التقاريرسياسة

وتتوالى المصائب.. “بسري” لبنان في مهب الريح

هدى إسماعيل

يبدو أن مصائب بيروت لا تنتهي؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه لبنان بالفعل من أزمة اقتصادية متفاقمة قبل انفجار مرفأ بيروت، كان أكثر من 75% من اللبنانيين بحاجة لمعونة، وهي نسبة تزايدت سريعا خلال الفترة الماضية بعدما فقد 33% عملهم بينما يعيش أكثر من مليون شخص تحت خط الفقر، جاء اليوم قرار البنك الدولي الذي يعتبر مُحزنًا للبعض وسارًّا لآخرين، عن إلغاء 244 مليون دولار من الأموال لمشروع سد بسري في لبنان بعد إثارة مخاوف متكررة بشأن المشروع منذ يناير الماضي، مؤكدًا أن الحكومة اللبنانية أخفقت في الرد على تساؤلات بشأن خطة تعويض بيئي وترتيبات لتشغيل وإدارة السد.

ذكر البنك -في بيان له- أن القرار سينفذ بأثر فوري نتيجة عدم استكمال مهام محددة لازمة قبل بدء أعمال التشييد، المشروع الذي يموله البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية والحكومة اللبنانية، يهدف إلى زيادة حجم المياه المتاحة لمنطقة بيروت الكبرى وجبل لبنان، حيث يعيش حوالي نصف سكان لبنان.

وأشار البيان إلى أن البنك الدولي أخطر الحكومة اللبنانية بإلغاء الأموال، حيث يسري القرار على الفور، مؤكدًا أنه شدد مرارًا وتكرارًا على الحاجة إلى “عملية استشارية مفتوحة وشفافة وشاملة”.

وكان البنك الدولي بانتظار رد من الحكومة اللبنانية حول مسائل أثارت “قلقه”، واعتبرها شروطًا مسبقة تتضمن الانتهاء “من وضع خطة التعويض الإيكولوجي”، كجزء من التقييم البيئي والاجتماعي للمشروع، وهي تتضمن إعادة التشجير والحد من مخاطر الحرائق، ومن الانتهاء “من وضع ترتيبات التشغيل والصيانة” و”تواجد المقاول في موقع العمل” في الرابع من سبتمبر.

وأوضح بيان المؤسسة الدولية، أن الحكومة اللبنانية لم تعالج تلك المسائل على النحو المطلوب، و”اعتبارًا من الموعد النهائي المتفق عليه في الرابع من سبتمبر 2020، لم يتلق البنك الدولي أدلة مرضية على أن البنود الثلاثة المطلوبة قد تحقّقت”، لذلك قررت المؤسسة إلغاء المشروع.

تمويل البنك الدولي

تبلغ التكلفة الإجمالية للسد 617 مليون دولار، كان من المقرر أن يقدم البنك الدولي 474 مليون دولار، حيث كان من المتوقع أن يكتمل السد بعد خمس سنوات من تاريخ توقيع عقد البناء، لكن لا يزال السد غير مبني في حين دفع البنك الدولي 244 مليون دولار من إجمالي التمويل.
في أبريل الماضي، جمّد البنك الدولي تمويله لتسهيل الحوار مع المواطنين ومجموعات المجتمع المدني المعارضة للمشروع، حيث أصرت المجموعات على أن السد سيكون له آثار بيئية وبيئية سلبية طويلة الأمد، فضلًا عن تدمير عشرات المواقع الأثرية في وادي بسري.

قبل استقالتها في يوليو، تقدمت حكومة رئيس الوزراء “حسان دياب” بطلب لتمديد مهلة 22 يوليو، التي حددها البنك الدولي لاستئناف البناء لمدة ثلاثة أشهر، لكن لم يُمنح سوى ستة أسابيع أخرى حتى 4 سبتمبر.

وفي ظل الوضع الحالي، أكد البنك الدولي استعداده للعمل مع الحكومة اللبنانية لتحديد كيفية استخدام مبالغ مشروع سد بسري الملغى “بأكبر قدر من الفعالية لتلبية احتياجات الشعب اللبناني المستجدة”.

أنقذوا بسري

لم يكن الجدل الـمُثار حاليًا وليد اللحظة، حيث عصف الجدل بمشروع سد “بسري” منذ اقتراحه في عام 1953، كما تجدد عند انطلاق المشروع في عام 2014 بعد أن وافق مجلس الوزراء اللبناني على قيادة البنك الدولي للمشروع في إطار مشروع زيادة إمدادات المياه في لبنان.

“سد الخلاف” هكذا يمكن وصف سد بسري اللبناني، نظرا للخلاف حوله من قبل اللبنانيين، الذين انقسموا ما بين مؤيد يرى أن المشروع سيوفر المياه لمنطقة بيروت الكبرى وجبل لبنان حيث يعيش حوالي نصف سكان لبنان، ومعارض يرى أن المشروع يشوبه الفساد ويقضي على القيمة التراثية والطبيعية للمنطقة.

لم يرفع الناشطون وأهالي المنطقة الصوت عاليًا فقط خشية على المزارعين وعلى أراضيهم، بل خوفًا من أن يحرك الصدع الزلزالي الذي يمر من المنطقة وتسبب عام 1956 بزلزال بقوة ست درجات على مقياس ريختر.

وفي نفس الشأن، طمأن البنك الدولي باستمرار المعارضين مؤكدا وجود مشاريع أخرى لإعادة التشجير قرب المنطقة، كما أنه أكد دائمًا اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفادي أي مخاطر زلزالية.

رفض العديد من الناشطون بناء السد الأمر الذي أجبر البنك الدولي في يونيو الماضي على تعليق المشروع جزئيًا، الأمر الذي اعتبره ناشطون انتصارا لهم، حيث احتشد الرافضين أمام مكاتب البنك الدولي وسط بيروت للتعبير عن رفضهم للمفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي بشأن موقع بناء سد بسري. وحملوا لافتات تتضمن رسائل مثل: “أوقفوا تدمير مواقع التراث”، و”البنك الدولي يدمر أرضنا، أنقذوا بسري”.

ورغم تطمينات سابقة من الحكومة اللبنانية والبنك الدولي إلا أن ناشطين بيئيين ومزارعين يعربون عن خشيتهم من تداعيات بناء السدّ، لما سيترتب عنه من مصادرة عدد كبير من الأراضي الزراعية وقطع آلاف الأشجار والقضاء على تنوع بيولوجي لافت يميز تلك المنطقة.

جانب آخر

يرى المؤيدون أن السد سيحل مشكلة رئيسية يواجهها سكان لبنان منذ الحرب الأهلية وهي النقص الحاد والمزمن في المياه، فأكثر من 1.6 مليون شخص يعيشون في أنحاء بيروت الكبرى وجبل لبنان، من بينهم 460 ألف شخص يعيشون على أقل من 4 دولارات في اليوم، ستتوفر لهم المياه النظيفة.

وكان من المفترض أن يصبح ثاني أكبر سدود لبنان على أن تصل قدرة استيعابه إلى 125 مليون متر مكعب ستتجمع في بحيرة تقارب مساحتها 450 هكتارًا.

كتب “جبران باسيل” رئيس التيار الوطني الحر الذي يتزعمه رئيس الجمهورية، والذي كان من أبرز مؤيدي المشروع، على تويتر “سيأتي يوم تطالب فيه الدولة اللبنانية ومعها كل أهالي بيروت وجزين وصيدا والشوف وبعبدا وعاليه بتمويل سد بسري”، مضيفًا “ستظهر الحاجة للمياه، عندها لن ينفع البكاء، ولن يجدي إلا تأمين قرض جديد لنعود إلى نفس السد”.

آثار تاريخية

يعرف مرج “بسري” بأنه موقع إحدى أقدم مدن لبنان التاريخية، وما زالت آثار هذه المدينة ظاهرة للعيان، تنتظر خبراء الآثار ليكشفوا عن شواهدها التاريخية ، والموقع نفسه سار فيه السيد المسيح بحسب خبراء عندما جال بين المدن العشر كما تخبر أناجيل العهد الجديد، وهو يحتوي على مئات المواقع التاريخية والتراثية، كما يعتبر محطة رئيسية لهجرة الطيور عبر العالم، وموئلًا طبيعيًا للكثير من الحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى