"والدي بيكاسو".. الابنة السرية تحكي عن الوجه الآخر للأب الفنان


١٦ أغسطس ٢٠٢٠

كتب - أماني ربيع

لا جدال أن الرسام الإسباني بابلو بيكاسو هو واحد من أشهر الفنانين في التاريخ، اسمه معروف حول العالم حتى بين من لا يهتمون بالفن يبدو دوما اسمه مألوفا، كثيرا ما أثار هذا الرجل ذو العينين العابثتين الجدل، بتكنيكه الفني الغريب، وبحياته التي تشبه فيلم سينما أو رواية عن دون جوان.

كل من عرفه أكد أنه رغم كل شيء شخصية فاتنة تجذبك مثل المغناطيس، أحد ميزاته الاستثنائية أنه لا يمكن توقعه، وبقدر مرحه ولهوه في حياته الخاصة، بقدر جديته عندما يتعلق الأمر بالفن.

رسم بيكاسو تقريبا على كل شيء، من القماش إلى الورق والخزف والفخار، نحت التماثيل، ورسم على الأطباق، يبدو دوما، وكأن كل شيء حوله يمكن أن يتحول إلى لوحة فنية ببضع لمسات، حتى مع تقدمه في السن كانت طاقته جبارة، يمرح ويرقص ويغني ويسهر ويقدم أوقاتا لطيفة للأصدقاء حتى يغادرونه مرهقين، لكنه لم يفرغ بعد ويتجه إلى مرسمه لقضاء باقي وقته وتفريغ ما تبقى من طاقته.

يقولون مهما كنت قريبا من بيكاسو فإنك تكتشف في النهاية أنك لا تعرفه أبدا، ربما كان غموضه هذا وراء ولع النساء به، وفي هذا الصدد لم تنفصل حياته عن فنه، فالمتعارف عليه أنه كلما تعرف بامرأة جديدة يتغير كل شيء في حياته الفن والمنزل، وكثيرا من لوحاته تؤرخ لمراحل حياته مع نساء مختلفات، منها لوحات مثل "أولجا على كرسي" و"لوحة دورامار"، و"لوحة جاكلين تشبك يدها"، وهناك لوحات لا تذكر اسم امرأة بعينها مثل: "رأس سيدة نائمة"، "الحلم"، و"صاحبة العقد الصفر"، ومع كل علاقة حب تتغير الألوان التي يرى بها الفنان الحياة.

لكن بخلاف شهرته كفنان قدير و"زير نساء"، هناك جانب آخر خفي، ربما لا نعرفه عن شخصية بيكاسو، ويكشف عنه الكتاب الجديد "بيكاسو ومايا: الأب والابنة"، الذي سيصدر في الأول من سبتمبر المقبل من قبل جاليري جاجوسيان، ومطبوعات ريزولي.

كان بابلو بيكاسو لا يزال متزوجًا من راقصة الباليه السابقة أولجا خوخلوفا عندما أسرته فتاة في السابعة عشر من عمرها، خارج جاليري مدام لافاييت في باريس عام 1927.

وقتها كان الفنان الشاب في الثامنة والعشرين، لكنه لم يكترث بفارق السن، وسرعان ما أصبحت الحسناء ماري تريز مصدر إلهامه الجديد، وأنجبت له ابنة، هي مايا رويز بيكاسو، التي تبلغ الآن الرابعة والثمانين من العمر، وتروي عبر كتابها عن النساء في حياة والدها، وعلاقتها الوثيقة به كأب وابنة، وقامت بتحرير الكتاب ابنتها مؤرخة الفن ديانا ويدماير بيكاسو.

يروي الكتاب المنتظر فصولا من علاقة بيكاسو بابنته الكبرى، ويبدو أن ذاكرة رويز لا تزال حاضرة رغم التقدم في السن، وهو ما يشي بطبيعة العلاقة الوطيدة بين الفنان وابنته، التي رغم مرور عقود على فواته لازالت متأثرة به، واستطاعت عبر كتابها تقديم صورة حسية وحميمية مغايرة عنه.

تحدثت الابنة عن عشق بيكاسوا لوالدتها، التي رسمها في أكثر من لوحها، وكيف كان يرمز إلى جمالها بالفاكهة الشهية، وهو ما يترجم مشاعره تجاهها.



في البداية كانت مايا سر يخفيه بيكاسو كما أخفى علاقته بماري تريز، خاصة أنه بعد شهور من ولادته، وقع في حب جديد مع دورامار، وعن تأثير تلك المرحلة في فنه، قالت إنه كان ممزقا بشدة فيما يتعلق بمشاعره تجاه والدته ودورامار، لدرحة أنه قام بدمج ملامح المرأتين في لوحة واحدة عام 1937 هي "ماري تيريز مع ريد بيريه مع بومبوم".

تقول رويز: "أبي لم يمل أبدا من رسم أمي، رسمها ونحتها ونقشها، كانت ملهمته، لكن في لوحة ماري تيريز مع ريد بيريه مع بومبوم، نرى أن الملامح تتداخل، مزيج من والدتي ودورا، شعر والدتي الذهبي ويعنيها، لكن الأنف والفم يشبه دورا التي دخلت حياته عام 1936، بعد وقت قصير من ولادتي".

في كتاب "مايا وبيكاسو"، تتذكر رويز كيف كانت تجلس مع والدها إلى الطاولة، وفجأة طلب منها أن لا تتحرك، يبدو أنه أراد تخليد تعبيرا ما على وجهها، وهرع ليأتي ببعض الأوراق وأقلام الرصاص، ودفتر الملاحظات.



وتحدثت عن لوحته الرقيقة لها "First Snow" التي رسمها عام 1938، وقالت: "كان ذلك اليوم الذي خطوت فيه خطواتي الأولى ، كنت أرتدي حذاءً صغيرًا وردي اللون احتفظ به والدي طوال حياته".

وأضافت: عندما طلب مني والدي أن أقف أمامه، أصر على ألا أبتسم، كان يأخذ فنه بجدية كبيرة، لكنه كان يمتلك، كذلك، روح دعابة كبيرة، قدم لي الحب، وصنع لي الكثير من الألعاب خلال الحرب، أذكر منها عائلة مكونة من شخصيات صغيرة من القماش ورؤوس مصنوعة من الحمص."

ومن المتوقع أن يواجه الكتاب انتقادات واسعة لتصوير علاقة بيكاسو بماريا تيريز والترز في شكل إيجابي، خاصة وأنه في أعقاب حركة "#MeToo" تمت إعادة تقييم معاملة بيكاسو للنساء، وتحدثت الكثيرات عن الاستياء عند قراءة تفاصيل العلاقة بين بيكاسو وماريا تريز والترز والدة رويز، والتي أنهت حياتها بالانتحار عام 1977، بعد أربع سنوات من وفاة بيكاسو.

 وفي عام 2018، وصف وصف جوك رينولدز، مدير معرض الفنون بجامعة ييل، بيكاسو بأنه "تاريخه مع النساء هو الأسوأ في القرن العشرين".

وقالت محررة "Artnet" جوليا هالبرين، إن الحكايات حول علاقة بيكاسو بالنساء، غالبًا ما تُروى "في خدمة السرد الرومانسي عن فنان مهووس وعاطفي ومتطلب، وتبرير علاقاته المضطربة مع النساء كضرورة لإشعال ناره الإبداعية".



ووفقا لكاتب سيرته الذاتية كان بيكاسو يستمتع برؤية انجذاب النساء إليه وتأثيره القوي عليهن، وقال إنه اندهش في لقائه الأول به من تلك القوة الكاسحة المنبعثة من هذا الرجل الضئيل، الذي يمتلك نظرات نافذة، ولفت إلى مصطلح معروف في إسبانيا هو "ميرادا فولتيه" ويعني النظرة القوية، حيث اعتقد الرجال في الأندلس أن بإمكانهم إغراء النساء بنظرة عين، وهي قوة كان بيكاسو يمتلكها بوفرة.

وطيلة حياته وحتى بعد عقود من وفاته، كانت سمعته محل جدل، وصفوه بالعبقري والمغرور، وزير النساء، أما هو فصور نفسه في واحدة من لوحاته على هيئة مخلوق أسطوري نصفه ثور والآخر رجل، ثور عاشق للنساء اللاتي شكلن وقود حياته وفنه، ورجل صنع أشهر لوحات القرن العشرين الفنية.


اضف تعليق