ما هي خيارات الاتحاد الأوروبي في مواجهة سياسات تركيا بشرق المتوسط؟


٢٣ يوليه ٢٠٢٠

رؤية ـ جاسم محمد

تزايدت التوترات بين دول الاتحاد الأوروبي مع تركيا، في أعقاب توسع أنشطة تركيا بالتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص واليونان، عند جزيرة كريت، تعود خلفية هذا النزاع إلى إعطاء تركيا الحق لنفسها التنقيب في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهذا ما حول شرق المتوسط إلى منطقة "مواجهة" ساخنة" بين أوروبا خاصة اليونان مع تركيا، وصلت إلى حافة "المواجهات العسكرية".

الأساس القانوني لتنقيب النفط والغاز شرق المتوسط

بدأت تركيا عمليات تنقيب عن النفط والغاز بالقرب من جزيرة كريت في سبتمبر 2019 إشارة إلى "مذكرة التفاهم" بشأن تقسيم المناطق البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، التي وقعتها في نوفمبر 2019 مع حكومة الوفاق الليبية. لكن هذا الاتفاق، الذي قدمته  تركيا إلى الأمين العام للأمم المتحدة، قوبل بالرفض ليس فقط في اليونان، بل أيضاً في الدول المجاورة الأخرى. وتقول الخبيرة في قانون البحار الدولي "ماتس لوك " توصلت إلى استنتاج مفاده أنه "حتى لو دخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ، فلا يمكن أن يكون له أي تأثير على حساب أطراف ثالثة".

إن الاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية، والذي يتجاهل بشكل تام حقوق اليونان في المناطق البحرية، قد لا يكون له تأثير قانوني على الأقل على الأخيرة. وأن أنشطة تركيا في شرق المتوسط غير قانونية، رغم أن تركيا، تفسر الاتفاقية إلى جانبها في مسألة التنقيب وفقا ًلاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الدولي لعام 1982.

ويرفض الاتحاد الأوروبي ما يعتبره تنقيبًا تركيًا غير قانوني عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص بالإضافة إلى تحركات أنقرة لدعم حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في ليبيا.

اليونان وتركيا.. مواجهة عسكرية محتملة

قالت صحيفة بيلد الألمانية يوم 22 يوليو 2020 إنه كادت أن تقع معركة حربية بين تركيا واليونان، بسبب النزاع حول مخزون محتمل للغاز أمام جزيرة "كاستيلوريزو"، أصغر الجزر اليونانية بجنوب بحر إيجه. وكانت "البوارج البحرية  لكلا البلدين في طريقها للمواجهة كما أن الطائرات الحربية كانت تحلق في الجو، لكن الإنقاذ جاء من ألمانيا بعد اتصال ميركل بالرئيس التركي أردوغان قبل أن يحدث تصعيد. وسبق أن نشرت البحرية اليونانية بوارج عسكرية في بحر إيجه بعدما أعلنت حالة "التأهب" بسبب الأنشطة التركية لاستكشاف الطاقة.

رفض أوروبي إلى أنشطة تركيا شرق المتوسط

وصفت المستشارة الألمانية خطوة التنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص وجزيرة كريت اليونانية بـ"الصعوبة" التي تقف في طريق تحقيق تفاهم دائم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. وطالب وزير الخارجية الألماني مجددا تركيا بالتوقف عن عمليات التنقيب قبالة سواحل قبرص، متحدثًا من اليونان عن أنّ العلاقات المتوترة مع تركيا يمكن أنّ تتحسن إذا أوقفت أنقرة "الاستفزازات" في إشارة إلى التنقيب التركي عن الغاز في شرق المتوسط والذي يعتبره الاتحاد الأوروبي غير شرعي. وقال الوزير هايكو ماس خلال زيارة لأثينا "بخصوص التنقيب التركي في شرق المتوسط، لدينا موقف واضح جدًا... يجب احترام القانون الدولي. إحراز أيّ تقدم في علاقات الاتحاد الأوروبي بتركيا سيكون ممكنًا فقط إذا أوقفت أنقرة الاستفزازات في شرق المتوسط".

تأتي العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا على رأس أجندة رئاسة ألمانيا للاتحاد الأوروبي. وفي كلمة لها أمام البرلمان الألماني "بوندستاغ" قالت المستشارة ميركل في الأول من يوليو2020: "نحن بحاجة إلى اتباع استراتيجية منسجمة حول مستقبل العلاقات مع تركيا". كما أشارت ميركل إلى وجود قضايا متعددة الاتجاهات مع تركيا بدءاً بسوريا مرورا بليبيا وانتهاء إلى مشكلة اللاجئين وحقوق الإنسان.

أردوغان يُدخل شرق المتوسط في مسار محفوف بالمخاطر

أدخلت طموحات تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​(ليبيا، حقول الغاز قبالة قبرص واليونان) العلاقات الفرنسية التركية في مسار محفوف بالمواجهات، كاد أن يتحول مؤخرا إلى احتكاك عسكري خطير بين القوات البحرية للبلدين في شرق المتوسط قبالة الشواطئ الليبية وبالضبط في العاشر من يونيو 2020. حادث سلط الضوء على الانقسامات داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، الذي وقف محرجا أمام نزاع بين اثنين من أكبر أعضائه.

لقد تحول شرق المتوسط إلى ساحة "مواجهة" جديدة لعدد من الأطراف الدولية والإقليمية بسبب حقول الغاز قبالة سواحل إسرائيل ومصر وقبرص، ناهيك عن مشروع خط أنابيب غاز "إستميد" بين قبرص وإسرائيل واليونان وإيطاليا، والذي يتوقع الخبراء أن يصدر 16 مليار متر مكعب من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي.

السؤال: ما هي الخيارات المطروحة أمام الاتحاد الأوروبي في مواجهة سياسات أردوغان؟

تبقى خيارات الاتحاد الاتحاد الأوروبي محدودة جدا بسبب الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي، واختلاف الأولويات والمصالح. لذا فإن الخيارات الأوربية لا تتجاوز غير التلويح بالعقوبات الاقتصادية، وربما تجميد تصدير الأسلحة، وعدم مناقشة ملف تقديم تركيا إلى عضوية الاتحاد.

لكن في الحقيقة، أن أوروبا، وخاصة ألمانيا، لا تريد أن "تشعل" المواجهة مع أردوغان، بسبب العلاقات الاقتصادية وتداعياتها على الشركات الأوروبية والألمانية، ما عدا ذلك تخشى ألمانيا ودول أوروبا من تحريك أردوغان ورقة الجاليات التركية في ألمانيا وأوروبا، بإثارة الشغب وزعزعة الأمن داخليًا.

تبقى أوروبا وألمانيا حريصة على إبقاء الحوار والعلاقات الدبلوماسية مع تركيا، في جميع الحالات ومنها التصعيد الذي يشهده شرق المتوسط.

فرغم تصعيد التوتر في شرق المتوسط، فيبدو أن أوروبا، وخاصة ألمانيا، باعتبارها تترأس المجلس الأوروبي لهذه الفترة، سوف تحرص على تجنب أي مواجهة عسكرية، أو تصعيد خاصة شرق المتوسط، وهذا يعني أن أوروبا، سوف تسعى على استمرار الحوار الدبلوماسي مع أنقرة من أجل تهدئة الوضع.


اضف تعليق