خذلان متكرر.. انفجار بيروت كارثة ستعيش طويلا في الذاكرة


١٠ أغسطس ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

هناك بعض اللحظات في تاريخ الأمم تبقى جاثمة في الذاكرة إلى الأبد، قد لا تكون أسوأ الكوارث التي طغت على شعبها، ولكنها تجسد مأساة المجتمع التي لا تنتهي.

يجول في الذاكرة مدينة بومبي الرومانية القديمة والفساد الملكي الذي ارتبط بها والتي تسبب أمر إلهي (بركان ثائر) في تدميرها تماما حتى أننا لم نعد نرى لها غير آثار الخراب.

وفي لبنان تحتاج هذه البلاد إلى صورة أو شيء ما تتسبب في تركيز بؤرة اهتمامنا على الخراب الذي يقبع وراء المصائب البشرية وجاء الانفجار ليحقق هذه اللحظة، وفي هذا السياق فإن الأرقام ليست مهمة في سياق انفجار بيروت، فالمدينة شهدت من القتلى في الحرب الأهلية ما يجعل حصيلة القتلى في الانفجار لا تقترب من حمام الدم خلال تلك الحرب.

صور لن تمحى من الذاكرة

يقول الكاتب روبرت فيسك -في مقال نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية- إن صور الانفجار ستخلد في الذاكرة ولن تمحى كدليل على مأساة بلد يشهد من خذلان قياداته السياسية الكثير، في بلد بالكاد يستطيع أن يتعامل مع جائحة كورونا ويواجه مصاعب اقتصادية طاحنة، كل ذلك يترأسه "حكومة" لا تستحق الاسم.

لن تمحى من ذاكرتنا الصور المجمّعة للنار والدخان ونهاية العالم التي أوردتها طوفان أشرطة الفيديو في بيروت، والتي تذكرنا بلوحات العصور الوسطى التي حاولت، تخيل فظائع الأوبئة والحرب والمجاعة والموت.

ويقول الكاتب: "نعلم جميعًا السياق، ‘الخلفية' البالغة الأهمية التي بدونها لا تكتمل المعاناة: دولة مفلسة كانت تملكها على مدى أجيال عائلات قديمة فاسدة، والأغنياء يستعبدون الفقراء".

ليس هناك انعكاس أكثر رمزية لخطايا هذا البلد أكثر وضوحا من المتفجرات السامة المخزنة بطريقة غير مشروعة في قلب أكبر مدينة فيها والتي يقول رئيس وزرائها بعد ذلك إن "المسؤولين سيدفعون الثمن"، مستبعدا نفسه والحكومة من المسؤولية.

الآن يجب أن تكتسب الثورة اللبنانية الوليدة للشباب والمتعلمين، قوة جديدة للإطاحة بحكام لبنان، ومحاسبتهم، وبناء دولة حديثة جديدة غير طائفية من حطام "الجمهورية" الفرنسية التي ولدوا فيها بلا رحمة.

يشير الكاتب إلى أن المأساة على أي نطاق هي بديل سيئ للتغيير السياسي، لافتا إلى أن الوعد الفوري الذي أطلقه إيمانويل ماكرون، شكل -وسط الحرائق بأن فرنسا تقف "دائمًا" إلى جانب البلد المشلول الذي أنشأته في غطرسة إمبريالية قبل مائة عام- واحدة من أكثر المفارقات اللاذعة في الأيام الماضية، لأسباب أقلها أن وزير خارجية فرنسا كان غسل يديه قبل أيام من الاقتصاد اللبناني.

بالعودة إلى التسعينيات، عندما كنا نخطط لإنشاء شرق أوسط جديد آخر في أعقاب ضم صدام للكويت، بدأ ضباط الجيش الأمريكي يتحدثون إلينا (ثلاثة منهم في شمال العراق) عن "إجهاد التعاطف"، ويعني ذلك بفظاعة خطر تغاضي الغرب عن المعاناة الإنسانية.

كان هناك أكثر مما ينبغي، كما تعرفون، من هذه الحروب الإقليمية، عامًا بعد عام، وستأتي نقطة قد نضطر فيها إلى إغلاق أبواب الكرم، وربما حلت اللحظة حين بدأ اللاجئون في المنطقة بالتقدم بمئات الآلاف إلى أوروبا، مفضلين مجتمعنا على النسخة التي قدمتها داعش، بحسب الكاتب.

لكن فلنعد إلى لبنان، حيث قد يكون التعاطف الغربي ضعيفًا جدًا على الأرض، يمكن دائمًا التذرع بالمنظور التاريخي لحمايتنا من موجة الانفجارات ومن ثم السحابة الشاهقة التي تشبه الفطر ومن المدينة المحطمة، يقولون إن بومبي كلفت ألفي شخص فقط، وماذا عن مكانة بيروت الرهيبة في العصور القديمة؟ في عام 551م، ضرب زلزال مدينة بيريتوس، موطن الأسطول الإمبراطوري الروماني في شرق البحر الأبيض المتوسط، ودمر المدينة بأكملها، مما أسفر عن مقتل 30 ألف نسمة وفقًا لإحصاءات ذلك الوقت.

ما يزال بإمكانك رؤية الأعمدة الرومانية حيث سقطت، مستلقية ساجدة اليوم، بالكاد على بعد نصف ميل من موقع الانفجار، وفي مقدورنا أن نلاحظ في شكل قاتم حماقة أسلاف اللبنانيين، فعندما انحسر المد  ساروا إلى قاع البحر لنهب السفن الغارقة منذ فترة طويلة ليبتلعهم التسونامي الذي تلا.

يتساءل الكاتب: "هل تستطيع أي أمة حديثة -وأستخدم كلمة "حديثة" بحذر في حالة لبنان- أن تستعيد نفسها في خضم مجموعة كريهة من المحن؟"، فعلى الرغم من أن لبنان قد نجا إلى حد كبير حتى الآن من الوفيات الجماعية لفيروس كورونا، إلا أن لبنان يواجه الوباءً بوسائل إغاثة يرثى لها.

لقد سرقت بنوكها مدخرات شعبها، وأثبتت حكومتها أنها لا تستحق اسمها، ناهيك عن مقوماتها، يقول جبران خليل جبران، أشد شعرائها قسوة، "ويلٌ لأمة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ، وفنها فن الترقيع والتقليد"، يقول الكاتب من يستطيع اللبنانيون أن يقلدوه الآن؟ من سيختار الطبقة التالية من الثعالب؟

في الماضي، وبعد حروب عدة، كان العالم -الأمريكيون والفرنسيون وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وحتى إيران- وافق على توحيد لبنان من جديد، وأخرجت الأمريكيين والفرنسيين من لبنان تفجيراتٌ انتحارية، لكن كيف لأجانب أن يعيدوا بناء بلد يبدو عصياً على العلاج؟

غياب الشفافية

ثمة غياب للشفافية يشوب البلد، وغياب للمسؤولية السياسية مزمن بما يكفي ليصبح موضة، فأي جريمة سياسية في لبنان -طاولت رؤساء ورئيس حكومة ورئيس حكومة سابقاً- لم تُحَل ألغازها يوما في تاريخ البلد.

هذه واحدة من أكثر البلدان تعليما في المنطقة وهو يضم الأكثر موهبة وشجاعة -وسخاء ولطفا- من بين الشعوب، ويحظى بنعمة الثلوج والجبال والآثار الرومانية وأجود الطعام وأعظم الفكر وبتاريخ يمتد لآلاف السنين، لكنه لا يستطيع أن يدير عملته، أو يوفر طاقته الكهربائية، أو يعالج مرضاه، أو يحمي شعبه.

كيف قُيِّض لألفين و700 طن من نيترات الأمونيوم أن تُخَزَّن في مبنى واهٍ لسنوات كثيرة بعد نقلها من سفينة مولدوفية كانت في طريقها إلى موزامبيق عام 2014 من دون اتخاذ إجراءات أمان من قبل أولئك الذين قرروا ترك هذه المادة القذرة في قلب عاصمتهم؟

وكل ما نناله هو جحيم شاهق وموجة صادمة بيضاء مسرطنة ومن ثم السحابة التي تشبه الفطر "إذا تغاضينا عن الأشياء الأخرى".

هذا هو البديل عن جبران خليل جبران، خاتمة الحروب كلها، هي خاتمة تضم الفراغ الخاص بالخوف الذي يصيب الكثيرين من الذين يعيشون في الشرق الأوسط، وفي شكل مقتضب وفي الشكل الأكثر إثارة للرعب، شاهد العالم هذه الخاتمة.

للاطلاع على الموضوع الأصلي اضغط هنا



اضف تعليق