محاكاة أزمة 2008.. هل تنقذ الصين العالم من ركود "كورونا" الأسوأ؟!


٢٠ يوليه ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

عندما عصفت الأزمة المالية بالعالم في 2008 لعبت الصين دور المنقذ الذي أخرج الاقتصاد العالمي من فخ الركود وأعاده إلى سكة النمو من جديد.

لكن ماذا عن أزمة جائحة كورونا الوبائية، هل ستلعب الصين الدور ذاته؟!.. ذلك ما سنتعرض له بالتحليل في التقرير التالي.

تحفيزات ضخمة لتجاوز أزمة 2008

بالعودة إلى أحداث الأزمة المالية العالمية، في ذلك الوقت سهلت الصين عمليات الإقراض وأقرت حزم تحفيزية بأكثر من 500 مليار دولار وبدأت بتشييد البنى التحتية والمساكن والمصانع؛ مما أدى إلى نمو كبير في الطلب المحلي على المواد الأولية والسلع الخام، والنتيجة تحرك عجلة الاقتصاد في الدول المصدرة لتلك المواد.

هذا الدور جعل الصين مسؤولة عن ثلث النمو العالمي وباتت مركزًا لـ28% من الإنتاج الصناعي في العالم و11% من التجارة العالمية وأصبح هناك 33 دولة في العالم تعتمد على الصين كالوجهة الأولى لصادراتها.

وتظهر الأرقام الرسمية ارتفاع متوسط مساهمة الاقتصاد الصيني خلال فترة ما بعد أزمة 2008 وتحديدًا (2013-2018) إلى 28.1%، لتمثل بذلك القاطرة الرئيسية للنمو الاقتصادي العالمي.

تباطؤ وتحديات بفعل كورونا

اليوم معظم الأدوات التي استخدمتها الصين في ذلك الوقت قد تكون غائبة، فتسهيل الإقراض لن يكون ممكنًا لإن الديون في الصين قد بلغت بالفعل مستويات قياسية وباتت تعادل أكثر من 317% من الناتج الإجمالي المحلي.

كما أن الإصلاحات الهيكلية التي اتخذتها بكين في السنوات الأخيرة باتت تفرض عليها عدم الإفراط في حزم التحفيز المالي.

هذا فضلًا عن أن توجهها للاعتماد على قطاع الخدمات والاكتفاء الذاتي في بعض الصناعات جعلها أقل حاجة لشراء المواد من الخارج.

ومنذ ظهوره في مدينة ووهان في ديسمبر 2019، جلب وباء كورونا سلسلة من التحديات الشديدة للاقتصاد المحلي، فمشاريع إنفاق الأسر الصينية بحجم 140 مليار دولار قد تعطلت خلال فترة عطلة رأس السنة الصينية مطلع عام 2020، بالمقارنة مع حجم الانفاق عام 2019.

ويرى لاري هو، الخبير الاقتصادي الرئيسي المتخصص في الصين في مجموعة ماكواير، أن "العرض أعلى بكثير من الطلب"، ويرجع ذلك إلى أن الناس لا تزال تعيش أجواء الخوف من الفيروس، وهو ما يؤثر على الطلب على السلع.

ورغم أن الإنتاج الصناعي في الصين حقق نموًا قدره 4.8% في يونيو 2020، وهو أسرع وتيرة نمو للقطاع هذا العام، وبصفة خاصة التصنيع في قطاعات التكنولوجيا المتطورة، كما أن الاستثمار بشكل عام حقق نتائج أفضل بكثير من التوقعات، إلا أن مبيعات التجزئة مثّلت الحلقة الأضعف، حيث هبطت 1.8% في الشهر الماضي، مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي 2019.

هذه النقطة تحديداً -مبيعات التجزئة- تظهر مدى الصعوبة التي تواجهها بكين لإقناع الناس بالعودة لمستويات الإنفاق السابقة على الوباء، رغم المحفزات التي تقدمها الحكومة في هذا المجال.

فعلى سبيل المثال، بدأت الحكومة في بداية العام الجاري تقديم مكافآت نقدية لمن يشتري سيارة، إضافة لمليارات الدولارات في صورة كوبونات لتشجيع المواطنين على شراء السلع والخدمات، مثل الهواتف الذكية والأنشطة السياحية.

التعافي الصيني يطمئن العالم

لكن ذلك قد لا يعني غياب دور الصين بشكل كامل فهي ستبقى المحرك الرئيسي للنمو العالمي خلال السنوات المقبلة كما أن حجم سوق الاستهلاك لديها سيعادل خلال السنوات العشر القادمة حجم سوق الاستهلاك في الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعين.

وقد قال المكتب الوطني للإحصاء في الصين إن اقتصاد البلاد سيواصل تعافيه في النصف الثاني من العام، على الرغم من أن أثر جائحة فيروس كورونا المستجد على اقتصاد العالم سيضع عددًا من التحديات أمام هذا النمو. وقالت ليو آي خوا، المتحدثة باسم المكتب، إن الصين ستحافظ على المرونة في السياسات الاقتصادية.

وتصريحات المتحدثة جاءت بعد أن أظهرت بيانات صدرت في وقت سابق أن الاقتصاد الصيني نما بنسبة 3.2% في الربع الثاني من العام، على أساس سنوي، متعافيًا من انكماش قياسي بعد انتهاء إجراءات العزل العام، وتكثيف صانعي السياسات لإجراءات التحفيز لتخطي صدمة أزمة فيروس كورونا.

واحتلت أنباء التعافي السريع وغير المتوقع للاقتصاد الصيني عناوين الأخبار، وتناولتها شبكة CNN الأمريكية بعنوان: "الاقتصاد الصيني ينمو مجدداً، وهذه أخبار جيدة لباقي العالم"، واستعرض التقرير أن نسبة 3.2% صعودًا التي تحققت في الربع الثاني (أبريل/يونيو) جاءت أعلى من أفضل التوقعات التي لم تتخطَّ 2.5% لنفس الفترة.

هذا النمو يحمل في طياته كثيراً من المؤشرات، أبرزها أن الاقتصاد الثاني عالمياً من حيث الحجم قد تعافى من الركود الذي كان يتهدده في الربع الأول بفعل جائحة كورونا، والذي أدى لانكماش نسبته 6.8%، أي الأسوأ في ربع واحد منذ عام 1992، كما أنها كانت أول مرة يتعرض فيها الاقتصاد الصيني للانكماش على الإطلاق منذ عام 1976.

وهذه العودة المبكرة للنمو جاءت في وقتها كأخبار جيدة لباقي العالم، بعد أن قال صندوق النقد، في يونيو، إن الاقتصاد العالمي قد ينكمش بنسبة 4.9% خلال العام الجاري 2020، متوقعاً أن تعافي الاقتصاد سيستغرق وقتاً أطول مما توقعه من قبل.

ووضع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني بنهاية العام الجاري عند نسبة 1% فقط، بينما توقّع انكماشات حادة للاقتصاد الأمريكي والأوروبي، لكن البيانات التي صدرت عن الصين تتوقع نسبة نمو سنوي هذا العام، تتخطى 2.5%، وهو ما أثار حالة من التفاؤل في باقي العالم، طغت على التوقعات المتشائمة لصندوق النقد الدولي.


اضف تعليق