لبنان.. سقوط حر لـ"أشجار الأرز"


٢٢ يوليه ٢٠٢٠

كتبت - ولاء عدلان

لبنان الذي نعرفه يبدو أنه لم يعد كذلك، أفق "سويسرا الشرق" باتت ملبدة بالغيوم ومظلمة للغاية، وسط اعتراف جريء من وزير الاقتصاد بتحولها إلى "دولة فاشلة"، فيما حذر صندوق النقد من أن الوضع بات صعبًا للغاية ولا مهرب من الوصول إلى اتفاق في أسرع وقت، فهذا هو المخرج الوحيد.

الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها لبنان حاليا هي الأكثر تهديدا لاستقراره منذ الحرب الأهلية، والبعض يتخوف من أن تتسبب في تكرار سيناريو مجاعة 1915-1918 التي مات فيها نصف السكان، وسط توقعات بأن يصل عدد السكان الذين يعيشون على المعونات الغذائية إلى 75% من الشعب بحلول نهاية العام الجاري، ما لم تجد الحكومة حلا يوقف نزيف العملة الوطنية لصالح الدولار وتراجع مؤشرات الاقتصاد.

كيف تحول لبنان إلى دولة فاشلة؟

وزير الاقتصادي اللبناني راؤول نعمة قام منذ يومين في مقابلة مع "سكاي نيوز"، إن الانتكاسة الاقتصادية التي تعرض لها لبنان جعلته دولة فاشلة، فالأزمة الاقتصادية الراهنة أدت إلى انهيار الأشياء الأساسية، نحن ندفع الآن ثمن الإدارة السيئة للاقتصاد والجانب المالي من اختلالات الموازنة وميزان المدفوعات لمدة 30 عاما.. الكثير من الناس الذين كانوا ميسوري الحال باتوا الآن على حافة الفقر.

نعمة وصف لبنان بالدولة الفاشلة، وهو مصطلح يطلق عادة على الدولة التي تفقد السيطرة على أراضيها أو حق استخدام السلاح بداخلها أو تعجز عن تقديم الخدمات الاجتماعية لمواطنيها، وهذا بالفعل هو ما يحدث في لبنان وربما أيضا يحمل في طياته بعضًا من أسباب الأزمة، لبنان منذ عقود طويلة فقد سيطرته على أراضيه التي تحولت إلى صندوق بريد إقليمي ودولي، وساحة للحرب بالوكالة وللعملاء، وحتى السلاح الذي يفترض أن يكون بيد الدولة كدليل على السيادة والهيبة يوجد في يد الجميع، وتحديدا بيد حزب الله الذي لا يفوت مناسبة حتى يذكر بهذا الأمر بل ويلوح باستخدام السلاح في الداخل، وكثيرا ما تسبب حزب الله بنزول ميليشياته إلى الساحات في تعطيل عمل الحكومة أو حتى تشكيلها لفرض سياسة الأمر الواقع وإحكام السيطرة على مفاصل الدولة اللبنانية.

بالنسبة للخدمات، فالحكومات اللبنانية منذ سنوات تعجز عن تقديم العديد من الخدمات الأساسية، فعلى سبيل المثال قطاع الكهرباء الحكومي نتيجة للفساد وغياب التنمية عنه، لا يوفر للبنانيين تغذية بالكهرباء على مدار الساعة، وفي الأغلب يعتمد العديد من المنازل على مولدات خاصة لضمان توفر الخدمة طوال اليوم، إذ أحيانا تصل مدة انقطاع التيار إلى 22 ساعة.

ونتيجة لشح السيولة وانهيار سعر الليرة، رفعت الحكومة مطلع الشهر الجاري، سعر رغيف الخبز "المدعوم" إلى 2000 ليرة من 1500 ليرة، لينضم إلى قائمة عريضة من المواد الغذائية ارتفعت أسعارها منذ نهاية أكتوبر 2019 بأكثر من 56%، ومنذ مارس شهدت بعض المواد الغذائية زيادة تتراوح ما بين 50% و72%.

الليرة اللبنانية فقدت نحو 80% من قيمتها حتى اللحظة، وما زالت تواصل الانهيار ورفع معدلات التضخم بصورة شرسة، جعلت اللبناني يقف عاجزا عن توفير أبسط متطلبات العيش لأطفاله، وبحسب تقديرات البنك الدولي قرابة نصف سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر، فيما حذر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة من أن معدل انتشار الفقر في لبنان سيرتفع إلى 45% خلال العام الجاري، وأن نحو 22% من السكان سيعانون من انعدام الأمن الغذائي، مقارنة بـ16% في عام 2019، أما رئيس الحكومة حسان دياب فقال في نهاية مايو الماضي: إن 50% من الأسر ستصبح عاجزة عن شراء الطعام بحلول نهاية 2020.

وضع صعب بلا إرادة للحل

يرزح لبنان تحت ديون وصلت إلى نحو 90 مليار دولار، أي ما يعادل 170 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، وفي مارس الماضي أعلنت الحكومة عدم قدرتها على الوفاء بالديون المستحقة، وانخرطت في محادثات مع صندوق للاتفاق على خطة إنقاذ مالي بقيمة 10 مليارات دولار، لكن المحادثات تعثرت في مايو الماضي، بسبب خلاف بين الحكومة والبنك المركزي على حجم الخسائر في النظام المالي وكيفية توزيعها، بحسب دياب لبنان يحتاج إلى مبلغ 83 مليار دولار لتعويض الخسائر التي لحقت بالقطاع المصرفي، والبعض يرى أن هذا الرقم مبالغ فيه.

مديرة صندوق النقد كريستالينا جورجيفا قالت الجمعة الماضية، إن وضع لبنان الاقتصادي والمالي الراهن "صعب جدا"، ويحتاج إلى إصلاحات جذرية لتجاوز أزمته الحالية، مضيفة: لم نحقق بعد أي تقدم في المفاوضات لكننا سنواصل انخراطنا مع الحكومة اللبنانية للبحث عن حلول.

لكن الآمال في الوصول إلى حلول تتلاشى وسط فشل النخبة الحاكمة في الاتفاق حول الإصلاحات اللازمة، لإثبات جدية لبنان في الوفاء بتعهداته المالية للمانحين، والمشكلة الأكبر أن هذه النخبة هي جزء من الأزمة، فعلي سبيل المثال أحد هذه الإجراءات المطلوبة كجزء من أي صفقة لصندوق النقد هو قانون يراقب ويمنع هروب رؤوس الأموال من البلاد، وهذه النخبة هي أول من يقاوم صدور مثل هذا القانون وسط مؤشرات على أن الأثرياء استمروا في تحويل أصولهم إلى الخارج طوال الشهور الماضية، في وقت يواجه فيه الأشخاص العاديون قيودًا من بنوكهم على مقدار ما يمكنهم سحبه من مدخراتهم، هذا وفقا لتصريحات للعضو السابق في فريق التفاوض مع صندوق النقد المحلل المالي هنري شاوول، نقلتها صحيفة "واشنطن بوست" منذ يومين.

حزب الله هو أيضا وجه من وجوه الأزمة الاقتصادية في لبنان، نتيجة العقوبات الأمريكية التي تلاحق كل من يتعامل معه أو مع رموزه المدرجة على القائمة السوداء الأمريكية، والأهم أن بعض الدول المانحة للبنان توقفت عن المساعدة لعدم قدرة الحكومة اللبنانية على تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية وتحييده من المشهد السياسي.

ويبدو أن لبنان يسير في نفق مظلم بلا نهاية قريبة، فبالأمس صدر قراراً قضائيا بالحجز الاحتياطي على عدد من عقارات وممتلكات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بناء على دعوى مقدمة من مجموعة من المحامين يتهمونه بالنيل من مكانة الدولة المالية، وحض الجمهور على سحب أموالهم من المصارف، هذا الأمر بالطبع سيكون له صدى سيئ في الخارج لدى الجهات المانحة، ولا مفر لخروج لبنان من أزمته إلا باتفاق على حزمة إنقاذ مع صندوق النقد، وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية لمنع السقوط الحر والانهيار التام.

يقول سايمون نعيمي أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت – في تصريحات لـ"واشنطن بوست"- إن صندوق النقد يطالب بمراجعة حسابات البنك المركزي لتحديد أين ذهبت الأموال المفقودة، وهو أمر يرفضه السياسيون، فهذه المراجعة ستورط على الأرجح المؤسسة السياسية، مضيفا نحن نتجه نحو الانهيار الكامل، ولا توجد إرادة لدى من هم في السلطة لإصلاح الوضع لأنهم "متواطئون".



اضف تعليق