الأقصى بين "صفقة القرن" و"آيا صوفيا"‎


٢٨ يوليه ٢٠٢٠

كتب - محمد عبدالكريم

القدس المحتلة - "الاعتداء على المساجد يتم في إطار سياسة مبرمجة تهدف إلى تأجيج الصراع، وفرض أمر واقع على الأرض المحتلة"، هكذا وصف المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية -خطيب المسجد الأقصى المبارك الشيخ محمد حسين- إحراق المستوطنين الصهاينة مسجد البر والإحسان في مدينة البيرة فجر اليوم الإثنين.

ما قاله حسين يتفق مع تحذير خطيب المسجد الأقصى الشيخ محمد حسين، من خطورة الدعوات الإسرائيلية لاقتحام المسجد الأقصى يوم الخميس القادم، عشية حلول عيد الأضحى، بهدف تدنيسه لتنفيذ مخططاتهم الصهيونية فيه.

الأقصى بين قرارات "حكومة الاحتلال" وصفقة القرن

ونشر المتطرف يهودا جليك على الشبكة العنكبوتية مقطع فيديو أثناء اقتحامه للأقصى قبل أيام، وهو يؤدي صلواته بالعبرية في الأقصى، كما ظهر في فيديو آخر لرئيس مدرسة جبل الهيكل إلياهو ويبر وهو يصلي بالعبرية بشكل علني ويرفع صوته، وتعمل جماعات الهيكل على تحقيق ذلك منذ نجاحها في خطوة الاقتحامات الجماعية، وطلبت من الحكومة الإسرائيلية آنذاك تمكين المتطرفين من أداء طقوس دينية.

ومع طُرح أجندة التقسيم الزمني التام 2013، حاولت حكومة بنيامين نتنياهو فرضها بتخصيص الأقصى للمقتحمين وحدهم خلال موسم أعياد رأس السنة العبرية وعيد العُرش، وهو ما أدى إلى انطلاق هبّة القدس، وإلى تراجع نتنياهو بفرض حظر شامل على اقتحامات الشخصيات الرسمية2015 ، بعد ذلك عام 2019، فرضت شرطة الاحتلال على حراس المسجد الأقصى الابتعاد التام عن المقتحمين حتى لا يتمكنوا من تصويرهم، وكان الهدف الواضح من ذلك هو تمكينهم من أداء الطقوس، وشهد ذلك العيد ترديد صلوات جماعية وأداء طقوس في مختلف أنحاء الأقصى، وإدخال قرابين نباتية تعرف بـ"ثمار العرش".

وبعد إعادة فتح الأقصى عقب فترة الإغلاق بسبب وباء كورونا، كثّف المتطرفون محاولاتهم لأداء الطقوس، وباتوا يشجعون الأطفال الذين يصطحبونهم في الاقتحامات على أداء طقس الانبطاح أو ما يعرف بـ"السجود الملحمي"، بحيث يتمكنون من أداء ما تبقى من الطقوس التعبدية كاملة، حيث أخذت شرطة الاحتلال تقلص صلاحيات دائرة الأوقاف في الأقصى بشكل تدريجي وبقوة السلاح.

وهذا ما وعدتهم به صفقة القرن، لذلك هم يسابقون الزمن للوصول إلى فرض كامل الطقوس بما فيها ذبح قربان عيد الفصح في قبة السلسلة، وتقديم قرابين العرش، وإدخال الشمعدان ولفائف التوراة والنفخ بالبوق، بما يمكنهم من أداء شعائر مكتملة الأركان في الأقصى، وكل طقس يؤدونه يعتبرونه تقدما ينتقلون منه نحو ما هو أبعد.

وفي صفقة القرن في الصفحة 16 من نصها الإنجليزي، نصت على الآتي "الناس من كل الديانات يجب أن يسمح لهم بالصلاة في جبل الهيكل/ الحرم الشريف، بما يحترم دينهم بشكل تام، آخذين في الاعتبار أوقات الصلاة لكل دين وأيام أعياده".

كما نصت "صفقة القرن" على اعتبار الاحتلال "راعيا جيدا للمقدسات" التي يجب أن تبقى بيده وحده، ولا تذكر الأوقاف أو الأردن صراحة ولا تلميحا في كل ما يتعلق بالقدس.

إسرائيل تحاول إضفاء طابع الحرب الدينية بدلا من صفة الاحتلال

في اللحظة التي يسرِّع فيها بنيامين نتنياهو تكثيف عمليات السيطرة والتهويد، ويمهّد لضمّ الضفة الغربية والأغوار، جاءت خطوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا من متحف إلى مسجد مبرِّرًا كافيًا لـتهويد الأقصى، علمًا بأنّ الصهيونية قادرة على ابتكار الذرائع لتهويد الأقصى، ما دام الإسلام قد جاء بعد اليهودية، ويمكن الادّعاء أنّ المسجد بُني على أنقاض الهيكل، وأما ذرائع الأتراك لـ""أسلمة" آيا صوفيا فلا تصلح في المطلق؛ لأنّ الإسلام جاء بعد المسيحية، ولا يمكن الادّعاء أنّ الكنيسة قامت على أنقاض مسجد.

ثمة مَن يخشى أن يكون قرار أردوغان فاتحةً للتلاعب بالعصبيات الدينية والطائفية على مستوى الشرق الأوسط كله، وهذا ما أكده المحلل والكاتب السياسي التركي جواد غوك، بقوله: "بالتأكيد قد تمتد الانعكاسات السلبية والسجال الديني حول تحويل آيا صوفيا إلى مسجد على حساب المسجد الأقصى وتسريع وتيرة تهويده من قِبل الاحتلال الإسرائيلي". فضلًا عن عزم إسرائيل ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية في الوقت الراهن.

ويشير مصطلح تهويد القدس والأقصى إلى مساعٍ لم تخفها سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود لتوطين أكبر عدد من اليهود في المدينة القديمة مقابل الضغط على الفلسطينيين لتحويلهم إلى أقلية، فضلًا عن تغيير المعالم العربية للمدينة وطمسها، لفرض سياسة "الأمر الواقع"، حسب توصيف منتقديها.

ويتابع غوك: "تناور الحكومة التركية بشكل مستمر باستخدام القضايا الدينية في خدمة أهدافها السياسية، وعلى الرغم من إعلان الرئيس أردوغان ومؤسسات تركية قبل عام ضرورة التأني وحساب التداعيات في ما يتعلق بتحويل (آيا صوفيا) من مُتحف إلى مسجد، خوفًا من احتمال استغلال الخطوة من قبل اليمين المتطرف في أوروبا للهجوم على المساجد التركية في القارة العجوز، وكذلك الإضرار بالقضايا الإسلامية بشكل عام ومنها القضية الفلسطينية، فإنه يبدو أن الضغوط والتحديات التي يواجهها في أغلب الملفات الخارجية مثل ليبيا وسوريا والعراق، سرّعت من وتيرة القرار لاستعادة شعبية متراجعة".

وعبّر أردوغان -أكثر من مرة- عن دعمه تحويل المَعْلم إلى مسجد، وهو يُعرف بحنينه إلى الإمبراطورية العثمانية، ويسعى للحصول على دعم القاعدة الانتخابية المحافظة في ظل الأزمة الاقتصادية المترتبة على تفشي فيروس كورونا المستجد.

وبحسب مراقبين أيضًا فإن الموضوع سياسي صرف وليس دينيًّا، فبالنظر إلى تعامل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نرى كيف كانت طريقة التعامل مع المقدسات غير الإسلامية، فمثلا عمر بن الخطاب منح المسيحيين الأمان على أنفسهم وكنائسهم ورفض حتى مجرد الصلاة في الكنيسة خوفًا أن يحولها مَن يأتي بعده إلى مسجد، وهذا سلوك كان قبل 14 قرنًا، والمفترض اليوم أن يكون الأمر أكثر مرونة وتسامحا، فالموضوع لا يعد كونه مناورة سياسية من أردوغان القابع في الحكم منذ 17 عاما، لأنه وفي العام الماضي خسر أكبر المدن التركية في الانتخابات البلدية، الوضع الاقتصادي أدى إلى انتقادات من داخل حزبه أبرزها تهم الفساد.


اضف تعليق