أضرار تصل حد الانهيار.. انفجار مرفأ بيروت يدفع لبنان للمجهول!


٠٥ أغسطس ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

وسط ما يعانيه لبنان من أزمات اقتصادية متفاقمة قد تكون كارثية وقد تودي به إلى الانهيار في غضون أسابيع قليلة، فما بالنا بما ستؤول إليه الأوضاع بعد الانفجار المدمر في مرفأ بيروت، الذي يعتبر الشريان الحيوي الوحيد المفتوح حاليًا للبنان، فالشحن عبر الجو مكلف، والشحن البري متوقف بسبب الحرب في سوريا.

مرفأ بيروت يستورد لبنان من خلاله ما يقارب 70-80% من إجمالي البضائع الداخلة للبلاد، ويصدر منه أيضًا كافة احتياجاته.

والخسائر الأولية تبدو ضخمة وواسعة، فقد أصابت السيارات والمنشآت والشركات، ما يجعلها تتراوح بين 3 – 5 مليارات دولار كتقدير أولي، بينما التقديرات الإجمالية تشير إلى أن الاقتصاد اللبناني سيتكبد ما يفوق الـ13 مليار دولار.

وفي بلد اقتصاده متأزم فعليًا، فالأفق قد تنذر بتداعيات اقتصادية لا حصر لها جراء انفجار مرفأ بيروت، وهذا ما سنبرزه في التقرير التالي.

انفجار كاشف لفساد متراكم

في وقت تواصل فيه الحكومة اللبنانية العمل، الليل بالنهار، من أجل إيجاد حلول لأزماتها الاقتصادية والنقدية والمالية المتصاعدة منذ الربع الأخير لعام 2019، جاء انفجار مرفأ بيروت لينقل البلاد كلها من مكان إلى آخر، وأوصلها إلى نقطة النهاية، نهاية كل الأقاويل السياسية والاقتصادية والأخلاقية.

غطّى الظلام الأضرار، فكشَفَها صباح يوم الأربعاء التالي ليوم الثلاثاء الموافق 4 أغسطس والذي وقع فيه الانفجار الأليم. أضرار ظاهرة وأخرى مخفية تحت الركام، تشهد على الفساد المتراكم والذي لم تعد مساحة البلاد تتسّع له، فانفجر!.

ويعاني لبنان من تفشي الفساد وتراكم الديون العامة التي وصلت بنهاية نيسان (ابريل) الماضي إلى نحو 93 مليار دولار، أي أكثر من 170% من الناتج المحلي الإجمالي إضافة إلى انهيار الليرة اللبنانية بأكثر من 80% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي في شهور قليلة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بأكثر من 3 أضعاف.

تضرر الشريان الحيوي الأكبر

وبحسب بيانات يعرضها الموقع الإلكتروني لشركة مرفأ بيروت، فإنه يعتبر أكبر نقطة شحن وتخليص بحرية في لبنان، وتمر من خلاله قرابة 70% من حركة التجارة الصادرة والواردة من وإلى البلاد.

يقع المرفأ في منطقة استراتيجية تربط بين الأسواق التجارية لكل من آسيا وأوروبا وأفريقيا، مما يعني تقليص مدة رحلات الملاحة التجارية مقارنة مع طرق أخرى.

ولدى المرفأ ارتباط مباشر مع 56 ميناء في القارات الثلاث، ويستقبل ويصدر البضائع بالتعاون مع 300 مرفأ حول العالم.

ويعد مرفأ بيروت أهم ميناء في لبنان، ومن أهم الموانئ في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

ونظرًا لموقعه الاستراتيجي، كان هذا المرفأ -الذي افتتح عام 1894- يستخدم لاستيراد المواد الأساسية من دول العالم وتصديرها عبر الداخل اللبناني إلى دول الشرق الأوسط.

ويعتبر هذا المرفأ ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ إنّه يلعب دورا أساسيا في عملية الاستيراد والتصدير، وبالتالي تحريك العجلة الاقتصادية اللبنانية.

ويتألف من أربعة أحواض يصل عمقها إلى 24 مترا، إضافة إلى حوض خامس كان قيد الإنشاء. كما يضم 16 رصيفا، والعديد من المستودعات وصوامع تخزين القمح التي تؤمن أفضل شروط التخزين.

وخلال سنتي 2005 و2018، نمت حمولة البضائع عبر المرفأ بمتوسط سنوي 4.6%، من 4.48 ملايين طن سنويا عام 2005 إلى متوسط 8 ملايين طن عام 2018.

وخلال 2018، استقبل المرفأ قرابة 7.05 ملايين طن من السلع تمثل نسبتها 72% من إجمالي واردات السلع عبر البحر، مقابل صادرات بقرابة مليون طن تمثل 78% من إجمالي حجم الصادرات.

وخلال هذا العام، بلغ عدد السفن التجارية التي نفذت عمليات شحن أو تخليص للسلع نحو 1872 سفينة، إلا أن الرقم الأكبر يعود لعام 2009 بواقع 2400 سفينة تجارية.

ولم يكن العام الماضي الأفضل ماليا بالنسبة لمرفأ بيروت بسبب التطورات الاقتصادية السلبية في البلاد، وأثرها على تراجع حجم الطلب المحلي على الاستهلاك، وبالتالي تراجع حركة التجارة.

وتظهر بيانات المرفأ أن إجمالي إيراداته خلال 2019 لم تتجاوز 200 مليون دولار، مقارنة مع 313 مليونا عام 2018، في حين لم تتجاوز الإيرادات 90 مليونا عام 2005.

أضرار وخسائر قد تتجاوز 13 مليار دولار

في 2001 شهدت مدينة تولوز الفرنسية، تفجيرًا مماثل بسبب شحنة لمادة "نترات الأمونيوم" بوزن تراوح بين 300 إلى 400 طن، وقُدّرَت كلفة أضرار الانفجار بنحو 2 مليار دولار.

بينما في 4 أغسطس 2020، قدرت أطنان نترات الأمونيوم التي كانت في المخزن رقم 12 في مرفأ بيروت، بنحو 2750 طن. وعصف قوّة انفجارها وصل إلى قبرص التي تبعد عن بيروت مسافة تزيد عن 200 كيلومتر.

هذه المقارنة استُخدِمَت لتقدير حجم الخسائر التي قد يسجّلها لبنان خلال الأيام المقبلة. وحسب المعادلة، فإذا كانت كلفة انفجار بقوة 400 طن كحد أقصى، هي 2 مليار دولار، فإن انفجاراً بقوة 2700 طن، لن تقل كلفته عن 13.5 مليار دولار.

تقدّم هذه المعادلة صورة تقريبية عمّا ينتظر لبنان. لكن، علمياً، لا يحسم حجم الكلفة الحقيقية التي قد تقل عن 13.5 مليار دولار، لعدّة أسباب، أبرزها ترجيح أكلاف البناء والسيارات بين لبنان وفرنسا، لصالح الأخيرة. فنوعية السيارات والمباني المتضررة في فرنسا، أعلى من نظيرتها في لبنان، وكلفة الإنفاق على البنى التحتية في فرنسا أعلى، وبالتالي تقدير كلفة الأضرار هناك، سيكون أعلى ممّا سيقدّره لبنان.

لكن تبقى هذه المقارنة ضمن جدول الحسابات. لذلك، ففي دولة مثل لبنان لديها ما يكفيها من أزمات اقتصادية واجتماعية ونقدية، قد ترتفع كلفة الأضرار إلى ما يزيد عن 13.5 مليار دولار، بعد احتساب كلفة السمسرات التي ستحصل عليها الشركات، التي ستتعهّد عملية إعادة البناء، وذلك وفق منهج التحاصص السلطوي، فوحده قطاع الكهرباء سجّل هدراً على شكل إنفاق يوازي 40 مليار دولار، من دون الوصول إلى نتيجة ملموسة، فما بالك بكلفة أضرار جملة من القطاعات، إلى جانب أضرار المباني وتعويضات الجرحى والقتلى.

أزمة غذاء ودواء بالأفق

وبدوره، أشار الخبير الاقتصادي، جاسم عجاقة، إلى أن 80% من مرفأ بيروت دُمّر ، وأن حصيلة الخسائر المباشرة تشمل المواد الغذائية والقمح المخزن في المرفأ، لافتا إلى أن النتائج الأوليّة المترتبة عن الانفجار ستكون معاناة من أزمة غذائية، إذا لم تتوافر المساعدات.

بينما نبهت وكالة "بلومبيرج" إلى أن هناك قلقا عميقا في الأوساط الرسمية اللبنانية، بشأن تلبية الطلب المحلي، خاصة أن لبنان يعتمد بشكل كبير على واردات السلع التي يأتي معظمها عن طريق ميناء بيروت في العاصمة اللبنانية.

وقالت الوكالة: "على الرغم من مرفأ طرابلس الذي يعتبر ثاني أكبر ميناء في لبنان يمكن استخدامه كبديل لميناء بيروت مؤقتا، إلا أن السلطات اللبنانية تشعر بقلق بالغ تجاه كيفية استيراد كميات كافية من المواد الغذائية والطبية والسلع الأخرى".

ورأت الوكالة في تقريرها أن لبنان بات الآن في أمس الحاجة للمساعدات الخارجية رغم فشل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي طلبت منه بيروت معونات بمقدار 10 مليارات مقابل تنفيذ برنامج إصلاحي اجتماعي واقتصادي شامل.
 


اضف تعليق