استراتيجية جديدة للمركزي الأمريكي.. هل يحتمل العالم فقاعات سوقية جديدة؟!


٣٠ أغسطس ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

أحداث كثيرة أثرت على الأسواق العالمية الأسبوع الماضي، من خطاب رئيس الفيدرالي الأمريكي "البنك المركزي" وتبنيه استراتيجية جديدة لمواجهة أكبر ركود في 73 عامًا، إلى بيانات اقتصادية كثيرة وتحديدًا من الولايات المتحدة الأمريكية.

استراتيجية جديدة للبنك المركزي الأمريكي

في يوم الخميس الموافق 27 أغسطس 2020، كشف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي "البنك المركزي" عن استراتيجية جديدة لاستعادة التوظيف الكامل بالولايات المتحدة والعودة بالتضخم إلى مستويات أفضل لسلامة الاقتصاد في ظل أوضاع يَرى أنها تنطوي على "مخاطر متزايدة تهدد التوظيف والتضخم".

وبموجب النهج الجديد، الوارد في بيان لأهداف مجلس الاحتياطي طويلة الأمد واستراتيجية السياسة النقدية أقره جميع صناع سياساته السبعة عشر، سيستهدف البنك المركزي الأمريكي تضخمًا يبلغ اثنين بالمئة في المتوسط، مع تعويض فترات التراجع عن اثنين بالمئة بمعدلات أعلى "لبعض الوقت"، وبما يكفل عدم نزول التوظيف عن سعته القصوى.

وفي كلمته خلال المؤتمر السنوي للاحتياطي الفيدرالي في كنساس سيتي، قال جيروم باول: إن البنك سيتخلى عن سياسته التقليدية برفع سعر الفائدة بشكل استباقي لكبح جماح التضخم المتوقع. وأضاف أن الاحتياطي الفيدرالي لن يقيد نفسه حرفيًا بمعدل تضخم مستهدف عند 2%.

وتقليديًا، فتلك مهمة البنوك المركزية في الاقتصادات المفتوحة عامة؛ إذ يدير البنك السياسة النقدية بشكل يمنع غليان الاقتصاد. وفي حال ظهور مؤشرات من سوق العمل، مثل ارتفاع معدلات التوظيف والأجور، فيلجأ البنك المركزي إلى رفع سعر الفائدة للحد من الضغوط التضخمية المتوقعة.

واعترف باول بأن التخلي عن تلك القاعدة والسماح بارتفاع التضخم، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، يعني ارتفاع أسعار سلع أساسية تضر بموازنات الأسر محدودة الدخل، لكنه اعتبر ذلك ضروريًا للسماح لسوق العمل بالتوسع في نمو الوظائف بعد الأزمة التي سببها وباء فيروس كورونا، وأدت لدخول عشرات ملايين الأمريكيين إلى قوائم البطالة. ووفقًا لآخر بيانات صادرة عن وزارة العمل الأمريكية، حوم عدد الأمريكيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانة البطالة عند نحو مليون طلب في الأسبوع الماضي مما يشير إلى أن تعافي سوق العمل يتعثر مع استمرار جائحة كوفيد-19 وتوقف مساعدة مالية من الحكومة.

وقال باول -في كلمته عن تغيير سياسة البنك- إن "هذا التغيير يعكس تقديرنا لفوائد سوق توظيف قوي، بخاصة لكثيرين من أصحاب الدخل المتدني أو المتوسط... قد يبدو هذا التغيير متواضعاً، لكنه يعكس رؤيتنا بأنه يمكن الحفاظ على النمو في سوق العمالة والتوظيف، من دون تفشي معدلات التضخم".

وبرّر رئيس الاحتياطي الفيدرالي اللجوء لتلك الخطوة غير المألوفة بأنه "مع وصول نسبة الفائدة إلى أدنى مستوياتها، فلا يتوفر مجال واسع للاحتياطي الفيدرالي كي يدعم الاقتصاد خلال الأزمة بخفض أسعار الفائدة".

تكالب المستثمرين على أسواق الأسهم

وتلقفت الأسواق الإشارة بأن الاحتياطي الفيدرالي ربما لا يريد خفض أسعار الفائدة للسالب (أي أقل من الصفر)، لكنه في الوقت نفسه سيسمح بالتضخم المرتفع. ويعني ذلك لأسواق الأسهم استمرار خفض كلفة الاقتراض، وتوفر السيولة بشكل كبير.

ومن شأن ذلك أن يحافظ على استمرار ارتفاع مؤشرات أسواق الأسهم، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الأمريكي ركودًا غير مسبوق، ونسبة انكماش هائلة في الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة تبعات وباء فيروس كورونا.

وتعليقًا على بيان رئيس الفيدرالي الأمريكي، قال رئيس ومؤسس مجموعة دي فير الاستثمارية نايجل غرين -التي تدير استثمارات بأكثر من 12 مليار دولار- إن إعلان الاحتياطي الفيدرالي سيؤدي إلى تكالب المستثمرين على الأسهم، ما سيزيد اختلال السوق.

وأضاف، إن "الاحتياطي الفيدرالي سيبقي على سعر الفائدة عند الصفر تقريباً على مدى المستقبل المنظور، وربما لأكثر من خمس سنوات، وسيكون موقفه من ارتفاع التضخم غير صارم، بل ربما يسمح بارتفاع معدلات التضخم فوق اثنين في المئة... وسيضيف ذلك زيتًا إلى نار أسواق الأسهم المشتعلة ارتفاعًا".

مخاوف من فقاعات سوقية

وحذّر غرين المستثمرين من تراكم الأسهم في ظل استمرار ارتفاع المؤشرات، مؤكدًا أن في ذلك تجاهلًا لاختلالات السوق التي ترتفع مدفوعة بزيادة أسعار أسهم عدد محدود من الشركات، وفي مقدمها شركات التكنولوجيا، وبالتالي فإن مراكمة الاستثمارات في صناديق التداول يمكن أن يجعل المستثمرين مكشوفين أكثر على أخطار هائلة، مع أن تأثير التغيير المفاجئ في سياسة الاحتياطي الفيدرالي بالنسبة للتضخم على سوق العمل وتوفير الوظائف ليس مضمونًا؛ إذ يصعب تصور كيف سيسهم ذلك في تنشيط الاقتصاد، ويمكنه من خلق مزيد من فرص العمل، إلا أن المؤكد هو بقاء أسعار الفائدة منخفضة لفترة طويلة. الخلاصة الواضحة أن البنك لن يرفع أسعار الفائدة حتى لو ارتفعت معدلات التضخم.

ويحذر بعض الاقتصاديين من أن ذلك قد يزيد من عمق الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الأمريكي، ويسهم في غليان فقاعة تضخم قيمة الأصول، ما يهدد التعافي الهش من أزمة وباء فيروس كورونا.

ارتفاعات قياسية للأسهم الأمريكية

وفور إعلان رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأمريكي جيروم باول عن تغيير كبير في سياسة البنك، في ما يتعلق بالتضخم وبأسعار الفائدة التي تحددها شهرياً اللجنة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي، ردت بورصة وول ستريت الأمريكية على ذلك بالارتفاع إلى مستويات قياسية مجدداً، فارتفع مؤشر داو جونز للشركات الصناعية الكبرى بما يقارب نقطة مئوية (0.92%)، بينما ارتفع مؤشر ستاندرد أند بورز 500 نقطة، أي نحو نصف نقطة مئوية (0.46%)، أما مؤشر ناسداك فارتفع بشكل طفيف بنسبة 0.13%.

وقادت شركات التكنولوجيا المؤشر ستاندرد آند بورز 500 ليغلق على ذروة قياسية للمرة السادسة منذ 18 أغسطس.

كما صعد المؤشر ناسداك المجمع هو الآخر إلى مستوى إقفال قياسي مرتفع وانتقل المؤشر القيادي داو جونز الصناعي إلى جانب المكاسب على صعيد العام الحالي.

ويبدو أن أغسطس الحالي سيكون الأفضل لستاندرد آند بورز 500 منذ 34 عامًا.

وختمت مؤشرات الأسهم الأمريكية الرئيسية الثلاثة معاملات الأسبوع أعلى من إغلاق الجمعة الماضية، في مكاسب أسبوعية هي الخامسة على التوالي لكل من ستاندرد اند بورز وناسداك.

تراجع الدولار

واستأنفت العملة الأمريكية انخفاضها مقابل سلة عملات رئيسية عقب تصريحات جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي خلال مؤتمر جاكسون هول، حيث قال باول: إن البنك المركزي الأمريكي سيستهدف معدل تضخم يبلغ اثنين بالمئة "في المتوسط"، مما يعني أن فترات التضخم المنخفض ستعقبها جهود لرفعه إلى أكثر من اثنين بالمئة لبعض الوقت.

وانخفض الدولار 0.36% أمام اليورو ليسجل 1.1896 دولار بختام تداولات جلسة يوم الجمعة الموافق 28 أغسطس 2020.

انتعاش الذهب

بينما انتعش الذهب ليرتفع 1.7 بالمئة يوم الجمعة 28 أغسطس، ويصل إلى إلى 1960.72 دولار للأوقية (الأونصة)، لتصل مكاسب الأسبوع الماضي إلى أكثر من 1%.

وصعدت عقود الذهب الأمريكية الآجلة اثنين بالمئة إلى 1971.40 دولار للأوقية.

وقال ديفيد مادن، محلل السوق لدى سي.إم.ٍسي ماركتس، "التراجع الكبير في العملة الأمريكية رفع الذهب".

وأضاف، "مجلس الاحتياطي قد يسمح للتضخم بالارتفاع فوق هدفه البالغ اثنين بالمئة لبعض الوقت. يبدو أنهم سيبقون سياستهم النقدية في وضع التيسير البالغ، وهو ما سيدعم الذهب".

وتراجع الدولار إلى أدنى مستوى في أكثر من أسبوع، مما يجعل الذهب أقل تكلفة لحملة العملات الأخرى.
 


اضف تعليق