الصراعات تبدد الإصلاحات.. لبنان غير مستعد لتناول الدواء المر!


٠٩ أغسطس ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

في لبنان المصائب لا تأتي فرادى، البلد المثقل بالديون وبمستويات الفقر والبطالة. يأتي هذا الانفجار الضخم في مرفأ بيروت ليضيف الكثير من الأعباء الاقتصادية، إضافة إلى الأزمة الإنسانية، أيضًا، التي خلفها هذا الانفجار.

وبات من الممكن الآن أن ينكمش الاقتصاد اللبناني، المكروب بالفعل من قبل الانفجار الذي دمر ميناءه الرئيسي، بمثلي المعدل المتوقع سابقا للعام الحالي، مما سيزيد صعوبة تدبير التمويل الذي يحتاجه البلد للوقوف على قدميه من جديد.

في التقرير التالي سنتعرض بالتحليل للتوقعات قبل وبعد انفجار مرفأ بيروت كيف تغيرت.

التوقعات قبل الانفجار

في السابق، كان المتوقع للاقتصاد اللبناني، أن ينكمش بنسبة 12%، وفق ما أفاد صندوق النقد الدولي، وهو رقم كبير نظرًا للأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، فهناك أزمة مالية استنزفت العملة الصعبة بالبلد ودفعته للتخلف عن سداد مدفوعات الدين.

وفي إطار مراجعته الإقليمية لاقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى للعام 2020، قال تقرير أصدره الصندوق في أبريل 2020 إن الناتج الإجمالي الحقيقي للبنان انكمش 6.5% في 2019 وإن التضخم سيبلغ 17% في 2020 مقارنة مع 2.9% في العام السابق.

ويمر لبنان بأزمة مالية كاسحة شهدت عملته تراجعًا بنحو 80% في سوق موازية والبطالة تقفز والبنوك تفرض قيودًا صارمة على حركة رؤوس الأموال لصيانة الدولارات الشحيحة.

وفي تقديره السابق الصادر في أكتوبر 2019، توقع صندوق النقد نمو اقتصاد لبنان 0.9% في 2020. كان ذلك قبل اندلاع احتجاجات عارمة ضد النخب الحاكمة بالبلاد في 17 أكتوبر 2019، مما سرع وتيرة أزمة اقتصادية ظلت كامنة لفترة.

وتوقع صندوق النقد الدولي في أبريل الماضي، أن يصل العجز المالي للحكومة إلى 15.3% في 2020، من 10.7% في 2019.

بعد الانفجار.. انكماش بمثلي المعدل المتوقع لـ2020

ولكن بعد انفجار مرفأ بيروت، التوقعات قفزت إلى 20-25%، ما يعني أن الاقتصاد اللبناني سيفقد ربع قيمته بسبب هذا الانفجار، وبالطبع بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتفاقمة.

يقول الاقتصاديون: إن انفجار الثلاثاء 4 أغسطس 2020، الذي ألحق أضرارًا بأجزاء كبيرة من المرافق التجارية لبيروت، قد يفضي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي حوالي 25% هذا العام -ليتجاوز توقعًا حديثًا من صندوق النقد الدولي بانكماش نسبته 12%، ما يعني انكماشًا بمثلي المعدل المتوقع سابقًا.

صعوبة تأمين التمويل الخارجي

وقد وصل الدين العام اللبناني وصل إلى 90 مليار دولار، وحاليًا تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 170%، وهذه النسبة يضع لبنان كثالث أكبر دولة مدينة في العالم.

وإذا تقلص الاقتصاد وانكمش بنسبة تتراوح بين 20% إلى 25%، ربما يقفز هذا الرقم إلى أكثر من ذلك.

وكانت أزمة مالية أجبرت لبنان بالفعل على الدخول في مفاوضات مع صندوق النقد في مايو من العام الحالي بعد أن تخلف عن سداد ديونه بالعملة الصعبة، لكن تلك المحادثات تعثرت في غياب الإصلاحات.

وقال جيسون توفي، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في كابيتال إيكونوميكس، "من المستبعد للغاية أن يتمكن لبنان من تدبير التمويل الذي يحتاجه للتغلب على مشاكله الاقتصادية العميقة. بعض الشركاء قد يبدون ترددا في تقديم الدعم نظرا للدور المؤثر لحزب الله المدعوم من إيران داخل الحكومة اللبنانية".

خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات

وتشير تقديرات المسؤولين اللبنانيين إلى أن الخسائر الناجمة عن الانفجار، الذي أودى بحياة 150 شخصًا وأصاب الآلاف فضلًا عن تشريد عشرات الآلاف، قد تصل إلى مليارات الدولارات.

في البداية، هناك خسائر تقديرية مباشرة تتراوح بين 3- 5 مليارات دولار في الممتلكات العامة، بينما تقدر الخسائر في الممتلكات والسلع والأشياء المؤمن عليها بـ 3 مليارات دولار.

وتقديرات إجمالي الخسائر تتجاوز 15 مليار دولار، وهي تكلفة اقتصادية ثقيلة للغاية في بلد يعاني من تداعيات أزمات متراكمة ومتفاقمة.

ومن ضمن الآثار الاقتصادية المدمرة والتي تسبب أزمة إنسانية بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية، تدمير صومعة الحبوب الوحيدة في لبنان، هذه الصومعة والتي كانت تتسع لـ120 ألف طن من الحبوب، تدمرت بالكامل، نتيجة هذا انفجار مرفأ بيروت الضخم.

الليرة تتداعى بالانهيار

بطبيعة الحال، انهارت الليرة اللبنانية قبل انفجار مرفأ بيروت إلى مستويات 8 آلاف ليرة للدولار الأمريكي الواحد، وبعد الانفجار واصلت العملة المحلية تراجعها، لتنخفض بنسبة 4% فقط بعد الانفجار، لتسجل 8300 ليرة لكل دولار في السوق السوداء "السوق الموازية".

أمر دفع بمصرف لبنان المركزي إلى إصدار قرار عاجل بفتح البنوك بعد الانفجار للحد من تدهور سعر صرف الليرة، ربما هذا هو ما وازن عملية التراجع في قيمة الليرة.

ويتوقع الاقتصاديون مزيدًا من التآكل في القوة الشرائية للعملة، التي فقدت نحو 80% من قيمتها منذ أكتوبر 2019 وسط تضخم فلكي يتجاوز 56%، مما يؤجج التوترات الاجتماعية.

تآكل رأس المال السياسي.. يهدد ويؤخر الإصلاحات

وعلى الرغم من أن الإصلاحات الأشد إلحاحا التي يجب تطبيقها لاستئناف المحادثات مع صندوق النقد تشمل معالجة عجز الميزانية الجامح وتنامي الديون والفساد المزمن.

أن الانفجار قد يؤخر عملية الإصلاح في ظل محاولة الحكومة التنصل من المسؤولية، مما سيؤدي إلى تآكل رأس المال السياسي الضروري لإجراء إصلاحات صعبة لكن الحاجة تشتد لها.

ولن تفضي التوترات السياسية المتصاعدة منذ الانفجار إلا لمزيد من التدهور وتعقد جهود تسريع الإصلاحات، مما يدفع البلد صوب مستقبل مجهول.
 


اضف تعليق