفسه في معرض رده غير المباشر على منتقديه واتهامه بالخضوع لليسار الإسرائيلي، لكونه لم يوف بالضم في موعده المقرر في الأوّل من تموز الحالي، مشددا على أن القرار يصدر بعد دراسته جيّدًا مع الجانب الأمريكي والإعداد مسبّقًا لتبعاته، وهو ما يتطلب مزيدًا من الوقت والبحث مع واشنطن.

يضاف إلى ذلك  ما نقلته صحيفة "هآرتس" عن وزير ليكودي شارك في واحدة من الجلسات الأخيرة التي ترأسها نتنياهو لقادة حزبه "الليكود"، تشديده على حقائق أمريكية تؤثّر في القرار الإسرائيلي، وأهمّها انشغال ترامب بقضاياه، إذ إن "ما يثير اهتمام البيت الأبيض لا يكمن في إسرائيل، بل بفيروس كورونا والتردي الاقتصادي ومشاكل داخلية مختلفة إضافة إلى الاهتمام الكبير بالانتخابات الرئاسية المقبلة".

اللايقين الأمريكي إزاء الضم يشوش خطة نتنياهو السياسية، داخليًا، التي كان يسعى إلى تحقيق مقدّماتها في الأسابيع الماضية: الضم، ومن ثم خلاف حول إقرار الموازنة في الحكومة، فحل للائتلاف والتوجه إلى انتخابات مبكرة رابعة.

في ظل انكسار المعسكر غير اليميني وتفرّقه بعد انشقاق بني غانتس وأشكنازي عنه، يراهن نتنياهو، وبمستوى ترجيح مرتفع لديه، على فوز معسكر اليمين في الانتخابات المبكرة الجديدة، يليه تأليف حكومة يمينية صرفة تضمن له استقرارًا طويلًا في رئاسة الحكومة، مع تحقيق هدف الحصانة ضد مسار المحاكمة الجنائية التي باشرها القضاء الإسرائيلي ضده في قضايا الفساد والرشى.

خصم نتنياهو في الانتخابات الاخيرة، واحد اهم مكونات حكومته الحالية، بني غانتس اشترط موافقة الأمريكيين على الضم قبل أن يصادقوا عليه، وهي إرادة رفض أمريكية للضم بأدوات إسرائيلية، تنتهي مفاعيلها إن غيّرت واشنطن موقفها من الضم. وإلى أن يقرر ترامب التراجع ومباركة خطوة الاستيلاء الكامل على الأرض الفلسطينية، بالشكل والمضمون اللذين يريدهما هو ويخدمان أهدافه، سيتمسك غانتس بموقفه الرافض الذي يظهره معاندًا لنتنياهو وندًّا له، وذلك لتقليص ما أمكن من تزعزع المكانة التي أصابها خلل كبير جدًا، بعد أن انقلب على إرادة ناخبيه وائتلف في الحكومة مع نتنياهو.

على هذه الخلفية، حديث غانتس عن رفض الضم وضرورة الاهتمام بملفات أخرى، مثل البطالة وتداعيات "كورونا" السلبية على الاقتصاد، هو أيضًا جزء لا يتجزأ من حملة انتخابية مبكرة يعدّ لها، مع إدراكه أنه قد يلجأ إليها بشكل مفاجئ وسريع، تمامًا كما ورد في تصريحاته: "حل الحكومة وارد في أي يوم".

إن صاحب القرار الفعلي في ما يتعلق بالضم، هو الجانب الأمريكي، إن لجهة توقيت الضم أو شكل إخراجه وكذلك مضمونه. وهو ما يُفهم من كلام نتنياهو نفسه، أي من أعلى مستويات القرار السياسي في تل أبيب، بعد أن كان محلًا للتحليلات، قرار الضم كان ويبقى أمريكيًا، وبمجرد ورود الموافقة عليه من واشنطن، سيتم إخراجه إسرائيليًا، ومن ثم العمل على تنفيذه.



اضف تعليق