"نعاني في صمت".. كورونا يفاقم مشاكل الصحة النفسية في الهند


١٤ أغسطس ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

كان لوباء الفيروس التاجي وعمليات الإغلاق في جميع أنحاء العالم مجموعة من العواقب، والتي ستظل تلازمنا لسنوات عديدة، وشهدت البلدان من الأغنى إلى الأفقر ارتفاعًا في معدلات البطالة والجوع وزيادة العنف المنزلي وإدمان الكحول، وكذلك ارتفاعًا في الاضطرابات النفسية.

والهند، التي كان إغلاقها صارمًا وخاصة بالنسبة للفئات الفقيرة، مما جعلهم عرضة للأمراض النفسية، وحتى قبل الإغلاق، كانت البلاد تعاني من مستويات عالية من مشاكل الصحة النفسية.
 
ووجدت دراسة في لانسيت للطب النفسي العام الماضي، أن واحدًا من كل سبعة أشخاص في الهند يعاني من نوع من الاضطرابات النفسية، ويقول الخبراء إن هذه الأرقام من المرجح أن تكون أقل من الواقع.

لكن الوصمة والعار المرتبطين بمشاكل الصحة النفسية في الهند بسبب الأمية والمعتقدات الدوغمائية تجعل من المستحيل على الناس الخروج وطلب المساعدة، وعادة ما يتم تجاهلها ونقول إن القلق أو الاكتئاب ليس سوى "مرحلة" أو "تفكير زائد".




معاناة 

نتيجة لذلك، يتجنب الناس مناقشة مخاوفهم المتعلقة بالاضطرابات النفسية بشكل علني بسبب الخوف من الحكم عليهم، وهذا يترك الناس يعانون، يقول أحد الأشخاص: "نعاني في صمت دون أي مساعدة، لا أحد منا محصن ضد المشاكل والاضطرابات النفسية، ولكن عدم إعطاء الأولوية للرعاية الصحية النفسية، جعل الناس تعتقد أن هذه المشاكل ببساطة غير موجودة"، بحسب صحيفة "التليجراف".

في مثل هذا السيناريو، ليس من المستغرب أن تسجل الهند ما يُعتقد أنه أول حالة وفاة بالانتحار في أي مكان في العالم مرتبطة بتفشي فيروس كورونا، ففي فبراير قتل رجل يبلغ من العمر 50 عامًا نفسه بعد أن اقتنع بأنه أصيب بالفيروس وسيعدي أفراد عائلته.

أبلغت ولاية كيرالا الجنوبية عن أول حالة وفاة بسبب كورونا وسبع حالات انتحار بسبب عدم توافر الكحول في أول 100 ساعة من الإغلاق، واستشهد معهد الصحة النفسية في حيدر أباد بزيادة هائلة بنسبة 1500 بالمائة في عدد المرضى الذين يزورون المستشفى بسبب أعراض انسحاب الكحول، وكانت المستشفيات ممتلئة لدرجة أنها لم تتمكن من استقبال الجميع بسبب نقص الأسرة.

كان الانتحار السبب الرئيسي لأكثر من 300 حالة وفاة غير مرتبطة بفيروس كورونا في الهند بسبب الضيق الناجم عن الإغلاق على مستوى البلاد، لكن أي حديث عن الانتحار يتم بنبرة صامتة.

وتتوفر خطوط المساعدة الخاصة بالانتحار، ولكن على عكس ادعاءاتهم بأنها مفتوحة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، فإن معظمها يقدم خدمة هيكلية، كما أن نقص الموارد البشرية والتمويل يعني أن الأشخاص الذين هم على وشك الانتحار لا يستطيعون تجاوز الأمر.




حتى الأطفال لم تسلم 

لا تؤثر أزمة الصحة العقلية على البالغين فحسب، بل تؤثر أيضًا على الأطفال والشباب، فالبقاء في المنزل خوفًا من عدم الإصابة بكورونا، أو رؤية أحبائهم يمرضون وفي بعض الحالات يموتون، أو التعرض لاضطراب العنف المنزلي، أو التغيب عن المدرسة ورؤية الأصدقاء، كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى مستويات عالية من القلق بين الأطفال والتي بدورها تؤثر بشكل مباشر على صحتهم النفسية.

تلقت مؤسسة "تشايلدلاين إنديا"، وهي منظمة غير حكومية في الهند تدير خط مساعدة هاتفي للأطفال الذين يعانون من ضائقة، أكثر من 300.000 مكالمة في الأسبوع الأخير من شهر مارس، ضعف المكالمات التي تتلقاها عادةً، وفقًا لهارلين واليا، نائب مدير المؤسسة الخيرية.

قام مقدمو الخدمات الطبية عن بعد ببعض التدخلات المهمة لمساعدة المرضى خلال فترة الإغلاق هذه، ولاحظوا زيادة بنسبة 200 %  في الاستشارات عن بعد للطب النفسي بين مارس ومايو ، مع 62 % من استشارات الطب النفسي التي يسعى إليها الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 21 و30 عامًا. 

ومع ذلك، عندما يمتلك 64 بالمائة فقط من الهنود هواتف محمولة، و24 بالمائة فقط يمتلكون هاتفًا ذكيًا، فإن هذه الفجوة الرقمية في الهند تتسبب في تفاقم أزمة الصحة النفسية.

إضافة إلى الوضع المتدهور، تحولت المدارس إلى الفصول الدراسية عبر الإنترنت للطلاب ولكن التكنولوجيا في الهند غير مكتملة وإقصائية، حيث ورد أن طالبة تبلغ من العمر 14 عامًا في ولاية كيرالا قتلت نفسها لأنها لم يكن لديها هاتف ذكي لحضور دروس عبر الإنترنت.

على الرغم من كونها خامس أكبر اقتصاد في العالم، تنفق الهند 0.05 بالمائة فقط من ميزانيتها الصحية سنويًا على الصحة العقلية (مقارنة بحوالي 10 بالمائة في المملكة المتحدة)، وهذا يعادل حوالي 0.0035 جنيه إسترليني لكل مريض إذا أخذنا في الاعتبار 150 مليون شخص يحتاجون إلى رعاية عاجلة.

الصحة النفسية هي قضية معقدة تتطلب التعاون بين الجميع، بما في ذلك المنظمات الشعبية والمجتمعية ومجموعات المجتمع المدني والحكومات المحلية والوطنية والمنظمات الدولية وشركات القطاع الخاص والجماعات الدينية والمؤسسات الأكاديمية.

لا يمكن للمجتمع أن يستجيب بشكل صحيح وحساس لهذه القضايا إلا إذا كان لدينا جهد مستمر على الصعيد الوطني لتثقيف المجتمع حول الصحة النفسية، ومن الضروري الحفاظ على التباعد الاجتماعي خلال هذه الأوقات الصعبة، ولكن من المهم بنفس القدر دعم بعضنا البعض من خلال التعرف على صراعات الصحة النفسية أثناء العزلة.

سلط الوباء الضوء على خدمات الصحة النفسيية في الهند والرعاية المقدمة لأولئك الذين يعانون، وهناك حاجة ملحة لإحداث ابتكارات في طريقة تصميم خدمات الصحة النفسية، وكيفية تدريب العمال وكيف يمكن للمحتاجين الوصول إلى الخدمات الحيوية، يلزم اتخاذ إجراء الآن إذا أردنا التأكد من أن الإغلاق لا يضر أكثر من الفيروس نفسه.


اضف تعليق