الجلوة العشائرية في الأردن.. تحد قديم متجدد لدولة القانون وابتلاء للمجتمع


٢٨ يوليه ٢٠٢٠

رؤية - علاء الدين فايق 

عمّان - بين فترة وأخرى، تبرز قضية "الجلوة العشائرية في الأردن" للسطح، وتتصدر حديث وسائل الإعلام وألسنة كبار المسؤولين في الدولة، في ظاهرة أثرت بشكل سلبي على ترابط المجتمع على نحو يراه البعض "ابتلاء لا يتناسب في دولة القانون والمؤسسات" 

فقد دعا رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز، لمعالجة الآثار السلبية الناجمة عن "الجلوة العشائرية" وإيجاد حلول عادلة لها، تضمن حماية المجتمع وحقوق الأفراد.

وترأّس رئيس الحكومة الإثنين اجتماعاً، موسعا، لبحث الآثار السلبيّة لموضوع الجلوة العشائريّة.

ودعا الرزّاز خلال الاجتماع إلى إجراء حوار مجتمعي شامل يبحث أنجع الحلول لمعالجة التأثير السلبي للجلوة العشائرية على الأفراد والمجتمع، تشارك فيه جميع الفعاليات الشعبيّة والنقابيّة والحزبيّة والأكاديميّة، ومؤسسات المجتمع المدني المعنيّة بحقوق الإنسان، والمرأة، والجهات ذات العلاقة من جميع أرجاء المملكة.

وحضر الاجتماع، وزراء الداخلية، والشؤون السياسية والبرلمانية، والعدل، والدولة للشؤون القانونية، ومدير الأمن العام، ورئيس ديوان التشريع والرأي.

وقال الرزاز: إنّ الجلوة العشائريّة ما زالت تؤثر سلباً على حياة الكثير من الأسر والمجتمع، ومن الواجب بحث حلول عمليّة عادلة وقابلة للتطبيق، خصوصاً ونحن على مشارف مئويّة الدولة الأردنيّة.

وأوعز الرزّاز بهذا الخصوص لوضع خطّة شاملة لمعالجة هذه الآثار السلبيّة لهذه العادة، بما يضمن أسس العدالة، ومراعاة الحقوق، وبما يتوافق مع عادات المجتمع الأردني الأصيل، وتقاليده وقيمه الحميدة، ومصالح جميع أبنائه في مدنه وأريافه وبواديه.

ويعد ملف الجلوة العشائرية من أكبر التحديات التي واجهت الحكومات الأردنية المتعاقبة. 

ومنذ عودته وزيرا للداخلية قبل نحو عامين، يكافح سلامة حماد، في نطاق التوجه الحكومي لإقرار "ميثاق شرف وطني" يهدف لإعادة تنظيم وضبط السلوكيات السلبية في العادات العشائرية,

ويسعى حماد لإقرار قانون ينص على أن تكون الجلوة بحق الجاني ووالده ونجله فقط من دون أن تشمل أقرباء الجاني حتى درجته الرابعة أو الخامسة في كثير من الحالات.

مفهوم الجلوة العشائرية

وتعرف الجلوة العشائرية، بأنها "القيام بترحيل أهل الجاني وخمسته (أي حتى الجد الخامس) من المنطقة التي يسكنها إلى منطقة بعيدة عن أهل المجني عليه، وذلك للمحافظة على أرواح وممتلكات أهل الجاني وعدم وقوع المشاكل وخاصة في الساعات الأولى من وقوع الجريمة والتي تسمى عند القبائل والعشائر (فورة الدم)، ويتم ذلك من خلال تهدئة النفوس عند أهل المجني عليه وتعتبر الجلوة عقوبة عشائرية ضد الجاني وخمسته وخاصة أيام القبائل والعشائر قديماً.

وتتم الجلوة بـ"تكليف إحدى العشائر بأخذ عطوة عشائرية حسب العوائد المتبعة عند القبائل والعشائر وتكون هذه العشيرة هي المسؤولة عن حماية أهل الجاني من الاعتداء عليهم من قبل أهل المجني عليه ولحين التوصل إلى حل يرضي الجميع، وتسمى هذه العشيرة هي (بصاحبة الوجه) أي أن أهل الجاني بوجه هذه العشيرة وهم بحمايتها حتى إتمام الصلح العشائري".

ولا يمر شهر تقريبًا من دون وقوع جلوة عشائرية، حينما تقع جريمة قتل سيما في أوساط ومناطق العشائر، وقد مضى على بعض العائلات عشرات السنين من مغادرتهم منازلهم وأملاكهم وعجزت كل حلول إعادتهم لها.

ومع أن الأردن ألغى القضاء العشائري عام 1976، يلاحظ أنه ما يزال حاضراً وبقوة على الصعيد الاجتماعي، سيما في جرائم القتل.

مبررات قانونية

يجمع خبراء قانونيين ومنظمات مجتمع مدنية ومؤسسات حقوقية على أن للأردن "مبررات" قانونية وإنسانية لإنهاء عُرف الجلوة العشائرية.

وفي تصريحات سابقة، قال المفوض العام السابق للمركز الوطني لحقوق الإنسان، موسى بريزات، إنه يعتبر الجلوة العشائرية "ابتلاءً، لا يتناسب مع صورة الأردن حيث إن الجلوة تنتزع من الأشخاص حقوقهم الأساسية".

وهناك مسوّدة القانون المعدّل (2016) لقانون منع الجـرائم (1954)، التي ما تزال في ديوان التشريع والرأي، تُعرف الجلوة على أنها "ترحيل ذوي الجاني عن المنطقة التي يقيم فيها ذوو المجني عليه".

وقال بريزات إنه "من المهم للدولة والمجتمع أن يكون هنالك إجراء حاسم في إنهاء ظاهرة الجلوة... يجب تطبيق القانون بموجب شخصية وفردية الجريمة، ولا يطبق كعقاب جماعي".

وأضاف "على الدولة أن تفكر بتجاوز مسألة الجلوة؛ لأن صلاحيتها انتهت منذ زمن. على الدولة أن تقوم بتطبيق القانون خارج مفهوم الجلوة العشائرية"، وفقا لبريزات. الذي حذر من "قوننة الجلوة بقانون يسيء إلى صورة الأردن، ويمس سيادة القانون".

أما رئيس ديوان التشريع والرأي السابق، نوفان العجارمة، قال: إن الدولة "تقوم بتنفيذ الجلوة؛ لأنها هي من تجلي الناس... يجب أن تتغير بعض الأعراف، ومنها الجلوة في وجود مفهوم الدولة".

ويرى العجارمة أن "الجلوة في عام 2020 أصبحت نوعا من العقاب الجماعي والمجتمعي... للأسف فشلت كل المواثيق التي وضعت لحل إشكالية الجلوة العشائرية".

هيومن رايتس: الجلوة تشريد

في آواخر عام 2019، انتقدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الجلوة العشائرية في الأردن كونها تعني استمرار إجبار أقارب أسر المتهمين بالقتل في الأردن على الرحيل من منازلهم بموافقة السلطات.

وتُجلي السلطات أفراد أسر القتلة المتهمين من منازلهم مؤقتا لردع الهجمات الانتقامية المحتملة.

وقال نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة، مايكل بَيْج في حينه: إن "على السلطات الأردنية أن تمنع الهجمات الانتقامية، لكن إجلاء الأبرياء قسرا عن منازلهم ليس هو السبيل. الممارسات التي تنتهك الحقوق الأساسية ليست من القانون الأردني وعلى المسؤولين المحليين ألا ينفذوها".



اضف تعليق