"حماية وإدارة أموال الغائب".. قانون مثير للجدل في الشمال السوري


٠٨ أغسطس ٢٠٢٠

حسام السبكي

في غياب رسمي، للنظام والدولة في سوريا، منذ اندلاع أحداث ثورة "درعا" قبل أكثر من 9 أعوام، خاضت معها قوات النظام السوري، معارك ضارية، ما زالت مستمرة حتى الآن، مع مسلحين وميليشيات مدعومة من بعض القوى الإقليمية، ظهرت معها، قوات سوريا الديمقراطية أو "قسد"، التي تخضع بعض المناطق في الشمال والشرق السوري، تحت "الإدارة الذاتية" لها، أقرت مؤخرًا قانونين لـ"الحماية العامة"، و"حماية وإدارة أموال الغائب"، في إشارة إلى من دفعت الظروف الحالية في البلاد، إلى الخروج هربًا بأنفسهم من آتون الحرب، أو من سبقوا ذلك، بالخروج من أجل كسب لقمة العيش.

القانون الجديد، قوبل بردود أفعال متباينة، جاءت أغلبها، منتقدة، بل ومشككة في نوايا القائمين على القانون، حيث ذهب البعض إلى اتهامهم بمحاولة الاستيلاء على أموال السوريين المقيمين بالخارج، وحرمان ذويهم في الداخل منها، ما قد يتسبب في حدوث أزمة اجتماعية، في المنطقة الخاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية".

قانون مثير للجدل

أصدرت “الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا” قانوني “الرقابة العامة” و”حماية وإدارة أملاك الغائب” لإدارة أملاك الأشخاص المقيمين خارج سوريا، في مناطق سيطرتها.

وأصدر “المجلس العام” في الإدارة القانونين خلال جلسته المنعقدة، يوم الأربعاء الماضي، بحسب ما نقله الموقع الرسمي لـ”الإدارة الذاتية”، أول أمس الخميس.

ووفقًا للقانون، يشمل مصطلح “غائب” كل شخص يحمل الجنسية السورية أو من في حكمه من مكتومي القيد المجردين من الجنسية السورية بإحصاء عام 1962، ويقيم إقامة دائمة خارج سوريا، ولا يقيم أحد من أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية في سوريا.

وينص القانون المثير للجدل، على تشكيل لجنة “حماية أملاك الغائب” بقرار من “المجلس التنفيذي” التابع لـ”الإدارة الذاتية”، مؤلفة من 11 شخصًا من مناطق سيطرة “الإدارة”.

وتقوم اللجنة، التي يترأسها “قيمان” بالأعمال الإدارية، وحصر أملاك وأموال الغائبين، و”صيانتها والحفاظ عليها”، وتنظر في الاعتراضات المقدمة لها من المتضررين من القرارات الصادرة عنها، وتتبعها لجان فرعية في مناطق سيطرة “الإدارة”.

ويتابع “القيمان المشتركان” أعمال اللجنة، بتكليف من “المجلس التنفيذي”، إداريًا وماليًا، ويكونان مخولين برفع جميع الدعاوى القضائية وتقديم كل الدفوع القانونية “للحفاظ على أملاك الغائب وحمايتها”، ولا تملك الحق في بيع أو شراء أملاكه.

بينما يعطي القانون لـ”لجنة حماية أملاك الغائب” الحق في تأجير واستثمار الأملاك ووضعها في خدمة “تنمية المجتمع” دون تغيير أوصافها.

وتُعتبر جميع العقود المبرمة، قبل صدور القانون، على “أملاك الغائب”، التي تشمل كل أمواله المنقولة وغير المنقولة والمملوكة له، والذي غادر الأراضي السورية مدة سنة أو أكثر بقصد الإقامة الدائمة والمستمرة خارجها، مؤقتة.

وبحسب مواد القانون، يفقد الغائب حقه في ربع أملاكه “دون المساس في أصل الحق”، إذا لم يحضر هو أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى والثانية، خلال مدة أقصاها سنة متواصلة، ولا تُسلّم الأموال إلا بعد أخذ موافقة رئاسة “المجلس التنفيذي” الموجودة بدائرة “أملاك الغائب”.

ويعاقب القانون بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن خمسة ملايين ليرة سورية، أو بكلتا العقوبتين، “كل من تستر أو تصرف أو أجّر أملاك الغائب خلافًا له”..

ويخص القانون السريان والآشوريين والأرمن بمعاملة خاصة، إذ تقوم لجنة ممثلة عنهم بإدارة أملاكهم.









ردود الأفعال

كما ذكرنا في المقدمة، فقد تباينت ردود الأفعال الشعبية والعامة على القانون الجديد، حيث اعتبره البعض إيجابيًا، فيما رآه البعض الآخر، محاولة شرعنة للاستيلاء على أموال المغتربين والمُبعدين خارج سوريا.

فقد علّق المستخدم في موقع “فيس بوك” شاهين جيلو بأن هذا القرار يعد “نهبًا وسرقة لممتلكات الناس بكل المقاييس”، داعيًا واضعيه للكف عما وصفه بـ”الممارسات البشعة” قبل أن يثور الناس عليهم.

بينما شكر مستخدم باسم “أبو الشيخ” الإدارة لحمايتها الشعب، بحسب تعبيره.

واستنكرت المستخدمة دنيا محمد، القانون، متسائلة: “كيف يمكن اعتبار وضع اليد على أموال الغير حماية وإدارة”.

على المستوى الجماهيري أيضًا، شبّه النشطاء القانون الجديد، بقرارات النظام التي تستهدف الاستيلاء على عقارات وأملاك المهجرين، وخاصة المعارضين منهم، الذين لا يمكنهم العودة إلى مناطق سيطرته.

كما اعتبره آخرون مشابهاً لقرار حكومة الإنقاذ التابعة لـ"جبهة النصرة" في إدلب، والذي قضى بوضع يده على أملاك الغائبين أيضاً، وفي مقدمتهم المسيحيين، وحصر حق الانتفاع منها بمكتب تابع لها تمهيداً للاستيلاء عليها.

على المستوى القانوني، قال المحامي فاضل قرموتي، وفقًا لـ"روسيا اليوم": إن القانون يتعارض مع العقد الاجتماعي الذي أصدرته الإدارة الذاتية نفسها، فالملكية الخاصة مصانة في ذلك العقد ولا يجوز التعدي أو الاستيلاء عليها، أو التعرض للمالك في كيفية إدارتها واستثمارها.

ويضيف قرموتي إن "القانون يلغي حقا طبيعيا للمواطن، وهو الحق بتوكيل الغير في إدارة واستثمار أمواله"، ويقول: "إن كانت الغاية من القانون حماية أملاك المواطنين المغتربين فإن القانون المدني السوري يمكن اعتماده، باعتبار أن الإدارة الذاتية تخص جزءا من الجغرافية السورية".

أحد محامي الرقة من جانبه، قال -بحسب "روسيا اليوم"- إن القانون يهدف إلى الاستيلاء على أملاك بعض من تركوا البلاد ولا يقدرون على العودة، وذلك عن طريق استثمار تلك الأملاك، وتساءل إن كان تعبير "الغائب" يقصد به المقيم خارج سوريا، وهل يعد المقيم داخل سيطرة الدولة السورية وخارج حدود سيطرة الإدارة الذاتية، غائبًا؟.

من جانبه، فنّد المحامي أكرم شمو القانون الذي يتضمن الكثير من المخالفات الحقوقية والإجرائية، حسب تأكيده، بدءاً من المادة (٦) التي تقرر تعيين "قيّم" على الأملاك التي لا يتواجد أصحابها في موطنهم حالياً، مشيراً إلى أن القيمّ، بحسب القانون السوري والشرائع والأعراف في معظم الدول، هو القائم على إدارة أموال المجانين والمعتوهين والسفهاء أو المغفلين، وهو بمثابة الولي والوصي في إدارة أموال القاصرين، وبهذا فإن القانون يمنح سلطات الوكيل إلى القيم ويعامل الغائب معاملة المجنون والمعتوه والسفيه والمغفل.




اضف تعليق