التقاريرسياسة

الصراع الإسرائيلي الإيراني.. توازن القوى وتطورات التسليح والدعاية

كتب – د محمد عبدالدايم

في إبريل الماضي أُعلن أن مرفق مياه الشرب والصرف الصحي في إسرائيل قد تعرضت لهجمات سايبرانية سببت مشاكل في أنظمة التشغيل وعمليات ضخ المياه، ولم يكن هذا هو الهجوم الأول من نوعه.
بعد هذا الحادث نقلت شبكة فوكس نيوز الأمريكية أن الحادث مُدبر ومنفذ بتخطيط إيراني، وكرد فعل تعرض ميناء الشهيد رجائي في مضيق هرمز لهجوم سايبراني مماثل، وجاء – على ما يبدو – كرد على الهجوم الذي استهدف مرافق المياه الإسرائيلية، وهذا الهجوم السايبراني هو الثالث الذي يستهدف موانئ إيرانية منذ عام 2019.
الصراع الإلكتروني بين إسرائيل وطهران

في يونيو الماضي نشر معهد دراسات الأمن القومي تقريرًا حول الصراع السايبراني بين إسرائيل وإيران، وتناول كاتبا التقرير دافيد سيمان طوف وصموئيل إيفن حوادث الهجوم السايبراني على البنى التحتية المدنية، باعتباره تطورًا كبيرًا في مراتب الصراع بين إسرائيل وإيران، رغم أن مثل هذه الهجمات ليست جديدة، لكنها أصبحت مؤخرًا موجهة ضد الأهداف المدنية الحيوية، وتتسبب بفوضى كبيرة.

الصراع بين الطرفين تحول إلى منافسة كبيرة في مجالات التسليح التكنولوجي، مع سعي كل منهما لبسط سيطرته على المنطقة المحيطة به في الشرق الأوسط، وهذا الصراع يبدو أنه لم يصل إلى ذروته بعد، فرغم أن وباء كورونا المستجد قد أثّر بشكل كبير على الاستعدادات العسكرية، وميزانيات التسليح، وترتيب الأولويات؛ فإن كل من تل أبيب وطهران تضعان الصراع بينهما في صدارة جدول الأعمال “الأمني” والسياسي اليومي.
حرب بين الحروب
تختلف الحرب السايبرانية عن الحروب التقليدية في طريقة إدارتها واستراتيجية تنفيذها، حيث يكون الصراع السايبراني مُحاطًا بالغموض والسرية، ويتم تنفيذ الهجمات بدون إعلان طرف ما مسؤوليته، إلا في حالة وجود مصلحة في الكشف عن المعلومات المتعلقة بالهجوم، وعادة تتمثل المصلحة في الدعاية للطرف المنفذ للهجوم، والسعي لتثبيط الطرف الآخر، خصوصًا إذا كان هذا الطرف يمارس سياسة “تعمية” الرأي العام والجمهور، وهذا ما تقوم به السلطات الإيرانية مع شعبها.
كما أن الصراع السايبراني لا يمثل حالة حرب قائمة، بل تسمى الهجمات السايبرانية بـ”الحرب بين الحرب”، لأنها تسمح للمهاجمين بالتصرف عن بعد، وبسرية، تجنبًا لخسائر بشرية، أو لوجستية كبيرة، وكذلك تجنبًا لإلحاق أذى كبير لدى الطرف الآخر يدفعه للتصعيد المباشر.
دودة ستوكسنت تهاجم إيران
في هذا السياق يُذكر الهجوم السايبراني الإسرائيلي المعروف بـ”هجوم ستوكسنت” الذي استهدف في عام 2010 أنظمة التحكم وتحصيل البيانات العاملة في مواقع نووية إيرانية، مثل مفاعل بوشهر ومفاعل تخصيب اليوارنيوم في نطنز.
“ستوكسنت “Stuxnet عبارة عن دودة فايروسية حاسوبية تصيب برامج الويندوز، وجرى تطويرها في الولايات المتحدة منذ عام 2005، كما نشرت واشنطن بوست في حينه معلومات عن عمل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل لتطوير هذا الفيروس، ولم تُعلن إسرائيل في حينه مسئوليتها عن الهجوم، الذي سبب مشكلة كبيرة في آلية عمل أنظمة النووي الإيراني، خصوصًا إفشال أنظمة الطرد المركزي.
قلق إسرائيل واستعادة السيطرة
الهجوم على مرافق المياه سبب قلقًا لدى إسرائيل، بسبب توقيته على وجه الخصوص، حيث جاء في وقت ذروة تفشي وباء الكورونا، ومع خروج تقارير تتناول هجمات أخرى على معاهد البحوث التقنية التي تتعامل، من بين أشياء عدة، مع تطوير لقاحات مضادة للفيروس، واعتُبرت هذه الهجمات جاءت بهدف التسبب في التدمير، وليس نقل المعلومات.
لم تعلن إيران بالطبع مسؤوليتها عن أي من الهجمات الأخيرة، فيما أصبحت طهران قوة كبيرة في مجال التسليح السايبراني والحروب الإلكترونية، خصوصا بعد ما سببته لها إسرائيل من أضرار في 2010، فالحرب السايبرانية أصبحت بالنسبة لإيران جزءًا من صراعها الاستراتيجي الذي تخوضه ضد جبهات متعددة، على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، وهذا التسليح الإلكتروني ليس بديلا عن إجراءاتها الحركية، وإنما يمثل لها قدرات إضافية على مستوى الهجوم، ومستوى الدفاع عن مواقعها النووية والعسكرية، والبنى التحتية في الوقت نفسه.
القوة الإيرانية المتصاعدة في مجال التسليح السايبراني ما تزال على مسافة بعيدة عن مستوى الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها تتحرك برهان الاستمرارية في التحديث، وتكثيف الهجمات ضد أهداف مدنية أو عسكرية إسرائيلية، خصوصا مع توسع الأخيرة بشكل كبير في التحول الرقمي والإلكتروني.
من هنا جاء الهجوم الإسرائيلي على ميناء الشهيد رجائي، بهدف إحداث فوضى كبيرة لدى إيران، وبهدف توصيل رسالة ردع مفادها أن إسرائيل تواصل العمل على تطويع التكنولوجيا بهدف توسيع الفارق مع إيران، لتصبح تل أبيب القوة الأكبر في المنطقة التي تملك أسلحة سايبرانية.
الانفجارات الغامضة: حوادث عادية أم خروق أمنية
كان الانفجار الذي وقع في نظنز مطلع هذا الشهر هو الأبرز بين سلسلة انفجارات أخرى “غامضة” تعرضت لها مواقع إيرانية خلال الأسابيع الماضية، حيث وقعت انفجارات واشتعلت حرائق في موقع عسكري وعشرة مواقع صناعية، وفي البداية أعلنت إيران أنها مجرد “حوادث عادية”.

رغم الرد الرسمي على الحوادث؛ فقد خرج جواد كريمي القدوسي، عضو لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني والعضو السابق بالحرس الثوري، ليصرح بأن انفجار نطنز الذي وقع في الثاني من يوليو نتج عن “خرق أمني”، ولم يفسر تصريحاته بشكل واضح، لكنه اعتبر أن هذا الخرق يبدو من الداخل، حيث لم تظهر شظايا أو علامات تشير إلى أن الموقع تعرض لضربة من الخارج.

تصريحات القدوسي، التي أثارت غضبًا سياسيًا في إيران، لأنها جاءت مخالفة للرواية الرسمية، سببت حالة إضافية من الغموض على المشهد، فتعددت الروايات المفسرة لسبب الانفجارات، مثل الهجوم المباشر بطائرة إسرائيلية بدون طيار (درون)، أو هجوم صاروخي (أمريكي أو إسرائيلي بطبيعة الحال)، أو تخريب داخلي متعمد، أو بسبب أخطاء داخلية مع وجود عيوب فنية وضعف عوامل الأمان، أو هجوم سايبراني إسرائيلي أو أمريكي، أو مشترك بينهما، بل حتى وصل الشك لفكرة زرع عملاء لقنابل بالمواقع.
تثبيط التطلع النووي الإيراني
على كل؛ بحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن هذه الانفجارات سوف تؤدي إلى إبطاء التسارع النووي الإيراني، وتأخير يصل إلى عامين، حيث نقلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) أن الضرر بموقع نطنز “جسيم”، حيث تسبب الانفجار في تدمير شبه كامل للمبنى الذي يُعتبر أكبر منشآت تخصيب اليوارنيوم، وتصنيع أجهزة الطرد المركزي.
استهدفت الحرائق والانفجارات “الغامضة” الأخيرة مواقع نووية وعسكرية وصناعية، بما ينفي الرواية الإيرانية الرسمية التي أعلنت أن الأمر لا يزيد عن كونه “حوادث عادية”، وبالتأكيد تتوجه أصابع الاتهام للولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تتعاونا بشكل مكثف في مجال تطوير تقنيات الهجمات السايبرانية، وأنظمة الدفاع الإلكتروني.
تنسيق أمريكي إسرائيلي ضد إيران
  

النفي، المتواري، من إسرائيل عن مسئوليتها جاء على لسان وزير الخارجية جابي أشكنازي، الذي صرح بأن إسرائيل “تتخذ إجراءات لا يجب التصريح عنها، فيما قال وزير الدفاع بيني جانتس: “ليست كل حادثة تقع في إيران تكون مرتبطة بإسرائيل”.

جاءت زيارة أركان الجيش الأمريكي مارك مايلي لإسرائيل في هذا الوقت تحديدًا بشكل مفاجئ لتدفع نحو تعضيد الاتهام للولايات المتحدة وإسرائيل بمسئوليتهما المشتركة عن انفجارات إيران وحرائقها، خصوصًا وأن زيارة مايلي جاءت في وقت تفشي كورونا، وما يصاحب الموجة الثانية من أزمة اقتصادية ومظاهرات جماهيرية، كما اقتصرت الزيارة على إسرائيل وحدها، حيث هبطت طائرته بقاعدة 28 نيفاطيم الجوية، الواقعة في بئر السبع، والتقى نظيره الإسرائيلي أفيف كوخافي، ووزير الدفاع بيني جانتس، رئيس الحكومة المناوب، إلى جانب رئيس الموساد إيلي كوهين، كما التقى عبر الفيديو كونفرانس مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
زيارة مايلي المفاجئة تركت تساؤلات كثيرة، تتعلق بالحوادث التي جرت في إيران مؤخرًا، وتتعلق أكثر بنوايا إسرائيل في الفترة القريبة المقبلة، خصوصًا قبل الانتخابات الأمريكية، فربما يدفع نتنياهو نحو تنفيذ هجمات أكبر على إيران، مستغلا الفترة الباقية في ولاية دونالد ترامب، ومستغلا الأزمة الاقتصادية والصحية المُدمرة التي تواجهها إيران مع تفشي وباء الكورونا.
ربما جاءت زيارة ما يلي لمناقشة تداعيات الحوادث التي وقعت في إيران، والتباحث حول الفرص السانحة لتوجيه ضربات جديدة تؤخر البرنامج النووي، وتضغط أكثر على السلطة الإيرانية التي تواجهها أزمات كبيرة داخلية وخارجية.
استمرار دفع إيران خارج سوريا

بالتوازي مع الحوادث “الغامضة” والهجمات على مواقع إيرانية، استمرت إسرائيل في تنفيذ غاراتها الجوية على مواقع سورية تتمركز بها قوات تابعة لإيران، في القنيطرة ودرعا وحلب ودير الزور وحماة ودمشق، ما أسفر عن مقتل العشرات من أفراد القوات الإيرانية، وتدمير مستودعات أسلحة وذخيرة، حيث تستمر إسرائيل في تنفيذ غارات جوية تجهض الوجود الإيراني في سوريا شمالا.

إطلاق أوفيك 16 لتدعيم قدرات التجسس

من بين عوامل التفوق الإسرائيلي على إيران مؤخرًا إطلاق القمر الصناعي أوفيك 16، الذي أطلقته إسرائيل مؤخرا، وهو ليس أول أقمارها الصناعية المسماة بـ”أوفيك” (أُفُق)، وكان آخر الأقمار التجسسية التي أطلقتها إسرائيل هو أوفيك 11 في عام 2016، وأطلقت أول أقمارها الصناعية إلى الفضاء عام 1988.

القمر الجديد نتاج مشروع مشترك بين قسم الفضاء بوزارة الدفاع الإسرائيلية وبين شركة صناعات الفضاء، ويتيح ميزات كبيرة لإسرائيل، حيث يمنحها قدرة على مراقبة الشرق الأوسط بأكمله، حيث يتمتع بقدرات الاستطلاع البصري الإلكتروني، ويرصد ما يجري على الأرض بدقة، ونقلت مصادر عن الجيش الإسرائيلي إن القمر أوفيك 16: “يمنح إسرائيل قدرات استخباراتية كبيرة تضاهي قدرات الدول العظمى”.

المهمة الرئيسة للقمر الجديد ستكون – بلا شك- مُركزة على مراقبة إيران، والتقاط تطورها في برنامجها النووي، وقدراتها الصاروخية، ويضع مزيدًا من الضغوط على طهران لمواجهة التفوق الإسرائيلي، ومحاولة مجابهته بالتقنيات السايبرانية أو التسليح التقليدي.
مسلسل طهران والدعاية لتفوق إسرائيل

في إطار المواجهة المستعرة بينهما، وبالتوازي مع التطوير الإلكتروني، تتحرك إسرائيل للترويج الدعائي لقدراتها بإطلاق المسلسل الجديد المُسمى “طهران”، الذي بدأت قنات كان 11 في بثه منذ أسابيع، ويُعرض كذلك حصريا على منصة “أبل تي في بلاس” (Apple TV )، كما أن قناة كان بثت 4 حلقات من المسلسل على موقعها بالعربية.

المسلسل – ابتداء من اسمه- تنطلق أحداثه من خضم الصراع الإسرائيلي الإيراني، وتدور أحداث حبقاته حول عميلة تابعة للموساد تخترق الداخل الإيراني، في مهمتها الميدانية الأولى، لتفكيك الدفاعات الجوية الإيرانية، كي تتمكن إسرائيل من ضرب المنظومة النووية وحرمان طهران من صنع القنبلة الذرية.

المسلسل الإسرائيلي تؤدي فيه دور البطولة الممثلة الشابة نيف سلطان، باسم تمار رابنيان، ودرست اللغة الفارسية قبل تأديتها دور يهودية من أصل إيراني تدخل طهران لتنفيذ مهمتها، ثم تقع في حب شاب إيراني معارض للسلطات ومؤيد للديمقراطية، ويشارك في المسلسل ممثلان من أصل إيراني.

يقدم المسلسل دعاية متوهجة للتفوق الإسرائيلي، الاستخباراتي والعسكري، حيث ينجح الموساد في اختراق الجانب الإيراني، وتتحرك العميلة بثقة، معتمدة على ملامحها الشرقية ولغتها الفارسية الجيدة، لتضع إسرائيل في قلب طهران، وتظهر إيران في المسلسل بؤرة ديكتاتورية بمشهد افتتاحي لإعدام في ميدان عام، ومشاهد أخرى توضح الفقر والأزمات الاجتماعية الكبيرة الناتجة عن السلطوية الحاكمة.

التفوق الإسرائيلي والبحث الإيراني عن مخرج

من المؤكد أن فصولا أخرى من الصراع الإسرائيلي الإيراني لم تبدأ بعد، وكل يوم يأخذ هذا الصراع شكلًا جديدًا، سواء من خلال تطوير التسليح، أو المنافسة الإلكترونية والهجمات السايبرانية، أو الضربات المتبادلة، أو على مستوى تجديد الخطاب الموجه للداخل، أو للخارج، وفي حين تدفع إسرائيل نحو تكثيف الضربات الاستباقية لإيران؛ يبدو أن الأخيرة تحاول الخروج من مآزقها السياسية الداخلية والخارجية، وأزماتها الاجتماعية والاقتصادية، ويمكن أن يكون صدى أي هجوم مضاد لإسرائيل هو المفتاح الذي تبحث عنه طهران لتبييض وجهها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى