الشيخ مصطفى إسماعيل.. صوت جلب الخشوع إلى بيوت المسلمين


٢٠ يوليه ٢٠٢٠

أماني ربيع

صوته العذب وأداؤه القوي ونفسه الطويل الذي اشتهر به في قراءاته التجويدية كانت جواز مروره إلى قلوب الملايين من عشاق القرآن الكريم، وهو أول قارئ يسجل في الإذاعة المصرية دون امتحان، واختاره الملك فاروق قارئاً للقصر الملكي وكرّمه عبدالناصر وأخذه معه السادات في زيارته إلى القدس.

نشأته



ولد الشيخ مصطفى إسماعيل في قرية ميت غزال، مركز سنطا بمحافظة الغربية عام 1905 ميلادية، حفظ القرآن الكريم كاملا في كتاب القرية وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر، ثم التحق بالمعهد الأحمدي في طنطا ليتم دراسة القرءات وأحكام التلاوة، ثم أتم تجويد القرآن وتلاواته بالقراءات العشر على يد الشيخ إدريس فاخر وعمره لم يتجاوز 16 عاماً.

الطريق إلى القصر



كانت انطلاقته الحقيقية من طنطا عندما دعي للقراءة بعزاء السيد حسين بك القصبي، يروي قصة ذلك الموقف: "كان عمرى 16 عاما لبست العمة والجبة والقفطان والكاكولة، وأراد الله أن يسمعني جميع الناس، ذهبت إلى السرادق الضخم المقام لاستقبال الأمير محمد علي الوصي على عرش الملك فاروق وسعد باشا زغلول، وأعيان مصر وأعضاء الأسرة المالكة في ذلك الوقت، ولم يكن هناك مكبرات صوت فقررت أن أسمع السرادق كله صوتي".

وأضاف: "عندما انتهى أول القراء قفزت على الدكة وجلست وفجأة نادى قارئ قائلاً انزل يا ولد هوه شغل عيال، حتى حضر أحد أقارب السيد القصبي وقال للشيخ حسن هذا قارئ مدعو للقراءة مثلك، وقرأت وأبهرت الحضور بتلاوتي وكذلك انبهر الشيخ حسن صبح".



احترف تلاوة القرآن الكريم فى عام 1925 حيث ذهب إلى القاهرة واشترك في رابطة القراء، وفي منتصف عام 1943، تغيب الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي عن إحياء حفل بمسجد الحسين فقرر الشيخ محمد الصيفي بصفته رئيس رابطة القراء تقديم الشيخ مصطفى إسماعيل وأجلسه على أريكة القراء، رغم رفض مسؤولي المسجد لذلك لأنه ليس مُعتمدا من الإذاعة، لكن الشيخ الصيفي صمم واعتبر الأمر على مسؤوليته الخاصة.

وقرأ الشيخ مصطفى سورة التحريم لمدة نصف ساعة بدأت من الساعة الثامنة حتى الثامنة والنصف وسط تفاعل من الجمهور الذي استبقاه، فظل يقرأ حتى انتصف الليل، وكان ذلك بداية تعرف جمهور القاهرة على صوت الشيخ مصطفى إسماعيل.


وحالفه الحظ أن الملك فاروق كان يستمع إلى الراديو، يوم حفل مسجد الحسين، وأعجب بصوت الشيخ مصطفى، وأصدر أمرا ملكيا بتكليفه ليكون قارئاً للقصر الملكي.

وذهب الشيخ إلى القاهرة، والتقى بناظر الخاصة الملكية الذي هنأه بفوزه بإعجاب الملك بصوته، وأخبره بالأمر الملكي بتكليفه قارئاً للقصر لإحياء ليالي رمضان بقصري رأس التين والمنتزه بمدينة الإسكندرية.

ليس هذا فحسب، فقد قرر الملك فاروق أيضا أن يكون الشيخ مصطفى إسماعيل هو قارئ سورة الكهف في الجامع الأزهر كل جمعة، وظل هذا القرار ساريا حتى بعد قيام ثورة 1952، وخروج فاروق من مصر، وهو ما أثار استياء باقي القراء لأنه لم يكن مقيدا بالإذاعة، فذهب إليها وأدى الامتحان ونجح.

قارئ الملوك والرؤساء


وبدأت نجاحات الشيخ مصطفى تعلو في سماء المقرئين فأصبحت له شعبية كبرى بين الشعب المصري، وامتد هذا النجاح إلى جماهير الأمة الإسلامية والعربية، حيث ارتفع صوته عبر الإذاعة المصرية ليدخل بيوت المسلمين في أنحاء العالم.

قال عن صوته الموسيقار محمد عبدالوهاب: "يفاجئنا دائمًا بمسارات موسيقية وقفلات غير متوقعة، وله جرأة في الارتجال الموسيقي والصعود بصوته إلى جواب الجواب بشكل لم نعرفه في أي صوت حتى الآن".

زار الشيخ مصطفى إسماعيل مدينة القدس عام 1960، وقرأ القرآن الكريم في المسجد الأقصى في إحدى ليالي الإسراء والمعراج، كان الرئيس محمد أنور السادات من محبي صوته، وكان يقلد طريقته في التلاوة عندما كان مسجونا، وعندما أصبح رئيسا للجمهورية اختاره ضمن الوفد الرسمي لدى زيارته ل القدس سنة 1977، وهناك قام ثانية بقراءة القرآن الكريم في المسجد الأقصى.

زارالشيخ مصطفى إسماعيل خمساً وعشرين دولة عربية وإسلامية وقضى ليالي شهر رمضان المعظّم وهو يتلو القرآن الكريم بها، كما سافر إلى جزيرة سيلان، وتركيا، وماليزيا، وتنزانيا، وزار أيضا ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

أوسمة


حصل الشيخ مصطفى إسماعيل على وسام الاستحقاق من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وعلى وسام الأرز من لبنان عام 1958، ووسام الفنون عام 1965، ووسام الامتياز عام 1985 من الرئيس مبارك، ووسام الاستحقاق من سوريا، كما حصل على أعلى وسام من ماليزيا، ووسام الفنون من تنزانيا.

وفاته



صباح يوم الجمعة 22 ديسمبر سنة 1978 غادر الشيخ مصطفى إسماعيل عزبته في قرية ميت غزال متجها إلى دمياط للقراءة في افتتاح جامع البحر بحضور الرئيس الراحل محمد أنور السادات، يقول سائقه: إن الشيخ يومها كان حائرا لأنه كان ينسى بعض الآيات القرآنية التى كان يرددها فيلتفت إلى السائق قائلا: والنبي قل لي يا محرم إيه الآية اللي بعد الآية دي؟

وفي دمياط قرأ الشيخ تلاوته الأخيرة، وتوجهت السيارة إلى فيلته بحي رشدي في الإسكندرية، وحكت العاملة بالمنزل عن ذلك اليوم قائلة: "كان سعيدا وكان يقول أنا جالس الآن على كرسي العرش والعالم كله يصفق لي".

أصيب بانفجار في المخ ودخل في غيبوبة وتم نقله إلى المستشفى بالإسكندرية وهو في غيبوبة تامة ظل بها عدة أيام إلى أن توفي في صباح يوم الثلاثاء 26 ديسمبر 1978 وأقيمت له جنازة رسمية يوم الخميس 28 ديسمبر 1978 ودفن في مسجده الملحق بداره في قرية ميت غزال بالسنطة بمحافظة الغربية.
 




اضف تعليق