تحت أنظار الروس.. نيران ثورة تشتعل في الجنوب السوري


١٤ يوليه ٢٠٢٠

كتبت - دعاء عبدالنبي

 احتجاجات متفرقة ومطالبات برحيل النظام السوري وميليشياته الإيرانية في درعا والسويداء بالجنوب السوري، مشاهد أعادت للذاكرة أحداث ثورة 2011 من جديد، ولكن هذه المرة تحت حماية قوات مناهضة للنظام متحالفة مع روسيا تعرف باسم "الفيلق الخامس"، ذراع موسكو لكبح جماح التمدد الإيراني وتعزيز النفوذ الروسي في الجنوب.. لكنه قد يقلب الموازين بشأن تقلبات قادته وخاصة وحدة القائد أحمد العودة، المعروفة باسم اللواء الثامن الذي تعهد مؤخرًا بتأسيس جيش موحد لسوريا.. فهل تصبح البداية لإسقاط النظام؟ أم تنقلب الموازين عبر التسويات!.

الجنوب السوري يشتعل

اندلعت مظاهرات متفرقة في درعا ومدينة السويداء القريبة ذات الأغلبية الدرزية على مدى الأسابيع الستة الماضية، حيث خاطر المدنيون بتعريض حياتهم للاعتقال احتجاجًا على الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في سوريا.

مشاهد تعيد للذاكرة أحداث 2011، عندما تجرأ المتظاهرون على النظام السوري وخرجوا يهتفون ضد الرئيس بشار الأسد مطالبين إياه بالرحيل، وحينها تم اعتقال العديد منهم، لكن حتى الآن لم تواجه الاضطرابات في الجنوب السوري حملة قمع واسعة من قبل الشرطة السرية للنظام.

أحد المتظاهرين في مدينة السويداء ويدعى عباس منيف قال: "المظاهرات الآن امتداد للثورة السورية التي اندلعت في عام 2011، لكن الأزمة الاقتصادية هي سبب إضافي للناس للاحتجاج"، مُضيفًا "الجاني هو نفسه: النظام وفساده. لقد كانوا يسرقون من البلاد ويحرمون الناس من مواردنا الخاصة منذ 50 عاما. منذ عام 2011، لم يتغير الهدف. إن سقوط النظام هو الخطوة الأولى نحو مستقبل كريم".

مفارقات واحتجاجات شهدتها مدن الجنوب السوري، فهل تصبح نقطة الانطلاق لثورة ثانية ضد النظام السوري وحلفائه؟.. والإجابة تستدعي فهم حقيقة ما يدور في درعا والمدن الخاضغة تحت سيطرة النظام السوري وحلفائه.

ماذا حدث في درعا؟

في يوليو 2018، تم استعادة درعا من قبل المتمردين على يد النظام السوري، ومنذ ذلك الحين تحولت لتجربة فريدة في سوريا على غرار تجارب موسكو في الحرب الشيشانية الثانية.

وخلافاً لمناطق المعارضة الأخرى التي استعادها النظام، فإن غالبية سكان درعا لم يندفعوا إلى صفقات الاستسلام ونقلوا إلى محافظة إدلب على الحدود التركية. وبدلاً من ذلك، دفعت روسيا دمشق نحو اتفاق المصالحة، والإشراف على تجنيد متمردي درعا في قوة أمنية محلية جديدة تعرف باسم "الفيلق الخامس"، تم إنشاؤها لمساعدة الجيش السوري المنهك في المعركة ضد تنظيم داعش، ويعتقد أن عددهم الآن يبلغ حوالي 30 ألف رجل.

وعلى الرغم من انتمائهم إلى القوات المسلحة السورية، فإن رجال الفرقة الخامسة ليسوا جزءًا من وزارة الدفاع السورية لأن القوة السنية معادية بشكل صريح لوجود القوات الإيرانية وقوات حزب الله المتحالفة مع النظام.

فإلى جانب تجهيز نقاط التفتيش والحماية من هجمات الخلايا النائمة لداعش، يتبادل الفيلق الخامس الهجمات الصغيرة مع القوات الموالية للنظام، ويقومون بحماية المتهربين من أداء الخدمة العسكرية وحماية الاحتجاجات الأخيرة.

ويعتقد أهالي درعا أنهم محميون من قبل فيلق الهجوم الخامس من النظام وأسلحته الإيرانية في المنطقة.

الفيلق الخامس.. الذراع الروسي

لا شك أن الأوضاع في الجنوب السوري وتحديدًا درعا لا تعجب دمشق في الوقت الحالي، في الوقت الذي أدركت فيه روسيا أنها بحاجة إلى حلفاء بين الأغلبية السنية من العرب في المنطقة، ولذلك سعت لحماية الاستقلال الذاتي للجنوب وأحبطت محاولات النظام لسحق التمرد الوليد، في مسعى دائم منها لتأكيد نفوذها في سوريا وإخراج الميليشيات الإيرانية الموالية للنظام.

من جانبها، قالت إليزابيث تسوركوف -الباحثة في معهد أبحاث السياسة الخارجية- إنه "من الصعب تقييم الهدف النهائي لروسيا عندما يتعلق الأمر بالفيلق الخامس. من المثير للاهتمام أن هؤلاء الرجال قد تم تبنيهم محليًا كقوة وطنية مناهضة لإيران. من الواضح أن هناك حاجة للناس لترشيد خيارهم في البقاء في درعا",

عزز من قوة وشعبية الفيلق الخامس، تصديهم لانتهاكات الميليشيات الإيرانية الموالية للنظام، بدعم روسي لكبح جماح التأثير الإيراني في المعادلة السورية رغم وجود تنسيق مستمر بينهما، لكن التوترات الأخيرة بين موسكو وطهران كان لها ردات الفعل القوية على الأرض بعدما تصدت قوات الفيلق الخامس لقوات تابعة للأسد في درعا، وعلى رأسها قوات اللواء الثامن تحت قيادة أحمد العودة الذي قاد أكبر احتجاجات جتى الآن في درعا.

العودة.. ثائر أم خائن

وبالعودة لاحتمال اندلاع ثورة جديدة في الجنوب السوري، لا يمكن تجاهل أحمد العودة قائد اللواء الثامن في الفيلق الخامس المدعوم من روسيا في درعا، فهو بالنسبة للبعض هو خائن أبرم صفقة عندما سقطت محافظة درعا على أيدي قوات النظام قبل عامين، وبالنسبة للآخرين لا يزال اللاعب البالغ 38 عامًا ثوريًا واعدًا تعهد مؤخرًا بإعادة بناء المعارضة السورية المجزأة.

كان خطابه الشهر الماضي في جنازة رجال الفيلق الخامس الذين قتلوا بواسطة عبوة زرعها الموالون للنظام، أول إشارة واضحة له بأنه ليس مخلصًا تمامًا لموسكو، وثبت أنه لحظة فاصلة.

وسرعان ما حولت كلمات عودة الجريئة ضد دمشق و"الغزاة والميليشيات الأجنبية" الجنازة إلى أكبر احتجاج حتى الآن، والذي قدر عدد المشاركين فيها بنحو 5000 شخص.

وبحسب المحلل عبدالله الجباسيني، خبير في درعا بمعهد الشرق الأوسط، فإن 7000 رجل على الأقل اشتركوا مع اللواء الثامن في شهر يونيو وحده، ليشكل صعوده تهديدًا ليس فقط للنظام، وإيران وحزب الله، ولكن أيضًا لمؤيديه الروس.

ويبقى السؤال: هل تشتعل ثورة جديدة في الجنوب؟ لكن الإجابة تتطلب انتظار ما ستؤول إليه التسويات تزامنًا مع انعقاد قمة ثلاثية بين روسيا وإيران وتركيا، فالمصلحة الروسية تقتصي خروج الميليشيات الإيرانية من سوريا، أما إيران فتسعي للحفاظ على مصالحها في سوريا، وحتى الآن يبقى العودة مدعومًا من روسيا التي تقاتل فقط من أجل تعزيز نفوذها في سوريا.



اضف تعليق