مكافحة الإرهاب في بلجيكا.. مزيج من الوقاية والحماية


٠٤ أغسطس ٢٠٢٠

كتب - جاسم محمد

صعّدت أجهزة الاستخبارات البلجيكية من نوعية الإجراءات التي تتخذها في مجالات مكافحة الإرهاب والتطرف، منذ عام 2016، في أعقاب موجة الإرهاب التي ضربت أوروبا. وقد منحت الحكومة اجهزة الاستخبارات الحق في مراقبة المكالمات الهاتفية إلى بلدان أخرى وتمكين عناصر المخابرات من الاستفادة من هويات وهمية لحماية عملائهم.

وافق البرلمان البلجيكي خلال عام 2018 على تعديلات تشريعية تعطي لإدارة شؤون الأجانب والهجرة الحق في طرد الأجانب الذين يهددون الأمن العام والأمن الوطني، حتى لو كان هؤلاء الأشخاص قد ولدوا على التراب البلجيكي، أو نشأوا فيها. وفي هذا السياق وافق البرلمان البلجيكي أيضا خلال عام 2019 على تعديلات تشريعية تعطي لإدارة شؤون الأجانب والهجرة الحق في طرد الأجانب الذين يهددون الأمن العام والأمن الوطني، حتى لو كان هؤلاء الأشخاص قد ولدوا على التراب البلجيكي، أو نشأوا فيها.

محاربة التطرف مجتمعيا

شكّلت الحكومة البلجيكية مجموعات من الموظفين داخل البلديات المحلية هيئة العلاقات مع الجاليات في أعقاب موجة الإرهاب التي شهدتها بلجيكا عام 2016، تقوم بالتنسيق بين الجاليات ومؤسسات المجتمع المدني مع أجهزة الشرطة والأمن البلجيكية في البلديات المحلية، وهي محاولة من الحكومة في إيجاد "إنذار مبكر" إلى التطرف والإرهاب.

ويقول الخبير في الشؤون البلجيكية "بول فانوف" -في تقرير صادر في 23 أكتوبر، بعنوان: هل تنجح بلجيكا في الحد من الهجمات الإرهابية؟- "يفرض القانون الصادر في 30 يوليو 2018، الذي وضع حدًّا للطبيعة غير الملزمة لخلايا الأمن المتكاملة، تعيين مسؤول عن مواجهة التطرف الذي يتولى وظائف إدارية أخرى داخل كل بلدية، وخبير محلي معين إما في إدارة الوقاية أو الأمن أو في إدارة الخدمات الاجتماعية. ويتعيّن على الأول تطوير نهج أمني، والثاني تطوير نهج يتعلق بكيفية التعامل داخل المجتمع".

صلاحيات جديدة في مكافحة الإرهاب

تثير قرارات سياسة الهجرة التي تعتمدها الحكومة البلجيكية  الجديدة الصادرة في  يوليو 2018. وينص مشروع القانون ، على” حق مداهمة رجال الشرطة للبيوت التي يوجد بها لاجئون. فحسب المقترح الإجرائي، يحق للشرطة دخول منازل الأشخاص بحثا عن لاجئين، تم إيواؤهم، من قبل عائلات تستضيف مهاجرين”. إن قضاة التحقيق هم الأشخاص الوحيدون الذين يمكنهم إصدار أمر اعتقال لكن من واجبهم أن يحرصوا أيضا على أن يسهروا على حماية الحقوق الشخصية للمواطنين ومن بين الحقوق الأساسية، والحياة الشخصية.

ويكشف التقرير الصادر عن ”مشروع أخلاقيات مكافحة الإرهاب” حول ”مكافحة الإرهاب في بلجيكا” أنه على الرغم من أن السلطات البلجيكية لم تعلن عن استراتيجية رسمية لمكافحة الإرهاب، فإن الردود البلجيكية على الإرهاب يمكن وصفها بأنها مزيج من الوقاية والحماية والقمع. ومع ذلك، يبدو أن الوقاية تأخذ مركز الصدارة في مكافحة الإرهاب. أصبحت الوقاية أمرا مهما في أعقاب الإصلاحات التي قامت بها الشرطة البلجيكية عندما اعتمدت استراتيجية رسمية جديدة، وهي استراتيجية الشرطة المجتمعية.

درع أنتويرب

أعلن وزير الداخلية البلجيكي، جان جامبون، في 29 أكتوبر 2018 عزم الدولة إقرار البرنامج الإلكتروني المسمى "درع أنتويرب" كمشروع رائد لمكافحة الإرهاب بالبلاد. ويُذكر أن شرطة مقاطعة أنتويرب قد أصدرت في سبتمبر 2018 منصة إلكترونية لمكافحة الإرهاب، وعليه يسعى وزير الداخلية لتعميم التجربة على البلد بأكملها، وليس تلك المقاطعة فقط (والتي تقع على الحدود البلجيكية - الهولندية )، ويُشار إلى أن هذه المنصة الإلكترونية تهدف إلى تشجيع تبادل المعلومات حول مكافحة الإرهاب، على ألا يقتصر تبادل المعلومات على الجهات الرسمية فقط، بل يتضمن الشركات والجمعيات غير الحكومية والمدارس والهيئات التي قد يُطلب منها مشاركة الحقائق المريبة حول المشاهدات التي تشك في صلتها بالإرهاب.

الخلاصة

ربما كانت بلجيكا من أكثر الدول الأوروبية التي شهدت تدفق "الجهاديين" إلى سوريا والعراق نسبة إلى سكانه، وكذلك ما تعرضت له من عمليات إرهابية على أراضيها أبرزها مطار بروكسل عام 2016، الانتقادات التي كانت موجهة إلى قطاع الأمن في بلجيكا، يتعلق بهيكلية أجهزة الأمن والتعاون الأمني فيما بينها، والتي شهدت جدلا واسعا، يعود ذلك إلى التركيبة الديموغرافية إلى بلجيكا وتعدد الأعراق واللغات أيضا، إضافة إلى "التناحر" السياسي.

استطاعت بلجيكا بالفعل سد الثغرات، منذ عام 2017، ونجحت في منع وقوع عمليات إرهابية واسعة على أراضيها. الموقع الجغرافي إلى بروكسل في قلب أوروبا، ورمزيتها، كونها مقر الاتحاد الأوروبي، يجعلها من بين الدول الأكثر عرضة إلى الإرهاب.

إن إجراء المراجعات إلى سياسات الأمن وخاصة مكافحة الإرهاب وتتبع كيفية وقوع العمليات الإرهابية، من شأن ذلك أن يعزز الأمن، وهذا ما فعلته بروكسل مقارنة بإمكانياتها الاقتصادية والأمنية بين دول أوروبا. لقد أدركت بلجيكا عامل التطرف مجتمعيا ووجود محميات وأحياء تطرف مغلقة، ونجحت في مواجهة التطرف نسبيا، من خلال إيجاد هيئات داخل البلديات تكون "إنذار  مبكر" للنزوح نحو التطرف والإرهاب، والذي يعتبر بالفعل مهمة غير سهلة وتحدٍّ لأجهزة الأمن والاستخبارات.

وهذا يعني أن بلجيكا إلى جانب دول أوروبا نجحت إلى حدٍّ ما في تعزيز الأمن من خلال سد الثغرات بالتعاون الأمني وإيجاد منصات تبادل المعلومات وتعقب المطلوبين ضمن آليات جديدة تقوم على تسريع اتخاذ الإجراءات بعيدًا عن الوسائل التقليدية.

بات متوقعًا أن تستمر بلجيكا في الحفاظ على ما حققته من نجاح في سياسات مكافحة الإرهاب وربما التطرف، وهذا يعني أن الجماعات المتطرفة، فقدت الكثير من عناصر القوة لتنفيذ عمليات إرهابية على الأراضي البلجيكية في الوقت الحاضر.


اضف تعليق