اللبناني رفيق الحريري.. رحلة عطاء سياسي ونهاية مأساوية تنتظر القصاص العادل


٠٤ أغسطس ٢٠٢٠

حسام السبكي

أيام قليلة، وتستعد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لإصدار حكمها على المتهمين، في واحدة من أشهر قضايا الاغتيالات في الوطن العربي، المرتبطة بشخصية سياسية بارزة في لبنان، خاصةً في فترة ما بعد الحرب الأهلية في عام 1975، والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وهو رفيق الحريري، المحسوب على التيار السُني، والذي تشير أصابع الاتهام في اغتياله، إلى جانب 21 شخصًا آخرين في عام 2005، إلى حزب الله الشيعي، ممثل سوريا وإيران في لبنان، وذلك إثر خلافات سياسية، شهدتها فترة ما بعد الانسحاب السوري من بلاد الأرز، في انتظار لقصاص تأخر 15 عامًا من عمر الحادث، ومنذ تشكيل المحكمة الدولية في عام 2007.

رفيق الحريري

قبل الخوض في تفاصيل القضية، ينبغي أن نُعرف أولًا بمحور الأحداث، وهو الزعيم اللبناني الراحل، ورجل الأعمال ورئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري.



كان يعتبر من كبار رجال الأعمال في العالم، وهو يحمل الجنسيتين اللبنانية والسعودية، لعب دورًا مهمًا في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية وإعمار لبنان بعدها، وقام بالعديد من الأعمال الخيرية وكان أشهرها تقديم منح طلابية للدراسات الجامعية لأكثر من 36000 شاب وشابة من كل الطوائف اللبنانية على مدى 20 عامًا، إضافة إلى تقديم المساعدات لضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان ومساعدة دور الأيتام والعجزة وإنقاذ جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية من الديون.

ولد رفيق بهاء الدين الحريري، في صيدا في جنوب لبنان لأب مزارع، أنهى تعليمه الثانوي عام 1964، ثم التحق بجامعة بيروت العربية ليدرس المحاسبة، وفي تلك الفترة كان عضوًا نشطًا في حركة القوميين العرب والتي تصدرتها آنذاك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

في عام 1965 قطع دراسته بسبب ارتفاع النفقات المالية وهاجر إلى السعودية، وعمل مدرّسًا للرياضيات في مدرسة السعودية الابتدائية في جدة، ثم عمل محاسبًا في شركة هندسية.

وفي عام 1969 أنشأ شركته الخاصة في مجال المقاولات والتي برز دورها كمشارك رئيسي في عمليات الإعمار المتسارعة التي كانت المملكة تشهدها في تلك الفترة. ونمت شركته بسرعة خلال سبعينيات القرن العشرين حيث قامت بتنفيذ عدد من التعاقدات الحكومية لبناء المكاتب والمستشفيات والفنادق والقصور الملكية.

وفي أواخر سبعينيات القرن العشرين قام بشراء "شركة أوجيه" الفرنسية ودمجها في شركته ليصبح اسمها سعودي أوجيه، وأصبحت الشركة من أكبر شركات المقاولات في العالم العربي، واتسع نطاق أعماله ليشمل شبكة من البنوك والشركات في لبنان والسعودية.

حظي الحريري باحترام وثقة الأسرة السعودية الحاكمة وتم منحه الجنسية السعودية في العام 1978، وفي مطلع الثمانينيات أصبح واحدًا من بين أغنى مائة رجل في العالم، وعمل خلال الثمانينيات كمبعوث شخصي لملك السعودية فهد بن عبد العزيز آل سعود في لبنان، ولعب دورًا هامًا في صياغة اتفاق الطائف، الذي أنهى بدوره الحرب الأهلية في لبنان في عام 1989.

عطاء سياسي

على المستوى السياسي، تولي الحريري رئاسة الحكومة اللبناني في فترتين، جاءت الأولى عام 1992 وحتى 1998، والذي قوبل بحفاوة شعبية بالغة، حيث ارتفعت قيمة العملة اللبنانية بنسبة 15%، ومن أجل تحسين الاقتصاد، قام الحريري بتخفيض الضرائب على الدخل إلى 10% فقط، وقام باقتراض مليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق اللبنانية، وتركزت خطته التي عرفت باسم "هورايزون 2000"، على إعاده بناء بيروت على حساب بقية مناطق لبنان، وخلال هذه الفترة ارتفعت نسبة النمو في لبنان إلى 8% بعام 1994، وانخفض التضخم من 131% إلى 29%، واستقرت أسعار صرف الليرة اللبنانية.



أما عن الفترة الثانية، فجاءت في عام 2000 وحتى 2004، وخلال هذه الفترة أدى عمق المشكلات الاقتصادية إلى زيادة الضغوط على الحكومة من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وعليه تعهد بتخفيض البيروقراطية وخصخصة المؤسسات العامة التي لا تحقق ربحًا.

استقال في أكتوبر 2004 بعد خلاف مع الرئيس إميل لحود، اعتراضًا على تعديل الدستور، الذي منح لحود الفرصة لتمديد فترة رئاسته لثلاث سنوات إضافية.



تعتبر من أشهر المواقف السياسية والتاريخية للرئيس رفيق الحريري، هو تمسكه بحق لبنان بالمقاومة واسترجاع الأرض من الإسرائيلين، واتفاق نيسان الذي حيد المدنيين في مقاتلة إسرائيل وحق المقاومة في العمل على تحرير الأراضي المحتلة، كما أنه ساهم بإعمار وسط بيروت بعد الحرب الأهلية عن طريق شركته وقد حمل المشروع اسم "سوليدير"، كما قام بتثبيت مكانة لبنان الاقتصادية والسياحية في العالم العربي والغربي.

اغتيال الحريري وثورة الأرز

مع احتدام حدة الخلافات السياسية في لبنان، بين مختلف الأقطاب، خاصةً الموالية لسوريا والمحور الشيعي، دفع ثمنه رفيق الحريري من حياته.



ففي 14 فبراير 2005، ركب الحريري سيارته بعد أن زار مقهى كافيه إيتوال، بجوار مجلس النواب الذي كان عضوا فيه.

وبينما كان موكبه يمر على الكورنيش انفجرت شاحنة ملغومة في سيارته وخلفت حفرة هائلة ودمرت واجهات المباني المحيطة بالمنطقة.
 
ولقي 21 شخصا بخلاف الحريري مصرعهم فى الانفجار الذي وقع خارج فندق سان جورج.

وكان من بين الضحايا حراس الحريري، وبعض المارة، ووزير الاقتصاد السابق باسل فليحان.



أشعل اغتيال الحريرى "ثورة الأرز" ونُظمت احتجاجات شعبية على الوجود السوري في لبنان، وتحت ضغط دولي متزايد سحبت سوريا قواتها في أبريل .
 
وقاد سعد نجل الحريري ائتلافا من الأحزاب المناهضة لسوريا عرف باسم 14 آذار ودعمته دول غربية والسعودية، وتجمع حلفاء سوريا اللبنانيون ومنهم حزب الله الشيعي في تحالف منافس أطلق عليه اسم 8 آذار، وظهر انقسام طائفي بين السنة والشيعة.
 
ورجع زعيما الطائفة المسيحية المارونية الرئيسيان في لبنان ميشال عون وسمير جعجع إلى الحياة السياسية. عاد عون من المنفى بينما خرج جعجع من السجن، وفاز تحالف 14 آذار بأغلبية برلمانية في يونيو.



المحكمة الدولية

عقب اغتيال الحريري، وتدويل قضيته، تشكلت محكمة دولية، عُرفت بـ "المحكمة الخاصة بلبنان"، والتي أسستها الأمم المتحدة ولبنان لمحاكمة المتهمين بالتفجير والمتهمين في حوادث قتل سياسية أخرى بلبنان في الفترة ذاتها تقريبا.



وسيكون الحكم الذي يصدر يوم الجمعة المقبل أول أحكامها منذ إنشائها في 2007.

أما عن المتهمين في القضية، فيُحاكمون غيابيًا، وهم سليم جميل عياش وحسن حبيب مرعي وأسد حسن صبرا وحسين حسن عنيسي وينتمون لحزب الله.

وقد وُجهت لهم جميعا تهمة التآمر لارتكاب عمل إرهابي، في حين وُجهت لعياش اتهامات بارتكاب عمل إرهابي وبالقتل والشروع في القتل.

ولم توجه لهم بالتحديد تهمة إحداث التفجير شخصيا، وينفي حزب الله تورطه في اغتيال الحريري.

أما عن تواجد المتهمين، فلا يُعرف شيء عن مكان وجودهم، ولم تحتجزهم السلطات، كما أنهم لم يشاركوا في المحاكمة، وذلك رغم أن القضاة قضوا بأن المتهمين على علم بالاتهامات الموجهة لهم.

ولم يظهر المتهمون علنا أو يتحدثوا على الملأ منذ بدأت المحاكمة ولم يحدث اتصال بينهم وبين المحامين الذين عينتهم المحكمة لتمثيلهم.

أما عن الادعاء في القضية، فيقول المدعون بقيادة الكندي نورمان فاريل إن عياش كان شخصية محورية في تخطيط عملية الاغتيال وتنفيذها.

ويضيفون أن الرجال الثلاثة الآخرين المتهمين بأنهم شركاء في مخطط الاغتيال ساعدوا أيضا في إعداد بيان زائف بالمسؤولية عن التفجير لصرف الأنظار.

ويقول المدعون إن الرجال ربما كان دافعهم باعتبارهم من أنصار حزب الله الرغبة في استمرار الدور السوري في لبنان، وهي سياسة كان الحريري يمثل تهديدا لها.

وخلال المحاكمة بين عامي 2014 و2018 استمع القضاة إلى 297 شاهدا. وقدم المدعون ما يصفونه بأنه "فسيفساء من الأدلة" القائمة في أغلبها على سجلات الهواتف المحمولة.

ويقول المدعون إن نمط المكالمات الهاتفية يبين أن الرجال الأربعة كانوا يراقبون الحريري في الشهور التي سبقت عملية الاغتيال وأنهم ساعدوا في تنسيق الهجوم وتوقيته.

ومن المتوقع أن يكون القرار الذي تصدره المحكمة يوم الجمعة، موضحًا فقط ما إذا كانت قد تأكدت أن المتهمين الأربعة مذنبون بما لا يدع مجالا للشك.

وإذا صدر الحكم بالإدانة فستعقد جلسات أخرى لإصدار الأحكام، وأقصى عقوبة ممكنة في حالة الإدانة هي السجن مدى الحياة.




اضف تعليق